داعش ومخاطر «افتراضية»

أ.د. حسني نصر –

مع تزايد الضربات وتتالي الهزائم التي يتعرض لها تنظيم (داعش) على الأرض في العراق وسوريا ومناطق وجوده في أماكن أخرى على الخريطة العربية، ومع وصول توقعات دحره والقضاء عليه تماما إلى درجة اليقين، ظهرت في الأيام الأخيرة تحذيرات من أن يتحول التنظيم كلية إلى الفضاء الإلكتروني على الإنترنت ليصبح تنظيما افتراضيا، يجند الأنصار ويجمعهم حوله ويشكل منهم خلايا قادرة على القيام بأعمال إرهابية مخططة في أماكن تواجد هؤلاء الاتباع، وبالتالي تحويل «الخلافة» التي فقدها من واقع فعلي ولو محدود إلى «خلافة» افتراضية على شبكة الويب وشبكات التواصل الاجتماعي، يستطيع من خلالها الحفاظ على بقائه، وهو ما يعنى في التحليل الأخير استمرار التهديد الأيديولوجي والإرهابي الذي يمثله.
والواقع أن الحديث المتزايد عن «الخلافة» الافتراضية التي يمكن أن يلجأ إليها التنظيم بعد هزيمته في معاقله الرئيسية في الموصل في العراق والرقة في سوريا، يعود إلى إدراك العالم للخطر الذي يمثله التوجه العقائدي للتنظيم من جانب، وقدرته على إدارة الاتصال بعناصره عبر الإنترنت في جميع أنحاء العالم وتنفيذ عمليات إرهابية عبر مقاتليه العائدين و«ذئابه المنفردة» خاصة في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر. صحيح أن قدرات التنظيم الإعلامية قد أضعفت بشكل واضح نتيجة هزائمه الأخيرة، ونتيجة فقده مصادر تمويله الرئيسية، وصحيح أيضا أن أنشطته الدعائية على الإنترنت شهدت تراجعا كبيرا في الشهور الأخيرة، ولكنه مع ذلك لم يختف، وما زالت وكالة «أعماق» التابعة له تواصل بث وإصدار البيانات التي يتبني فيها الهجمات ذات الطابع الإرهابي، وآخرها حادث إطلاق مسلح أمريكي يدعي ستيفن بادوك، ثبت أن لا علاقة له بالتنظيم، النار على رواد حفل موسيقي في لاس فيجاس بالولايات المتحدة الأمريكية الأسبوع الماضي، أسفر عن قتل 59 شخصا وجرح المئات. ويمكن القول انه رغم الرقابة التي يفرضها العالم دولا وحكومات وشركات إنترنت كبرى على أنشطة التنظيم على الإنترنت لمنعه من استخدام الشبكة الدولية في الدعاية والاتصال وإدارة العمليات الإرهابية، فإنه ما زال يتمتع بوصول سهل إلى الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ويمتلك آليات مراوغة وتشفير إلكترونية يستطيع من خلالها الحفاظ على وجوده على الشبكة.
التهديد الذي تمثله «الخلافة» الافتراضية لا يقل خطورة في تقديري عن التهديد الذي كانت تمثله «الخلافة» الفعلية التي أعلنها التنظيم في الموصل منذ نحو ثلاثة سنوات، بل أن هذه «الخلافة» الافتراضية توفر للتنظيم الإرهابي ذراعا أطول يمكنه من الوصول بعملياته الإرهابية إلى دول وأماكن لم يكن من المتصور الوصول إليها عندما كان لديه ارض للخلافة الفعلية. وعلى هذا الأساس فإن جهود التحالف الدولي للقضاء على التنظيم على الأرض يجب أن تمتد أيضا إلى اجتثاثه من العالم الافتراضي، الذي قد يمثل ملاذا آمنا وساحة مناسبة لتنسيق عملياته وربما مد نفوذه إلى مساحات جديدة توطئة لعودة جديدة إلى احتلال الأراضي وإعادة «الخلافة» الفعلية. ولتحقيق ذلك ينبغي على دول العالم أن تتخذ مجموعة من الإجراءات لمواجهة وعرقلة الدعاية الأيديولوجية للتنظيم على الإنترنت، والتي من المتوقع أن تزداد في الفترة المقبلة في إطار محاولاته تعويض ضياع حلم «الخلافة» الفعلية، وتزايد رغبته في الانتقام من العالم كله.
أول وأهم هذه الإجراءات هو البحث عن آلية دولية لتتبع واعتراض أنشطة التنظيم خاصة على الجزء الخفي المشفر من الشبكة والذي يختبئ فيه التنظيم وعناصره. فاذا كان من السهل تتبع الأنشطة الظاهرة للتنظيم مثل البيانات وإعلانات المسؤولية عن هجمات وغيرها من خلال برامج التصنيف والفلترة المعروفة، إلا أن إدارة الاتصال وإدارة العمليات الإرهابية تتم باستخدام تطبيقات مشفرة يصعب فرض رقابة عليها. لو استطاع العالم الوصول إلى تقنية متقدمة تعترض الأنشطة المشفرة للتنظيم سيكون بالإمكان كشف خططه الإرهابية ومنعها من المنبع، والوصول إلى خلاياه النائمة في العواصم العالمية قبل أن تقوم بهجماتها، كما سيكون بالإمكان حرمانه من تجنيد عناصر جديدة، ومنع وصول دعايته إلى الأماكن المستهدفة. وللدلالة على ذلك نشير إلى أن الداعشي الأوزبكي الملقب بابي محمد الخراساني الذي قاد الهجوم الذي وقع في نادي ليلي بإسطنبول أثناء الاحتفال بليلة رأس السنة مطلع هذا العام، والذي خلف 39 قتيلا وعشرات الجرحى، كان قد تواصل مع قادة التنظيم عبر تطبيق الدردشة المشفر «تليجرام» حسب ما كشفت عنه التحقيقات التركية بعد إلقاء القبض عليه.
إن الرقابة التقليدية التي تفرضها مختلف دول العالم على شبكة الإنترنت لمنع المستخدمين من الوصول إلى مضامين معينة ومطاردة النشطاء والمعارضين، لم تعد تكفي لمواجهة أنشطة تنظيم داعش التي لن تتوقف لتعويض ما فقده، خاصة أن قيادات داعش لديها قناعة بأن رسالتها عقائدية في المقام الأول وتتمثل في نشر فكرة «الخلافة» وتجنيد الاتباع، وأن الهزيمة العسكرية لا تعني نهاية التنظيم، وان الهزيمة الحقيقية تتمثل في فقد العزيمة والرغبة في القتال، وهو ما عبر عنه أبو محمد العدناني أمير الشام والناطق باسم داعش والمرشح الأول لخلافة أبي بكر البغدادي زعيم التنظيم، قبل مصرعه في أغسطس من العام الماضي في حلب في غارة لطائرة أمريكية بدون طيار، ما يعني تحول مقاتلي التنظيم إلي الهجمات الإرهابية السريعة والعمليات الانتحارية المفاجئة، وبقائه كفكرة حتى وإن انتهى كتنظيم.
على العالم أن يدرك أن الانتصار العسكري على التنظيم وطرده من معاقله لا يعني القضاء عليه، إذ انه سوف يتجه إلى العمل كتنظيم سري تحت الأرض يمكن أن يواصل انتشاره الأيديولوجي وجذب الاتباع والمؤيدين والانتحاريين المستعدين للقيام بهجمات إرهابية.
ومن المؤكد أن التنظيم سوف يحتاج إلى تواصل دائم ومؤمن مع عناصره التي عادت إلى أوطانها بعد انتهاء دولة «الخلافة» الفعلية، او تلك التي اختارت اللجوء إلى واحدة من ولاياته المتعددة التي لا زالت تعمل في مناطق يسيطر عليها التنظيم في عدد من دول العالم تمتد شمالا من القوقاز إلى نيجيريا جنوبا، مثلما فعلت عناصر تنظيم القاعدة بعد الحرب الأمريكية على أفغانستان وانتقالها إلى العراق واليمن. ومن المؤكد كذلك أن وسيلة الاتصال الوحيدة تقريبا التي سيلجأ إليها التنظيم هي شبكة الإنترنت وشبكات التواصل وتطبيقاتها المتعددة التي تتيح تشفير المحادثات، وهو ما يعني أن الحرب العالمية على داعش لن تنتهي بالانتصار العسكري عليه في سوريا والعراق، ويجب أن تمتد إلى العالم الافتراضي لمواجهة «الخلافة» الافتراضية أو ما يحلو للبعض أن يطلق عليها «الخلافة» 0.2 نسبة إلى شبكة الويب 0.2.