يوسف بكار.. الترجمة فنّ دقيق لا يستطيعه إلا ذوو المقدرة والبراعة

عمّان، «العمانية»: تعد الترجمة من أهم الأدوات لنقل الثقافات والمعارف، فعبرها اطّلعت أوروبا على الإنتاج الفكري الإسلامي، وعبرها تعرف العرب على جديد العلوم في الغرب، لذا فهي من أبرز أشكال التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب. ولفن الترجمة قواعد وأصول، يتعين مراعاتها، بجانب الذائقة التي تختلف في مستواها بين مترجم وآخر، لذا ذاع في هذا المجال صيتُ كثيرين، فيما خفت بريق آخرين.
وقد صدر أخيرًا للباحث والمترجم الأردني د.يوسف بكار كتاب بعنوان «في محراب التـرجمة.. إضاءات وتجارب وتطبيقات ونقود»، عن الآن ناشرون وموزعون بعمّان، وفيه يحكي مسيرته مع الترجمة.
ويقول المؤلف في كتابه: «كانت لي في هذا المحراب تجارب وجهود من الفارسـية وإليها تحديدًا، وهو ميدان قليل فرسانه، وفي التنظير المنبجس منها، وفي نقد ترجمات عدة كما يتبدّى واضحًا في الأعمال التي ترجمتها وألّفتها وحققتها، وفي البحوث والمقالات التي سطّرتها»، مضيفًا إن هناك معايير وإجراءات ترجميّة مشتركة بين لغات الأرض كافة «لا حَيْدة عن الالتزام بها والامتثال إليها». ويؤكد أن الترجمة «فن دقيق» لا يستطيعه إلا ذوو المقدرة والبراعة، وأن الجاحظ، وهو من القرن الثالث للهجرة، من أقدم من تكلموا على فن الترجمة وشـروطها، وعلى المترجم وشروطه، حيث يقول الجاحظ: «ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في الترجمة نفسها في وزن علمه في المعرفة نفسها.
وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة إليها حتى يكون فيهما سواءً وغاية». ويضيف: إن شـرط الجاحظ هذا ضروري جدًا لصحة الترجمة وسلامتها.
فالبيان في اللغة المترجَم إليها ليس كافيًا وحده، ولا بد من العلم والمعرفة بالنص المترجم.
ويشير إلى ما قاله وديع فلسطين لتوضيح هذا الشـرط: «الفهم يسبق النقل، ولا بد لفهم المتن المراد نقله من إجادة اللغة التي كُتب بها، ومعرفة دقائقها وقواعدها وآدابها وشواذها وشواردها، ولا بد قبل النقل من إجادة اللّغة التي يُنقَل إليها النص». ويشير بكار إلى أن الدقة في اختيار الألفاظ والكلمات المناسبة الدقيقة لا تعني الميل إلى انتخاب الغريب والوحشي منها، وهو ما يفعله بعض المترجمين للتدليل على مقدرتهم اللغوية، فالميل إلى الألفاظ الغريبة المهجورة من العيوب التي تؤخَذ على المترجم.
من هنا جاءت حملة ميخائيل نعيمة في كتابه «الغربال» على ترجمات الشاعر خليل مطران لمسـرحيات شكسبير، ونقد طه حسـين اللاذع للشاعر حافظ إبراهيم في ترجمته كتاب «البؤساء» لفيكتور هوجو، ونقد عدد من النقاد لعادل زعيتر (شيخ المترجمين العرب) في ترجماته الكثيرة.
ويشدد المؤلف على أن من أهم شـروط المترجم الأمانة في الترجمة، وهذا يعني أن يترجم كل ما يريد ترجمته دون أن يحذف منه أو يزيد عليه أو يتصرف فيه إلّا لضرورات قصوى تفرضها الدّقة في الموضوع وطبيعة اللّغة المترجَم إليها.
ويقول: إن أهمية التقيد بالأصل المترجم عنه تظهر في الترجمة الثانية أو الثالثة أو الترجمة عن ترجمة. فالمترجم الذي يترجم شيئًا عن ترجمته في لغة أخرى لا عن لغته الأصلية يقع حتمًا في الأخطاء نفسها التي وقع فيها المترجم الأول من حذف أو زيادة أو تصرف أو بعد عن الأصل. ويؤكد أن بعض المترجمين يضطرون أحيانًا للحذف لاعتبارات دينية أو أخلاقية أو اجتماعية أو غيرها؛ لكن الأمانة في الترجمة لا تبيح الحذف مهما تكن أسبابه، ويعده النقاد خيانة علمية كبرى، لهذا لم يرضَ النقاد عما أحدثه عادل زعيتر من حذف في ترجمته لكتاب «حضارة العرب» للباحث جوستاف لوبون.
ويقول: إن الأمانة تفرض على المترجم أن يترجم الأصل كما هو، وله بعد ذلك أن يسجل ملاحظاته واعتراضاته وتعليقاته ونقده لآراء مؤلف الكتاب الذي يترجمه في حواشي ترجمته. غير أن أسوأ أنواع الحذف وأشدها خيانة كما يرى بكار، هو الحذف المتعمد الذي يلجأ إليه المترجم لعجزه وعدم فهمه لبعض الجمل والعبارات والاصطلاحات في اللغة التي يترجم عنها، فلا يجد -والحال هذه- طريقة أفضل من الحذف للفكاك من هذه المشكلات.