إفريقيا.. التوسع في الإنتاج وتوليد الوظائف

د. اليكس فاينز –
مركز شاتام هاوس –
ترجمة قاسم مكي –
إفريقيا قارة شابة جدًا. وهي تزداد شبابًا. وستزيد «انتفاختها الشبابية» من عدد سكانها إلى الضعف من 1.2 بليون نسمة اليوم إلى حوالي 2.5 بليون بحلول عام 2050. ويمكن أن تشكل هذه الأجيال الجديدة أصولًا ضخمة القيمة في تحريك التنمية. ولكنها أيضا مهدد محتمل لاستقرار القارة، خصوصا إذا لم تحصل على وظائف. ومن هذا الجانب، يشكل مستقبل إفريقيا مصدرًا أكبر للقلق. فنصيب الفرد من نمو ناتجها المحلي الإجمالي أقل من النصف مقارنة باقتصادات جنوب آسيا، فيما تزيد نسبة انعدام الوظائف بها عن الضعف. ولكن النمو في حد ذاته ليس كافيا. فالعمل التجاري، خصوصًا العمل التجاري الجيد، لن يزدهر في ظل ضعف الحوكمة. وبالمقابل يرتبط بناء الدولة بالعمل التجاري من خلال رابط رئيسي هو الضرائب التي تلعب دورًا مركزيًا في العقد الاجتماعي بين الشعب والحكومة وتشكل دافعًا للمحاسبة. في معظم إفريقيا تحصل الحكومات على إيرادات متدنية من الضريبة. وما يعيق العديد من بلدانها في ذلك، صغر حجم قاعدتها الضريبية أو اعتمادها على عائدات من موارد طبيعية خاضعة لتقلبات حادة في الأسعار. ويشكل التنوع الاقتصادي والمعدلات العالية للتوظيف الرسمي مفتاحًا لتحقيق الاستيعاب (الدمج) الاجتماعي والاستقرار طويل الأمد، اللذين يساهمان بدورهما في تحسين الحوكمة. تحتاج إفريقيا من أجل استثمار شبابها إلى زيادة معدل الاستثمار الاقتصادي. ولكن في حين أنها تضم 15% من سكان العالم إلا أنها لا تحصل إلا على حوالي 4.4% فقط من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر أو ما يساوي 50 إلى 55 بليون دولار. كما يحوِّل المغتربون الأفارقة إلى بلدانهم حوالي 40 بليون دولار سنويًا. غير أن ما يجلبه كلا هذين الموردين (من عملة صعبة) يتضاءل أمام معدل هروب رأس المال خصوصًا من البلدان الغنية بالموارد. فالبيانات تظهر أن الأفارقة العاديين يستثمرون في إفريقيا في حين أن فائقي الثراء منهم كثيرًا ما لا يفعلون ذلك. إذن كيف يمكن أن تحقق دول إفريقيا اقتصاديات الحجم الكبير وتحصل على ذلك النمو الذي يفيد الجميع والمطلوب بشدة؟ لا توجد إجابة وحيدة لذلك. لا يوجد حل سحري. لكن التنوع الثقافي والسياسي الهائل في إفريقيا يستلزم أيضا أن يكون الحل إقليميا ومحليا وعالميا. لقد حددت دراسة جديدة أجراها مركز شاتام هاوس السياساتِ التي يمكن أن تختار منها الحكومات ومؤسسات الأعمال والمستثمرون ما يدعم تنمية قطاع خاص منتجٍ للوظائف من خلال تحويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة «من شركات ناشئة startups إلى شركات متوسعة scaleups» في أربعة بلدان إفريقية جنوب الصحراء. تلقي الدراسة الضوء على ما هو مطلوب لمساعدة مؤسسات الأعمال على النمو والمنافسة في الداخل وعلى مستوى المنطقة وتوفير وظائف مستقرة لأعداد متزايدة من الشباب. أجرى القائمون على الدراسة مقابلات مع مالكي ومديري ما يزيد عن 60 مؤسسة أعمال في أربعة بلدان هي نيجيريا وتنزانيا وأوغندا وزمبابوي لتكوين فكرة عن بيئاتها التجارية وهمومها المشتركة وفهم السياسات الإيجابية بها. فالشركات «الكبيرة» تكون أكثر إنتاجا وتنافسية وأفضل توظيفا للأيدي العاملة. وتكشف الدراسة عن طاقة أكبر في مجال ريادة الأعمال بالبلدان الأربعة. فهناك مؤسسات متوسطة وصغيرة عديدة تطمح إلى النمو والتحول إلى جهات توظيف كبرى تلعب دورًا إقليميًا وقاريًا بل وحتى عالميًا. كما توجد أسواق محلية وإقليمية ضخمة لم تستغل إلى حد كبير وسط سكان يتحولون بسرعة إلى حياة المدن وطبقة وسطى متنامية. ومن المؤكد أن إفريقيا لديها إمكانيات بشرية كافية لإطلاق موجة من الشركات العملاقة ذات المنشأ المحلي في العقود القادمة. ولكن من أجل الاستفادة من هذه الإمكانيات من الضروري التعرُّف على الحواجز التي تمنع المؤسسات المتوسطة والصغيرة من زيادة حجم عملياتها (بالتحول إلى شركات متوسعة). أولا، يجب أن تدخل هذه المؤسسات في الاقتصاد الرسمي (المنظم). فالعديد من مؤسسات الأعمال العاملة في القطاع غير الرسمي الضخم في إفريقيا تدار عائليًا وغالبًا ما لا تكون مسجلة. من الصعب جدًا اتخاذ هذه الخطوة الضرورية لتوسع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خصوصًا عندما يكون معدل الضرائب مرتفعًا والإجراءات التنظيمية خانقة. وحين تتخذ المؤسسات هذه الخطوة ستواجهها تحديات رئيسية في بلدان عديدة رغم اختلاف سياقاتها السياسية أو الثقافية. فهي بحاجة إلى تعظيم قدرة حصولها على التمويل المتوسط والى مديرين أصحاب خبرة وقوة عاملة ماهرة وبنيات أساسية أفضل خصوصًا الكهرباء والطرق وتحسين قدرة الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية وأنظمة تنظيمية وضرائبية واضحة وثابتة. كما يلقي البحث أيضًا الضوء على المساهمة التي يمكن أن تقدمها التقنيات الجديدة في المجالات الرئيسية مثل التعليم وتطوير المهارات وقدرة الحصول على رأس المال والأسواق. إن معدلات النمو الإفريقي الحالية ليست مرتفعةً بما يكفي لإيجاد وظائف رسمية كافية للشباب أو حتى لتوليد فرص وظيفية في الاقتصاد غير المنظم. (الوظيفة الرسمية هي التي ترتبط بعقد عمل وساعات عمل مقررة ومسؤوليات وتوقعات وظيفية محددة- المترجم). وبذلك، فالتركيبة السكانية لإفريقيا «قنبلة موقوتة» بأجيالها التي ستنشأ دون وظائف أو مستقبل. وهذا وحده يكفي لتركيز الأذهان. لكن من الممكن أيضا أن تكون هنالك رؤية أكثر إيجابية. فهناك اقتران بين إيجاد الوظائف والتنمية الاقتصادية/‏‏ الاجتماعية وخفض الفقر. وسيكون دور القطاع الخاص في إفريقيا حيويًا لمقابلة طموحات إفريقيا جنوب الصحراء والوفاء بآمال شعوبها في القرن الحادي والعشرين. كما يمكن إعادة هندسة القنبلة الشبابية الموقوتة وتحويلها إلى محرِّك للنمو الاقتصادي. لذلك يحتاج واضعو السياسات إلى فهم محركات ومعيقات «نمو» الشركات الإفريقية حتى تتمكن من تحقيق أهداف التنمية الوطنية وإيجاد وظائف أفضل. فالحكومات التي أدركت ذلك تشهدُ استثمارًا متواصلًا من القطاع الخاص رغم قسوة مناخ الاستثمار في إفريقيا اليوم. وحسب نتائج دراسة مركز شاتام هاوس، يمكن أن تقود التغييرات البسيطة في السياسة الوطنية أو مواقف المستثمرين تجاه المخاطرة في إفريقيا إلى نتائج إيجابية بتمكين رواد الأعمال وتغذية نمو مؤسسات الأعمال وبالتالي إيجاد الوظائف.

• الكاتب – مدير أبحاث دراسات المناطق والقانون الدولي ورئيس برنامج إفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس).