التعاون في البيت

سلوك طفل مسلم –
القاهرة / أمانى أحمد –
إن البيت المسلم لا تقوم فيه الحياة الأسرية إلا على أساس من التزام كل من فيه بأدب الإسلام في التعامل والتعاون بينهم. وإذا كان هناك واجبات للآباء وضرورة التزامهم بأدب الإسلام وأخلاقه مع أبنائهم فإن على الأبناء واجبات داخل البيت وهي واجبات كثيرة ينبغي أن توظف فيها طاقاتهم كما يقول الدكتور على عبد الحليم محمود في كتابه (تربية الناشئ المسلم) وهي الالتزام بأدب الإسلام وأخلاقه في التعامل مع الوالدين والإخوة وكل من في البيت، لأن هذا الالتزام هو الذي يدعم روح التعاون وينمى كل معاني الخير. وأيضا الإسهام بالاستجابة لكل ما يطلبه البيت من متطلبات معنوية أو مادية أو خدمية ما دام ذلك في استطاعة الأبناء، ومن أمثلة حاجات البيت المستمرة: الهدوء والنظام والترتيب والتنسيق وحسن التعامل مع كل من في البيت، والنظافة والقيام بالأعباء التي يحتاجها البيت في داخله أو من خارجه.

ومن حاجات البيت: تنظيف المكان الخاص بكل واحد من الأبناء وترتيبه، ومعاونة الأبوين في كل ما يحتاجانه من أمور البيت كالالتزام بأدب الإسلام في الطعام والشراب والنوم والاستئذان في الدخول على الأبوين وخفض الصوت، وترك التطفل والتدخل فيما لا يعنى الأبناء.
وكذلك المسارعة إلى أداء الواجبات المدرسية دون إجبار الوالدين على الإلحاح في ذلك، وإراحة الوالدين من هموم المتابعة والمراقبة أثناء أداء العمل المدرسي، لأن الإسلام يدعو إلى الإحسان بمعنى التجويد، وبمعنى مراقبة الله تعالى في كل عمل يقوم به الأبناء.
وأيضا رحمة الصغير من الأخوة والأقارب، واحترام الكبير منهم، لأن ذلك هو خلق الإسلام وأدبه، بل إن ذلك هو ما أوجبه الإسلام على المسلمين جميعا، وروى الترمذي بسنده عن أنس رضى الله عنه قال: جاء شيخ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبير».
عدم إرهاق البيت بمطالب ثانوية
كما نهت الشريعة الإسلامية أن يشب الأبناء على الإسراف والتكبر والمخيلة، بل دعت إلى التوسط والتواضع، قال الله تعالى:{ يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} سورة الأعراف الآية31.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة، فأما ما تدعو الحاجة إليه وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه شرعا وعقلا، لما فيه من حفظ النفس، ولا يسرفوا في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة الشرب، وذلك يثقل المعدة ويثبط الإنسان عن خدمة ربه والأخذ بحظه من نوافل الخير.
روى ابن ماجة بسنده عن أنس رضى الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من السرف أن تأكل ما اشتهيت». وفى ترك الاختيال والتكبر، روى ابن ماجة بسنده عن بشر بن جحاش رضى الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما على كفه ووضع إصبعه عليه وقال:«يقول الله تعالى: ابن آدم أتعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، جمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة».
وروى البيهقي في الشعب بسنده عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقى الله وهو عليه غضبان». وروى الإمام مسلم بسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد له إلا رفعه». وروى البزار بسنده عن طلحة رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا، وكان صائما، فأتيناه عند إفطاره بقدح من لبن، وجعلنا فيه شيئا من عسل فوضعه وقال: «أما أنا لا أحرمه، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله، ومن اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله».
ذلك أدب الإسلام في مقاومة الإسراف والتبذير، والدعوة إلى التواضع والاقتصاد، وهو ما يجب أن يكون من صفات الناشئين بل من واجبهم في بيوتهم، فإن لم يفعلوا أثموا وأرهقوا بيوتهم تلك المطالب الثانوية التي لا يقبل عليها إلا الغافلون عن الحق، وعن أخلاق الإسلام وهديه في ممارسة الحياة.
ومن المؤكد أن الإسلام بهذه الأخلاق يوظف طاقات الناشئين والشباب وأفراد البيت جميعا، للتعامل الجيد الطيب مع بيوتهم وذويهم بروح التعاون والتراحم والتواد، وحسن تقدير الظروف قبل الطلب لهذه الثانويات من الحاجيات، فضلا عن الإلحاح في الطلب.
وإن بعض الأبناء إذا لم يستجيبوا لهذا الأدب الإسلامي، طامعين في عطف الأبوين أو مزيد من الإشفاق والرحمة التي يجدونها من الأبوين، فإن على الآباء ألا يضعفوا أمام هذه المطالب الثانوية للأبناء، فإذا استجاب بعض الآباء لهذه المطالب فإن النتيجة ليست لصالح الآباء ولا لصالح البيت ولا لصالح الأبناء. إن النتائج بالنسبة للآباء هي إرهاق ميزانية البيت إن كانت قدرات البيت محدودة، وإفساد الأبناء بالاستجابة لكل ما يطلبون إن كانت ظروف البيت تسمح بذلك، وبالنسبة للبيت نفسه أن يصاب بالاضطراب وبممارسة الإسراف وتشجيع الأبناء على المبالغة في مطامعهم الثانوية، وبالنسبة للأبناء يعودهم ذلك على الطمع والأنانية، وسوء تقدير الظروف، وكل تلك النتائج ليست في صالح البيت عموما، وهي مما حرمه الإسلام أو كره فيه.