نوافـذ :تـربـكـنـا أحـــلامـنـا..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
يأتي الحلم لحظة صفاء تعيشها أنفسنا، عندما يشطح بنا الخيال إلى البعيد البعيد، ذلك أن الحلم عبارة عن تخيل: موقع؛ حالة؛ صورة ذهنية قديمة؛ لحظة ساقطة من موقف أقرب إلى الواقع، أو إنها مجموعة صور تجمع بينها «ثيمة» الحلم، وهكذا تستمرئ المخيلة كل هذا لتعيش نوعا من السفر الخيالي الذاهب إلى حيث المرتقى إلى الأفضل، ولولا هذه الأحلام كلها، ربما؛ لما تحقق للإنسان الكثير مما نعيشه اليوم، مع أن تصور الحلم شيئا، وتحقيقه على الواقع شيئا آخر، فالحلم إلى الوصول إلى مستوى علمي معين؛ نعيشه شيئا جميلا يدغدغ الخيلة ببساطة التنفيذ؛ حيث ينقلنا إلى مجموعة من الصور الاحتفالية – مناصب، مكانة اجتماعية، حفاوة، تكريم – ولكن عندما نأتي إلى الواقع بحمولته المركبة، لن نجد ذلك الحلم المتخيل بتلك البساطة – جهد نفسي وذهني، غربة، سهر، بحوث، حالات من اليأس، ملل – وقس على ذلك أمثلة كثيرة.

ما نعيشه أكثر أن هناك شبه تواطئ بين الذاكرة والأحلام، وهذا التواطؤ هو المهلك في هذه الصورة المزدوجة، ويقينا من يتحمل هذا العبء النفسي؛ هو نحن الحالمين أبدا، والمستسلمين لذاكرتنا أبدا أيضا، حيث ليس يسيرا أن تعيش حالة انفصام بينك وبين ذاكرتك، كما أنك تعيش نفس الحالة مع أحلامك، وما يقلق أكثر هو أن تعبث بأي منهما، وإلا ستعيش حالة من القلق والارتباك، فإياك إياك أن تعبث بالذاكرة، وإياك إياك أن تعبث بالحلم. معنى هذا أن تعيش على الواقع الذي أنت فيه، وهو ليس استسلاما كما قد يفهم، لكن أن لا نشطح كثيرا باستحضار الأحلام، هكذا النصيحة، أو كما أراها، فلا الذاكرة تمنحك شيئا من الهدوء إن عبثت بها، ولا الحلم ينقلك إلى الدرجة التالية إن تحرشت به، ومعنى هذا أيضا إنك إن عبثت، أو تحرشت بأي منهما؛ يحتم عليك الأمر أن تتقصى أوراقهما، حتى النهاية، كيف يكون ذلك؟ هنا أضرب مثالا بسيطا: كلنا منذ بواكير أعمارنا نحلم بمستقبل جميل فيه المنصب، وفيه الحياة المرفهة، وفيه المكانة الاجتماعية، وفيه الرضا من حولنا، وفيه مجموعة غير متناهية من الأصدقاء المؤازرين لنا في كل محطاتنا، فيه الوصول إلى مشرق الأرض ومغربها، ويبدأ العمر يقصي أيامه مع الحياة بصورة عكسية، حيث أنك كلما أوغلت في الحياة؛ كلما دفعت جزءا من أيامك فيها، حيث العلاقة العكسية بين العمر والحياة، وتمضي السنون، وتجد نفسك قاب قوسين أو أدنى من نهاية لم تكن موجودة في حساباتك الصغيرة، وأن جل أحلامك لم تتحقق كما أغرتك المخيلة في بدايات العمر الأولى، عندها تستحضر ذاكرتك التي ترصد تحركاتك كل هذا العمر دون أن تدري، فتجابهها بمجموعة الأسئلة المختمرة لديك في تلك اللحظة، عن سبب إخفاقاتك في عدم تحقيقك لأحلامك. فما تجده من حقائقك تكون أغلبها مؤلمة ليس لأنك لم تحقق أحلامك التي طارت بك في لحظات التخيل تلك، ولكن لأن قدراتك ومجموعة الظروف التي صاحبتك كل هذه الفترة لم تكن لتتيح لك بأن تحقق أحلامك تلك، فتعود أدراجك في شيء من اليأس، وفي شيء من الحسرة، وفي شيء من عدم الرضا فيما أبليت، وفي المقابل لا يزال الحلم يتنقل بك من غصن شجرة الحياة إلى غصن آخر، يغريك بتخيل أحلام أخرى غير الأحلام التي تخيلت منذ ذلك الزمن البعيد، فيتجدد فيك الأمل، وترى الحياة مشروعا جديدا آخر يمكن المغامرة فيه من جديد أيضا، وهكذا تستمرئ هذه الصورة الاحتفالية من جديد، وتبدأ خطوتك الأخرى، لتصل إلى النتيجة ذاتها.
لذلك فما بين الحلم والذاكرة ثمة مسافة فاصلة، علينا أن لا نقترب منها كثيرا، حتى لا نعيش بين قسوة الذاكرة، وهرولة الحلم.