ترجمات : ما وراء «ذروة النفط»

نك بتلر – الفاينانشال تايمز –
ترجمة قاسم مكي –

شهد العقد الماضي تحولا كبيرا فيما يخص الجدل الدائر حول مفهوم «ذروة النفط». فقبل عشرة أعوام كان التركيز منصبا على الإجابة عن السؤال التالي: متى ستبدأ موارد النفط في النفاد. وكان لايزال ذلك الجدل مرتكزا على مفهوم طوَّره في خمسينات القرن الماضي خبير جيوفيزيائي يعمل بشركة شل يدعى م. كنج هابيرت. رأى هابيرت في « دورة حياة» حقل النفط، الذي يرتفع إنتاجه الى حده الأقصى ثم يتدهور بسرعة، نموذجا يمكن تطبيقه على صناعة النفط في مجموعها. من المحتم أن يصل الإنتاج العالمي للنفط بوصفه موردا محدودا، إلى تلك النقطة (الذروة) التي يكون الاحتمال الوحيد له بعدها أن يهبط. لقد اعتقد أفراد عديدون ومسؤولو شركات أصحاب شأن أن في مقدورهم تعيين موعد قدوم هذه الذروة. ومن جانبها، أعدت وزارة الطاقة الأمريكية قائمة نفيسة بهذه التنبؤات حول ذروة إنتاج النفط. وكانت شركة إكسون قد ذكرت في عام 1972 أنها ستحلُّ في حوالي عام 2000. كما قرر هابيرت، بنفس تلك الدقة في التحديد، أنها ستكون في عام 1996. ولكن لم تتحقق أي من هاتين النبوءتين. وظل يتم باطراد تأخير تاريخ حلول هذه الذروة. وربما سيتضح صواب نبوءة بيتر أودَيل، عميد خبراء اقتصاد النفط، بأنها لن تجيء قبل عام 2060. لقد مكَّنت التقنية صناعة النفط من الاستمرار في اكتشاف المزيد من النفط وابتكرت طرقا لاستخراجه من الحقول الموجودة التي كان يُعتقد أنها توشك على النضوب. وجعلت العلوم والهندسة الانتاجَ ممكنا من موارد اعتُقِدَ في السابق أنها غير مجدية تجاريا، وأوضح مثال لها النفط الصخري. كما أن حجم الاحتياطيات التي تم التعرف عليها ولم تستغل حتى الآن أكبر من حجمها في عام 1977 حين التحقتُ أول مرة بصناعة النفط وذلك رغم مضي 40 عاما من الإنتاج المتزايد.
لذلك تحول مفهوم ذروة النفط من ذروة «العرض» الى ذروة «الطلب». ولايوجد إجماع حول تاريخ مجيء هذه الذروة الجديدة (ذروة الطلب على النفط.) ولكن المتوقع أن الطلب سيبدأ في الهبوط قبل أن تبدأ الإمدادات في النفاد. يعزز قوة هذه النظرية استقرار أو انخفاض حجم الطلب في البلدان المتقدمة. كما تعززها أيضا الفكرة التي عبر عنها بوضوح مسؤول صيني كبير حين ذكر أن بكين تدرس حظر السيارات المزودة بمحركات البنزين والديزل في وقت ما. ويقول البعض ان ذروة الطلب ربما ستحل خلال خمسة أعوام فيما يؤجل آخرون ذلك الموعد كثيرا. ربما أن السؤال الأكثر إثارة لاهتمام المستثمرين والصناعة والبلدان المنتجة للنفط هو: ما الذي سيحدث بعد الوصول إلى هذه الذروة الأخيرة؟ ماهي السرعة التي يتدهور بها الطلب؟ تركز التحليلات المنشورة في جزء كبير منها على استخدام النفط في السيارات والذي يشكل أكبر مكونات الطلب الحالي. فاستهلاك السيارات والمركبات الخفيفة يساوي حوالي 24 مليون برميل في اليوم وهو ما يمثل ربع الطلب الحالي على النفط. وتوجد في الوقت الراهن 2 مليون سيارة كهربائية في طرقات العالم. لكن بحسب آخر دراسة صادرة عن وكالة الطاقة الدولية، يمكن أن يرتفع ذلك الرقم عند المعدل الحالي إلى ما بين 9 ملايين الى 20 مليون سيارة بحلول عام 2020 وما بين 40 مليونا الى 70 مليون سيارة في عام 2025. وبهذه الوتيرة، اذا استخدمنا حسابات تقديرية، ربما ستحذف السيارات الكهربائية مليون برميل في اليوم من إجمالي الطلب على النفط في عام 2025.
أما فيما وراء ذلك فستعتمد الوتيرة على التكاليف والإجراءات التنظيمية. ويمكن أن يقلص الانتشار السريع لهذه السيارات من الطلب على النفط بما يزيد عن 2 مليون برميل خلال 25 عاما. بل يمكن أن تزيح معايير الكفاءة في استخدام الوقود بسيارات محركات البنزين مقدارا أكبر من الطلب. يتموضع هذا النوع من الحسابات في صميم توقعات حلول ذروة الطلب على النفط. لكن طلب السيارات والمركبات الخفيفة يشكل جزءا واحدا فقط من أجزاء إجمالي الطلب على النفط. فهنالك ثلاثة مجالات أخرى يتَّسِم فيها استهلاك النفط بأهمية بالغة. ويشير الوضع الحالي في هذه المجالات إلى أن طلبها على النفط يتزايد ولا يتدهور. كما لا توجد لها بدائل واضحة تُغنِيها عن النفط. فقطاع نقل البضائع يستخدم حوالي 16 مليون برميل في اليوم والطيران 5.8 مليون برميل في اليوم والبتروكيماويات11مليون برميل. ويشهد نشاط نقل البضائع نموا خصوصا حول آسيا كما يعتمد على وقود الديزل. وعلى الرغم من أن رفع معايير كفاءة استخدام الوقود في الشاحنات الكبيرة والصغيرة سيساعد على الاقتصاد في استهلاك الوقود لكن يصعب القول أن نمو استهلاك الديزل في هذا القطاع لن يكافئ مستوى النمو الاقتصادي. كما ينمو النقل الجوي أيضا. فأوثق التوقعات تشير إلى أن عدد المسافرين سيتضاعف خلال العشرين عاما القادمة. وحتى مع تحقيق بعض المكاسب في الكفاءة فإن ذلك يشير إلى زيادة متوقعة في الطلب على النفط، ربما تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة ملايين برميل في اليوم. كذلك يشهد الطلب على البتروكيماويات نموا. ومن الممكن أن يكون هناك بديل في هذا الجانب. ولكن بالنظر الى الانتقال الجغرافي لهذه الصناعة الى الشرق الأوسط سيظل إغراء استخدام إمدادات النفط المحلية قويا. ماهي الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من كل هذا؟
الخلاصة هي أن إجمالي الطلب على النفط لن يبلغ على الأرجح الذروة ولكنه سيصل الى مستوى معين ثم يستقر عنده لفترة طويلة. يرتكز هذا التوقع على بلوغ الطلب ذروته، خصوصا ذلك الجزء الخاص بالبنزين، خلال العقد القادم حين تبدأ السيارات الكهربائية في اقتحام السوق بأعداد كبيرة. كما يرتكز على المزيد من التقدم في تقنية البطاريات والدعم النشط من واضعي السياسات العامة من خلال خطوات مثل تقديم امتيازات ضرائبية وضوابط تنظيمية لمواقف السيارات.
وفيما وراء تلك الذروة سيهبط الطلب على النفط لأغراض النقل الشخصي. وسيعوض التدهور في استهلاك البنزين النموُّ المستمر في استخدام النفط لنقل البضائع والمسافرين عن طريق الجو. وفي كلا الحالين سيكون الطلب مدفوعا بالزيادة في السكان وبالازدهار. كما سيستمر تنامي استخدام النفط في قطاع البتروكيماويات . وأعتقد أن التنبؤ المعقول الذي يمكن استخلاصه من كل هذا هو أن الذروة التي سيبلغها الطلب (مثلا في الفترة من منتصف الى أواخر العشرينات) سيعقبها استقرار للطلب عند حوالي 100 مليون برميل في اليوم لعدة أعوام. إذا كان هذا صحيحا سيعود السؤال مرة أخرى الى جانب العرض (امدادات النفط) وسيكون: هل يمكن مقابلة ذلك الطلب دون حدوث زيادة كبيرة في الأسعار بسبب الندرة أو ارتفاع تكاليف الإنتاج أو كليهما؟ هذا موضوع آخر.