التحديات الوطنية وقياس الرأي العام

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

على ضوء التحديات الاقتصادية المحيطة ووجود تحديات اجتماعية والزيادة المطردة في عدد السكان، وثورة المعلومات، وظهور أجيال لها تطلعاتها وفكرها المستقل فإن الدول عادة تبدأ بالمراجعة والتقييم لتجاربها التنموية وفكرها من خلال البحوث المستقلة حول تحولات الرأي العام بشكل خاص سواء في المرحلة الحالية أو على مستوى المستقبل المنظور،على ضوء التحديات الاقتصادية المحيطة ووجود تحديات اجتماعية والزيادة المطردة في عدد السكان، وثورة المعلومات، وظهور أجيال لها تطلعاتها وفكرها المستقل فإن الدول عادة تبدأ بالمراجعة والتقييم لتجاربها التنموية وفكرها من خلال البحوث المستقلة حول تحولات الرأي العام بشكل خاص سواء في المرحلة الحالية أو على مستوى المستقبل المنظور،ونحن في السلطنة نفتقر إلى وحدات قياس الرأي العام، وهذه مشكلة كبيرة فعند حدوث أي قرار حكومي مؤثر على مستوى جماهيري، كما في حالة الزيادة الأخيرة في سعر المحروقات لشهر أكتوبر الحالي لم تكن ردة فعل حكومية حول ردود الفعل من جانب المواطنين بصرف النظر عن الاجتهادات من هنا وهناك، وهذا أمر يتطلب التعامل بعيد النظر معه على مستويات متعددة: إعلامية وشعبية واجتماعية، حيث إن قرارا من هذا النوع يحتاج إلى نوع من التعرف والقياس للرأي العام حوله، وهذا أمر معمول به في مختلف الدول المتقدمة حتى في بعض الدول النامية أيضا. إن الفعل وردود الفعل والاعتماد على امتصاص أي ردود فعل بالاعتماد على عامل الزمن هو أمر غير صحيح دائما، أو في كل الظروف، لاعتبارات عديدة منها أن إدارة الأزمات تختلف عن تسيير الأزمات نفسها، وهذا يعني أن وجود وحدة متخصصة لقياس الرأي العام هو ضرورة وطنية، وأمنية بشكل أو بآخر، حيث إن الوسائط التقنية والتحريض من الخارج بفعل التجاذبات السياسية والاستهداف للأوطان هو أمر أصبح كثيرا ومنتشرا ومكشوفا كذلك، وبالتالي فإن تحصين الجبهة الداخلية يحتاج إلى أدوات وطنية للوقوف بشكل علمي وممنهج على التطور الطبيعي للمجتمعات. أنا هنا لا أناقش مسألة الرفع بالنسبة لسعر البنزين الممتاز، ولكن أتحدث عن بعض البلبلة والشائعات، والأمور غير الحميدة التي تحدث أحيانا عند صدور أي قرار ينظر إليه البعض على أنه غير شعبي من قبل الحكومة، خاصة في ظل غياب متحدث رسمي يوضح الأبعاد الحقيقية لأي قرار وأيضا الشفافية في الطرح، حيث غاب عن الساحة وفي خضم النقاشات والأطروحات والجدل من أن هناك سعرا للبنزين 91 وهو أرخص، سواء فضله البعض أو رفضه، ومن هنا فإنه من المفيد على المستوى العام أن يتم تقييم الأداء بشكل أعمق من خلال آليات بعيدة عن البيروقراطية، والاعتماد على الشفافية، في الطرح وأن التحدي الاقتصادي هو أمر تمر به دول العالم خاصة الدول النفطية، وهناك مؤشرات جيدة من خلال تحسن المؤشرات وبداية تصدير أولى شحنات حقل خزان والتحسن التدريجي في أسعار النفط، ومع ذلك فإن تحسين الأداء الحكومي والتخلص التدريجي من البيروقراطية وهيكلة القطاعات الحكومية والهيئات المختلفة هي أمور ينبغي أن تحظى بالأولوية والاهتمام، خاصة خلال الفترة القادمة.  البيروقراطية والفكر التقليدي
لا تزال الدول النامية ومنها السلطنة تعاني من موضوع البيروقراطية خاصة على مستوى القطاعات الحكومية أو من خلال البطء الواضح في تسريع موضوع الحكومة الإلكترونية – برغم ما يبذل من جهود – وهذا يرجع أساسا إلى الفكر التقليدي لبعض المسؤولين، وأيضا إلى الأداء غير المنهجي على صعيد وضع البرامج الفعالة، في تحقيق الرؤية لكل قطاع، ووفق برنامج زمني محدد، فقد مضت سنوات وبعض الجهات الحكومية لم تحقق المطلوب في الانتقال إلى الحكومة الإلكترونية التي تعد عصب الحياة الحديثة في العالم حيث إن الإجراءات والمعاملات لا تزال تأخذ وقتا وجهدا أطول والإنتاجية لا تزال متدنية قياسا على المؤشرات الدولية، ومن هنا لا بد من التقييم الشامل والمراجعة للأداء الحكومي وكيفية إعادة الهيكلة بحيث يكون هناك قطاع حكومي أقل عددا في المؤسسات وأكثر إنتاجية من خلال كوادر وطنية مبدعة وليست تقليدية، وهي موجودة والحمد لله في كل المجالات. البيروقراطية لا يمكن إزالتها أو الحد منها إلا من خلال فكر متجدد، وهناك تجارب في عدد من أقطار العالم خاصة في جنوب شرق آسيا، حيث كان للفكر المتجدد للإنسان الأثر الكبير في التحولات الاقتصادية الكبرى في تلك الدول رغم شح الموارد الطبيعية، وهذا الأمر يقودنا إلى ضرورة تقييم الأمور بكل موضوعية وشفافية؛ لأن تطور الوطن ورفعة شأنه والمحافظة على نسيجه الاجتماعي المترابط الذي يضرب به المثل يحتاج إلى تلك المراجعة الوطنية، وهذا شيء إيجابي ومطلوب، فالأزمات الاقتصادية تحدث بين مرحلة وأخرى خاصة على صعيد انخفاض أسعار النفط، ولعل الأزمة الحالية تعطي دروسا في أهمية تحييد سلعة النفط وتنشيط القطاعات غير النفطية، والأمل كبير في برنامج تنفيذ الذي تنفذه الحكومة وإشراك المجتمع في كل مراحله التمهيدية واللاحقة.إن قياس الأداء لكل وحدة حكومية هو أمر مطلوب، ومن هنا فإن السلطنة تحتاج إلى آليات تحدث التغيير في الفكر الإداري في ظل مقومات مثالية موجودة وتحتاج إلى تسويق سواء في مجال الاستثمار أو مجال السرعة وزيادة الإنتاجية في ظل منافسة محمومة من الدول وفي ظل صراعات وتجاذبات وخطط تهدف إلى الإضرار باقتصاديات الدول الأخرى، ولعل التجاذبات السياسية وحتى الصراعات العسكرية تهدف في المحصلة الأخيرة إلى الحصول على مصالح ومكاسب اقتصادية. فالحكومة الإلكترونية هدف وطني لا بد من الانتهاء منه في أسرع وقت، والبيروقراطية هي مرض مزمن لا بد من الحد منه وهو ثقافة سلبية عند البعض، كما أن تشتت الجهود والاختصاصات عند أكثر من جهة حكومية لا يخدم الأهداف الوطنية في مجال التنمية، ومن هنا فإن جملة من التحديات لا بد أن تواجه بشكل مباشر، وأن يكون المواطن مدركا لتلك التحديات ويكون شريكا في تحمل المسؤولية حتى نعبر تلك الأزمة الاقتصادية بسلام، وليس ذلك فقط ولكن يجب أن ننتهج أسلوبا جديدا في التعاطي مع أي مستجدات اقتصادية بروح وطنية وثابة يكون هدفها المحافظة على مكتسبات الوطن والعمل وتحقيق الأهداف. إن الفعل وردة الفعل هي عملية تفاعل دائمة ومتواصلة بحكم طبائع الأشياء، ولكنها تحتاج دوما إلى طرح ونقاش واع وموضوعي يشارك فيه الخبراء والمتخصصون لشرح كل الأبعاد، بالنسبة للموضوعات أو القضايا الهامة وذات التأثير الجماهيري الواسع، وأن تقوم وسائل الإعلام بدورها الوطني في هذا المجال من خلال رسالة توعية مناسبة، وأن يكون لمنظمات المجتمع المدني دور واضح أيضا؛ لأن الجميع في هذا الوطن العزيز شركاء، وعلى الجميع أن يسهم في تحقيق كل ما يعود بالخير على الوطن والمواطن. وفي تقديري وأمام تلك التحديات وغيرها فإن الحاجة إلى هياكل حكومية أقل هو إحدى الآليات، وربما تكون هناك آليات أخرى، لأن الهدف هو استمرار نهضة بلادنا المباركة التي حققت على مدى 47 عاما تحولا تنمويا بفضل الفكر الحكيم والمستنير لقائد هذه النهضة المتواصلة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه ورعاه-.