أسواق جديدة للغاز في البلدان الفقيرة

الايكونومست –
ترجمة: قاسم مكي –

تُبدِي كُبرى شركات موارد الطاقة شهية فائقة حين يتعلق الأمر بالغاز الطبيعي المسال . فأمثال رويال دتش أويل وإكسون موبيل وبريتش بتروليوم (بي بي) تكتشف حقولا ضخمة يطلق عليها لقب «الأفيال» . ويمكن أن يتجاوز الإنفاق على هذه المشروعات التكلفة المقدرة لها بعشرات البلايين من الدولارات. كما قد يستغرق إكمالها ما يقرب من عشرة أعوام. لقد طالبت صناعة الغاز الطبيعي المسال على مدى سنوات زبائنها بإبرام عقود إمداد بأسعار ثابتة وطويلة الأمد لتبرير جدوى هذه المشروعات العملاقة . ويواجه المنتجون أيضا مشاكل كبيرة جدا. فهم منخرطون في توسع إنتاجي ضخم في استراليا وغيرها وذلك تزامنا مع تدفق لم يكن متوقعا للغاز نحو الأسواق نتيجة ثورة الغاز وشروع الولايات المتحدة في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وهذا ما أدى إلى الإضرار بالأسعار في المستقبل المنظور وإجبار المنتجين على تقديم تنازلات (للمستهلكين) . ويبدو أن الطلب في البلدان الغنية مثل اليابان ومعظم أوروبا الغربية في حالة تدهور طويل الأمد. ولكن زبونا كبيرا واحدا على الأقل هو الصين يهون الأمور (على صعيد الطلب على الغاز) . فبفضل انخفاض الأسعار والسياسات الحكومية التي تفضل الغاز على الفحم الحجري زاد استهلاك الصين من الغاز الطبيعي المسال بنسبة عالية بلغت 50% في العام الماضي. ولكن الإنتاج الصيني المحلي للغاز يحقق نموا. كما من المتوقع خلال عامين أن تستورد الصين كميات ضخمة من الغاز الروسي عبر الأنابيب. لذلك يمكنها أن تستفيد بإشعال المنافسة بين الجهات التي تمدها بالغاز. أما الهند فهي مشكلة أكثر راهنية . ففي 11 سبتمبر ذكرت شركة «بيترونيت إل أن جي»، وهي الجهة الرئيسية التي تستورد الغاز للهند، أنها أعادت التفاوض مؤقتا حول عقد إمداد الغاز لمدة 20 عاما مع إكسون موبيل. ومن المتوقع بموجب هذا العقد استيراد الغاز من استراليا بتكلفة أقل ولكن بكميات أكبر. وهذه هي المرة الثانية خلال عامين التي تجبر فيها الهند منتجا على تقديم شروط أفضل. نتيجة كل ذلك إن كبار منتجي الغاز الطبيعي المسال صاروا يعتمدون باطراد على البلدان النامية الصغيرة . فوكالة الطاقة الدولية، وهي الهيئة التي تمثل مستهلكي الطاقة، تقول إن عدد البلدان المستوردة للغاز الطبيعي المسال ارتفع من 15 بلدا في عام 2005 الى 39 بلدا. وتزداد الواردات بأسرع وتيرة لها منذ عام 2011 . يتمثل أحد أسباب هذه الزيادة في الطلب القادم من هذه البلدان التي يجعلها انخفاض الأسعار- كما في حال الهند- تجرؤ أيضا على المطالبة بتنازلات من المنتجين. يقول لانس كريست من مؤسسة التمويل الدولية، وهي ذراع القطاع الخاص بالبنك الدولي: إن هذا الوضع «عظيم» بالنسبة للأسواق الناشئة. فسوق الغاز في نظره «سوق مشترين» . لكن المشكلة هي أن بلدانا عديدة فقيرة في موارد الطاقة تفتقر إلى شبكات الأنابيب اللازمة لتوزيع الغاز. كما لا تملك أيضا القدرة الائتمانية المطلوبة للتوقيع على عقود طويلة الأجل وللاستفادة من هذه الأسواق الجديدة، تحتاج الشركات العملاقة إلى التقليل من طموحاتها. فهي عليها أن تدرك مدى أهمية المرونة، حسبما يقول المحللون. أحد السبل للتحلي بهذه المرونة الاتجاه إلى دعم تطوير المنصات العائمة بدلا عن البنيات الأساسية (الموانئ) الثابتة لجلب الغاز إلى المدن الساحلية. مثال لذلك مسعى ايكسيليريت إنيرجي. وهي شركة مقرها في ولاية تكساس الأمريكية ومتخصصة في تقديم «وحدات تخزين وإعادة تسييل عائمة» تحول الغاز إلى مادة سائلة ثم تضخه عبر الأنابيب الى البر لإمداد المصانع وشبكات الكهرباء المحلية بالوقود. أحد هذه المشروعات التي سينفذ بدعم من مؤسسة التمويل الدولية، سيزود بلدة ساحلية في جنوب شرق بنجلاديش بالغاز بداية من العام المقبل. يقول نك بيدفورد المسؤول المالي بشركة النفط الحكومية «بيتروبانغلا»: إن التكلفة التي تتحملها الشركة ستكون 85 مليون دولار في العام، ولا يشمل ذلك الغاز. وبالمقارنة قد يكلف بناء محطة على البر لتحويل الغاز المسال إلى غاز مبلغا طائلا يصل إلى بليون دولار. كما ستلزم مثل هذه المحطة البلد المعني باستخدام الغاز المسال لعقود قادمة رغم تزايد جاذبية استخدام موارد الطاقة المتجددة. وتحفز الوحدات العائمة لتخزين وتسييل الغاز على ظهور «جيوب صغيرة» للطلب على الغاز حول العالم . ففي العام الماضي، حذت شركة توتال الفرنسية حذو شركة اكسيليريت بالموافقة على قيادة مشروع لبناء وحدة تخزين وتسييل عائمة في ساحل العاج . هنالك خيار آخر لشركات النفط الكبيرة وهو تقديم دعم مالي لإنشاء البنية الأساسية للغاز في البلدان الفقيرة وذلك كوسيلة لتعزيز الطلب. لقد خطت شركة شل في سبتمبر خطوة في هذا الاتجاه، حيث أعلنت أنها تفكر في تنفيذ مشروع مشترك مع شركة «شورلاين إنيرجي» النيجيرية لنقل إمدادات الغاز المحلية الى منطقة قريبة من لاجوس. وذكر كولا كريم رئيس الشركة النيجيرية، أن المشروع المقترح والذي تبلغ تكلفته 300 مليون دولار سيمكن شل من ضخ الغاز عن طريق الأنابيب إلى أماكن البنيات الأساسية فيها محطمة. ولكن هذا المشروع يمثل ابتعادا عن المهمة الأساسية لشركة شل في إنتاج الغاز عالميا. ربما أن هذه الاستثمارات ستكون أوسع انتشارا إذا زحفت المشروعات الكبيرة لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى بلدان مثل موزمبيق وتنزانيا التي تشتد حاجتها إلى الوقود محليا. وتقول تيشا شولر، من شركة آدمنتاين أنيرجي للاستشارات: إن منتجي الغاز المسال يلزمهم إقامة توازن دقيق. فهم من جهة يريدون تجنب الاتهامات بتغذية «إدمان» الوقود الأحفوري في البلدان الفقيرة التي لديها إمكانات واسعة في مجال موارد الطاقة المتجددة . ومن جهة أخرى يمكن أن تتعزز سمعتهم بتخفيف وطأة «فقر الطاقة» الذي تعاني منه هذه البلدان من خلال إمداداتهم من الغاز الأقل تلويثا للهواء من الفحم والنفط . ومع تزايد وتيرة تخلي المستهلكين والممولين الغربيين عن الوقود الأحفوري سيكون تحقيق هذا التوازن حيويا في العالم النامي.