مسؤولية المجتمع الدولي .. السياسية والإنسانية !!

د. عبد الحميد الموافي –

بالرغم من أن مجلس الأمن الدولي عقد جلسة طارئة لبحث الموقف في ميانمار – إقليم راخين – ومشكلة تدفق اللاجئين منها ، وذلك بطلب من مصر وبعض الدول الأخرى ، إلا أن المجلس لم يستطع إدانة حكومة ميانمار ، بالنظر إلى رفض الصين وروسيا الاتحادية لذلك ، بالرغم من أن ميانمار ، الدولة الصغيرة ، ومتواضعة الإمكانيات في جنوب شرق آسيا ، كانت مصدرا لما عرف بلاجئي القوارب قبل نحو عشر سنوات ، وان مشكلة اقليه الروهينجا هي مشكلة قائمة وموجودة منذ عدة عقود على الأقل، إلا ان المشكلة تجددت في الأشهر الأخيرة ، وأخذت حيزا كبيرا، وعلى نحو اختلط فيه الإنساني والعاطفي والديني بالسياسي على نحو بالغ ، وغير مسبوق بالنسبة لهذه المشكلة ، التي تتطلب ضرورة البحث عن حلول عملية وممكنة لها ، بعيدا عن التهويل المتعمد من ناحية ، والتهوين الذي يتجاهل الحقائق والوقائع من ناحية ثانية، وبما يحفظ لهذه الأقلية حقوقها ، ويحفظ لدولة ميانمار حقوقها أيضا .
وإذا كانت مواقع السوشيال ميديا ، والعديد من وسائل الإعلام ، بل والرسائل المتبادلة بين كثيرين كل صباح ، قد امتلأت في الأسابيع الأخيرة بصور وفيديوهات ورسائل تحريض في اتجاه محدد ، وضد سلطات ميانمار التي تحرق قرى أقلية الروهينجا المسلمة فيها وتمثل بجثث الأطفال والقتلى ، وغير ذلك من رسائل التحريض المقرونة بالتخويف من العذاب ، إذا لم تقم بدورك بنشرها وإرسالها سريعا الى قائمتك او مجموعتك ، انتصارا للأخوة الإسلامية ، ودعما لهؤلاء ، فان الأمر يثير التساؤل بالتأكيد ؟ من المؤكد أن هناك مشكلة ، تحدثت مصادر عديدة حول بداياتها القديمة ، وحول استمراريتها ، وملابساتها في الآونة الأخيرة ، وما يترتب عليها ، ولكن احد الأبعاد التي فرضت نفسها بقوة ، هو الدور الإعلامي في هذه المشكلة ، او ما يمكن تسميته بالفورة الإعلامية ، التي اشتعلت قبل نحو ستة أسابيع ، ومارست الشحن الإعلامي الواسع ، ثم ما لبثت ان اتجهت الى الهدوء النسبي الآن ، حيث قل الاهتمام الإقليمي والدولي بالحدث ، ولم يعد هناك الكثير ، ما يمكن تقديمه من صور ومناظر بشعة لمهاجرين ولاجئين وضحايا الغرق في مياه نهر « ياف« وخليج البنغال بين ميانمار وبنجلاديش ، والمفتوح شرقا على اندونيسيا وماليزيا وتايلند ، والذي ابتلع الكثيرين من لاجئي ميانمار ، بل ومات كثيرون منهم في قواربهم ، التي ظلت هائمة في المياه بعد أن رفضت اكثر من دولة استقبالهم وفتح أبوابها أمامهم قبل عدة سنوات . والمؤسف أن الإسهام الإعلامي في الشحن والتحريض وإثارة العواطف والنفوس والأحقاد بين الدول والشعوب ، وبوسائل عديدة ومتنوعة ، ولأسباب مختلفة في وقت معين ، لا يستطيع ، بحكم طبيعته ، ان يقوم بدور إيجابي بنفس القوة في العمل من اجل حل المشكلة التي يثيرها او ينفخ في جمراتها بشكل او بآخر ، وكل ما يمكن ان يقوم به هو ان يتجه باهتمامه الى قضية او قضايا أخرى ، ويقلل من مساحات الحديث عنها لتتراجع في اولويات واهتمامات وحتى ملاحظة الكثيرين ، برغم ان المشكلة تظل قائمة ، ولم يتم التوصل الى حل او حلول مناسبة ، او كاملة او حاسمة لها ، والأمثلة في هذا المجال اكثر من ان تحصى ، سواء فيما يتصل بما نعيشه في منطقتنا ، او ما يعيشه ويواجهه العالم من تطورات ومشكلات على مستويات عدة ، خاصة وان الاعلام اصبح من اهم واكثر أدوات العمل السياسي مرونة واتساعا وتأثيرا ، وعلى نحو غير مسبوق . ولعل هذا الجانب شديد التأثير، هو الذي دفع رئيسة وزراء ميانمار « سان سو تشي « إلى إلغاء مشاركتها في اجتماعات الدورة الثانية والسبعين لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، بل والى الشكوى العلنية من جانبها من ان بلادها تتعرض لحملة تشويه شديدة لما يحدث في إقليم راكين . ومع افتراض او عدم استبعاد ، ان رئيسة وزراء ميانمار، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ، تحاول الدفاع عن موقفها وموقف بلادها في هذه المشكلة ، الا انه ليس من المستبعد ايضا ، ان يكون هناك من يدفعون نحو إيجاد بؤرة نار اخرى يكون المسلمون وقودا لها ، او على الاقل طرفا فيها ، خاصة في منطقة تستقطب اهتمامات قوى سياسية واقتصادية ، إقليمية ودولية عديدة ، وهي منطقة جنوب شرق آسيا التي سيكون لها شأن كبير في شؤون العالم في السنوات القادمة . على أية حال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب ، لعل من أهمها ما يلي :
*أولا : ان التنظيمات والجماعات الإسلامية المتشددة والإرهابية تبحث عن مواقع جديدة للتمدد فيها ، خاصة في ظل ما تتعرض له من ضربات في العراق وسوريا وليبيا ، ويبدو ان أنظار تنظيم « داعش « ، والقاعدة ، وغيرهما تتجه الى غرب الصين ، والى ميانمار ، بعد ان اوجد موطئ قدم له في الفلبين ويحاول التواجد في بعض دول المنطقة الأخرى . واذا كانت سوريا والعراق، ومن قبلهما أفغانستان ، قد قدمت أرضا للتدريب العسكري لمتطوعين من الصين والقوقاز وميانمار وروسيا الاتحادية ودول عربية وغير عربية عديدة ، فان الإعلان عن ميليشيا ، او جيش حماية الروهينجا ، الذي قام بهجوم عسكري منسق وقوي في منتصف أغسطس الماضي ضد عدد من مراكز الشرطة في اقليم راخين ، يشير بوضوح الى أن الأمر ليس مصادفة . ومع ان ميليشيا حماية الروهينجا في راكين أعلنت انها تقوم بعملياتها دفاعا عن اقلية الروهينجا التي تتعرض لأعمال قمع واسعة من جانب قوات ميانمار المسلحة ومن شرطتها ايضا ، فإن سلطات ميانمار سرعان ما اعلنت انها تقوم بمكافحة جماعات ارهابية تدربت في مناطق تابعة لتنظيمات ارهابية معروفة ، وانها تمارس مسؤوليتها في حماية نفسها . وبغض النظر عن هذين الموقفين ، فإن النتيجة هي ان اقليم راخين هو من اكثر اقاليم ميانمار فقرا وتخلفا ، ومن اكثرها معاناة ايضا ، بالنظر الى ان سلطات ميانمار تنظر الى الروهينجا ، واغلبيتهم من المسلمين ، على انهم غير مواطنين ، وانهم لاجئون غير شرعيين ، ثم تفرض عليهم قيودا عديدة وتحرمهم من الحقوق البسيطة للمواطنة ، ولعل ذلك هو من اهم العناصر المسؤولة عن اتجاه الآلاف من الروهينجا الى الاتجاه الى بنجلاديش أملا في النجاة ،اكثر من خمسمائة ألف شخص في الأسابيع الأخيرة ، خاصة بعد حدوث اعمال قمع بلغت حد التطهير العرقي والقتل الجماعي ، حسبما قال الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش وحذر سلطات ميانمار منه وطالبها بوقفه .
وأمام الادعاءات والاتهامات المتبادلة فإنه لا مناص من قيام لجنة تحقيق دولية بتحري الأمر، والوقوف على أبعاده الحقيقية على الارض بدون تهوين او تهويل . وهذا ما دعا اليه المجلس الدولي لحقوق الانسان . والمؤسف ان ميانمار اعتذرت عن عدم قبولها اللجنة الدولية للاطلاع على الأوضاع في اقليم راخين ، لسبب غريب وهو « عدم ملاءمة الظروف المناخية « وانها اي حكومة ميانمار كونت لجنة داخلية لهذا الغرض ، والهدف من ذلك واضح ، حتى وان صاحبه شكوى « ساسو تشي « من التعرض لحملة إسلاميين ضد بلادها .
*ثانيا : انه بالرغم من ان مجلس الأمن الدولي عقد جلسة طارئة لبحث الموقف في ميانمار – اقليم راخين – ومشكلة تدفق اللاجئين منها ، وذلك بطلب من مصر وبعض الدول الاخرى ، الا ان المجلس لم يستطع ادانة حكومة ميانمار ، بالنظر الى رفض الصين وروسيا الاتحادية لذلك ، كما ان قدم المشكلة وظهورها على السطح بين وقت وآخر اثر بدوره في مواقف دول «الآسيان « مجموعة جنوب شرق آسيا ، واقتصرت مظاهر الإدانة على بعض المظاهرات الداخلية ضد ميانمار ، ولم تصل الى حد الموقف الرسمي ،ولعله من المهم الإشارة الى ان ميانمار كدولة ، واقليم راخين على وجه التحديد هو من المواقع التي اختارتها جمهورية الصين الشعبية ضمن مبادرتها « …. طريق واحد « لضخ استثمارات صينية فيها وإقامة بنية اساسية بها لخدمة محطات النقل على امتداد طريق الحرير . غير ان هذا الأمر لا يمكن ان يبرر عمليات القمع ومحاولة التخلص من اقلية الروهينجا في اقليم راخين وتفريغه من سكانه ، لأن هذا ببساطة غير ممكن عمليا ، سواء لإدانة العالم له ولرفضه له ايضا ، او لاحتياجه لفترة زمنية غير قليلة . وايا كانت المصالح الصينية والروسية من جهة ومصالح ميانمار من جهة اخرى إلا ان تدويل مشكلة الروهينجا من شأنه الحد من عملية التخلص منهم . وقد اعلنت « سان سو تشي « رئيسة وزراء ميانمار انها تعمل بالفعل من اجل حماية مواطني ميانمار وتوفير الأمن للروهينجا ولعودتهم الى راخين ، ولكنهم هم من يريدون التوجه الى بنجلاديش .
واذا كانت بنجلاديش قد اشتكت بالفعل من ثقل العبء الذي يمثله تدفق اللاجئين من ميانمار الى حدودها ، ماديا وإنسانيا ، خاصة وأنها دولة فقيرة ، فإن حل مشكلة أقلية الروهينجا في ميانمار لن يكون بطلب منحهم الجنسية مثلا ، لأن ذلك ببساطة واحد من إجراءات السيادة الوطنية لميانمار ، وهي ترفضه ، ولن يكون ايضا بالتخلص منهم وطردهم خارج ميانمار، في اتجاه بنجلاديش او غيرها ، لأن هذا غير ممكن عمليا أيضا اذ يتجاوز عدد الروهينجا المليون نسمة ، ومنهم بوذيون أيضا .
وفي ظل ظهور ميليشيا مسلحة في اقليم راخين بزعم الدفاع عن الروهينجا ، وهو ما يفتح المجال أمام بؤرة من بؤر التوتر واعمال العنف المسلح ، التي عانت منها ميانمار – بورما سابقا – في ظل حكم الخمير الحمر سيئ السمعة ، في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي – فان التعاون بين حكومة ميانمار وبين الصين يمكن ان يضع أساسا للنهوض بإقليم راخين وتطويره وفق البرامج والخطط الصينية في هذا الشأن ، وبما يرفع مستوى سكانه من الروهينجا وغيرهم بالطبع ، ويعود بالفائدة على ميانمار والصين والروهينجا وينزع فتيل صراع مسلح أخذ يطل برأسه ويهدد استقرار ميانمار ومنطقة جنوب شرق آسيا ككل ، خاصة اذا اتسع نطاقه ، او اذا حدثت عمليات اتصال وتنسيق بين الميليشيات المتطرفة في ميانمار والصين وافغانستان والفلبين ، والشرق الأوسط ايضا ، وهو ليس في صالح دول وشعوب المنطقة ، لا اليوم ولا غدا . ولعل « ستن سو تشس « رئيسة وزراء ميانمار الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ، التي ساندها المجتمع الدولي والضمير العالمي في مواجهتها لتسلط وقمع قادة الخمير الحمر ، وأوصلها الى موقعها لتقود بلادها الى مرحلة جديدة من التطور ، لعلها تستمع الى المجتمع الدولي والضمير العالمي الرافض لما تتعرض له الروهينجا ، وان تعمل بصدق لاستيعابهم والتخفيف من معاناتهم ، اما الدعوة لتجريدها من جائزة نوبل للسلام فهي اقرب للتحريض ، منه إلى التفكير العملي ، لأن الروهينجا يحتاجون إلى إجراءات ومساعدات مادية وقانونية وليس إلى تجريد » سان سو تشي» من جائزة نوبل للسلام . ولعلها تسير في هذا الطريق .