إصلاح الأمم المتحدة والجامعة العربية

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
الكوارث العربية والحروب ، والتي كانت عدد من الدول العربية أطرافا فيها ، كانت تتطلب من الدول الأعضاء الإسراع في تحديث وإصلاح الجامعة العربية ، وقد كان للسلطنة ومن خلال ديبلوماسيتها ، دور إيجابي من خلال تصور متكامل يبنى عليه إصلاح الجامعة العربية وجعل دورها القومي أكثر حيوية

ارتفعت الأصوات من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال دورتها الأخيرة حول أهمية إصلاح الأمم المتحدة وتنشيط هياكلها والتخلص من البيروقراطية التي اتسمت بها بعض أجهزتها خلال السنوات الأخيرة خاصة على صعيد عمليات الإغاثة في مناطق النزاع أو من خلال الهيمنة على القرار من قبل الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي .
وإذا كانت الأصوات المرتفعة المنادية بإصلاح الأمم المتحدة ، بعضها من العالم العربي ، فان جامعة الدول العربية وهي أقدم من الأمم المتحدة بشهور تحتاج هي الأخرى إلى إصلاح جذري ينتشلها من الجمود وغياب الهيبة السياسية على صعيد الرأي العام العربي الذي فقد الثقة كثيرا في هذه المنظمة العربية التي تم إنشاؤها عام 1945،

لماذا تعاني المنظمات الدولية ؟

رغم أن دور الأمم المتحدة ومقرها مدينة نيويورك الأمريكية هو دور أممي متشعب، ويهدف إلى الحفاظ على السلم والاستقرار في العالم وحل الصراعات العسكرية بالطرق السلمية إلا أنه وبنظرة فاحصة ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن اندلعت عشرات الصراعات المسلحة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وحتى أمريكا اللاتينية ، ولم تستطع الأمم المتحدة فعل الكثير إزاء تلك الصراعات والتي قادتها الدول المنتصرة في الحرب الكونية الثانية خاصة الولايات المتحدة ، وأشهر حروبها في آسيا حيث الحرب المدمرة في فيتنام وأيضا الحرب الكورية والحرب في الفليبين ، وحروب واشنطن الحديثة في أفغانستان والعراق ، حيث تم غزو البلدين تحت دعاوى الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل وهي دعاوى لم تثبت صحتها كما في الحالة العراقية علي الأقل ، وهناك الحروب الروسية قبل سقوط الاتحاد السوفيتي السابق ومنها الحرب في أفغانستان ، وهي حرب طويلة انتهت بانسحاب مذل للروس ، كما في الحالة الأمريكية في فيتنام ، وكذلك حرب موسكو في الشيشان ، وفي أوكرانيا ، وكذلك الحرب بين بريطانيا والأرجنتين حول جزر الفوكلاند في ثمانينيات القرن الماضي .
ورغم تلك الحروب القاسية التي خلفت ملايين الضحايا ودمرت كثيرا من تلك البلدان ، فقد كان دور المنظمة الدولية هامشيا ، فالسيطرة في مجلس الأمن للدول الخمس الكبري ، دائمة العضوية فيه ، ومن هنا فان إصلاح الأمم المتحدة أصبح ضرورة ، من خلال إيجاد آليات جديدة لحل مشكلة استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن ، ومن خلال زيادة عضوية الدول في مجلس الأمن كأعضاء دائمين وهناك دول مرشحة وفي مقدمتها اليابان وألمانيا الهند والبرازيل وكذلك جنوب أفريقيا ونيجيريا ومصر، كما ان هياكل الأمم المتحدة تحتاج إلي إعادة ترتيب حيث ان هناك ترهلا في عدد منها ، كما ان احترام القرارات الدولية خاصة الصادرة من مجلس الأمن وهي قرارات ملزمة تحتاج إلى تفعيل وتطبيق .

وماذا عن الجامعة العربية ؟

الجامعة العربية تمثل الصوت العربي المدافع عن القضايا العربية في الإقليم وحول العالم ولكن مع الأسف دور هذه المنظمة العربية تراجع كثيرا بسبب ثبات ميثاقها والذي لم يعد صالحا للمرحلة الحالية والتحكم في قرارات الجامعة من قبل الدول الأعضاء . فسياسة الجامعة العربية وقراراتها هي محصلة لمواقف الدول العربية من خلال محاور محددة ، كما ان مسألة الإجماع في التصويت هي مسألة في غاية الصعوبة وهذا ما عرقل العمل العربي المشترك خاصة على الصعيد الاقتصادي والسوق العربية المشتركة والكثير من أدوات التعاون العربي المشترك .
فالكوارث العربية والحروب ، والتي كانت عدد من الدول العربية أطرافا فيها ، كانت تتطلب من الدول الأعضاء الإسراع في تحديث وإصلاح الجامعة العربية ، وقد كان للسلطنة ومن خلال ديبلوماسيتها ، دور إيجابي من خلال تصور متكامل يبنى عليه إصلاح الجامعة العربية وجعل دورها القومي اكثر حيوية ، لتلعب دورها في لم الشمل العربي وحل النزاعات بين الدول من خلال الحوار. وهناك أزمات عديدة بين الدول العربية عجزت الجامعة عن إيجاد حلول موضوعية لها على مدى السنوات الماضية ، وهذه معضلة كبيرة لدور جامعة الدول العربية وأصبح هناك تساؤلات عن مدى جدوى بقائها كرمز فقط .
وإذا كانت الحاجة ملحة لإصلاح الأمم المتحدة ، فان هناك حاجه أكبر لإصلاح بيت العرب ، خاصة في ظل تدهور العلاقات العربية – العربية ، وفي ظل تهديد تقسيم بعض الأقطار العربية ، كما هو الحال في إقليم كردستان العراق ، وكما حدث في السودان ، حيث أصبح هناك كيان جديد باسم دولة جنوب السودان والوضع يعد خطيرا في اليمن ، كما أن هناك الوضع في سوريا والذي تتقاتل فيه دول وجماعات مسلحة ، ولا يعرف ما يمكن أن يؤول إليه بعد ، وكذلك الوضع في ليبيا ، وهو لا يقل خطورة أيضا . وبالطبع الوضع في الخليج .
وفي ضوء ذلك كله ، تبرز أهمية وجود منظمة عربية فاعلة يكون لها اليد الطولي في التدخل من خلال طاولة الحوار ، وأن تكون مصالح الدول وشعوبها هي أهم بكثير من اختلافات في الرؤى والمحددات السياسية .
إن الأزمات العربية لن تحل في ظل وجود جامعة عربية لاحول لها ولا قوة ، وفي ظل عدم وجود إرادة عربية موحدة للنهوض بالعمل العربي المشترك ، رغم ان العرب يملكون مكونات بشرية واقتصادية هائلة ، ويملكون مواقع استراتيجية مهمة ومسارات بحرية حيوية ، ومن المؤسف أن هذه الطاقات قد أهدر منها الكثير ، خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، مما سبب مآسي اجتماعية واقتصادية وإنسانية في ظل غياب المنظومة العربية ذات الكفاءة والمتكاملة في المواقف والرؤى .
إن إصلاح الأمم المتحدة وإصلاح الجامعة العربية يصب في مصلحة العالم ، ولا شك ان هناك منظمات إقليمية فاعلة كمنظمة الاسيان لدول جنوب شرق آسيا ، وحتى الاتحاد الإفريقي ، قياسا على الأقل إلى دور الجامعة العربية ، ومن هنا لابد ان يراجع العرب انفسهم حيث إن وضعهم ومستقبل أجيالهم وثرواتهم هو محل تساؤل كبير من خلال دراسات بحثية تتحدث عن مستقبل مجهول وعن احتمالية تقسيم بعض دول المنطقة كما تمت الإشارة في السطور السابقة . ان العرب هم الآن في مفترق طرق ، وهناك سياسات عربية تؤثر سلبيا على التماسك العربي ، ومن هنا فإن المراكز البحثية لابد ان يكون لها كلمة ورؤية ، مساعدة على الأقل ، من خلال عقد ندوات فكرية معمقة ، ومن خلال بحوث حول مستقبل العالم العربي ، من خلال عالم يشهد متغيرات جيواستراتيجية ، وان الأمن القومي العربي مهدد في أكثر من منطقة ، فهل نرى نقاشا واسعا من المفكرين العرب حول حال الأمة العربية ، وما هو مصير الأجيال الجديدة ، وهل أساسا يمكن الحديث عن مفهوم إصلاح الجامعة العربية ، على غرار مفهوم إصلاح الأمم المتحدة ، أم أن هناك قفزة على الواقع الحالي وان مسألة الإصلاح أصبحت جزءا من الماضي ؟! .