المعايير المزدوجة .. وتوظيف الصراعات الإقليمية

فتحي مصطفى –

بالقطع لا يمكن اعتبار مثل هذا الإجراء وسيلة ناجعة للتوصل إلى تسوية أو حل لمأساة مسلمي الروهينجا التي هزت العالم في الأشهر الأخيرة، ولا تزال، بعدما بلغت ذروتها بعد سنوات من التدمير والتخريب والحرق المتعمد لقراهم وديارهم، وقتل وتشريد وتعذيب أبنائهم، من جانب قوات حكومة ميانمار، فلا يعقل أن يكون الخصم هو الحكم، وليس من المنتظر من لجنة يقودها جنرال في الجيش « البورمي» أن تكشف ولو جزء من الحقائق المتعلقة بمأساة الروهينجا على أيدي السلطات البورمية ذاتها، ولن ينطلي على المجتمع الدولي مهما كانت هشاشة مواقفه أو معاييره المزدوجة تلك الخدعة التي جاءت أقرب ما تكون إلى الجرعة المخدرة التي تهدف إلى تسكين آلام العالم تجاه ما تتعرض له هذه الأقلية المسلمة.
وقد تكون الوقائع التي جرت على صعيد الأزمة في الآونة الأخيرة كاشفة لكثير من الحقائق الدولية والإقليمية، على رأسها ضعف الموقف الدولي في فرض إرادته لإقامة العدل ورفع الظلم عن أقلية تتعرض للاضطهاد منذ عقود طويلة، ومرة أخرى تكشف تلك الأحداث عن الثغرات الخطيرة الموجودة في النظام العالمي وأسس عمل الأمم المتحدة والتي تحول دون نزع فتيل الأزمات قبل تفاقمها أو تسويتها في مراحل مبكرة قبل أن تصل إلى ذروة المأساة، والحقيقة أن هذا العجز ليس الأول من نوعه على الصعيد العالمي، فقد سبق أن ارتكبت مذابح خطيرة راح ضحيتها الآلاف من البشر، دون أن تتحرك القوى الكبرى لوقف تلك المجازر، ولم يحركها في الغالب إلا صرخات الضمير العالمي وانتقادات المنظمات الأهلية وجمعيات العمل المدني.
هذه الحالة المزمنة من الفشل الدولي يحركها عنصران أساسيان: الأول يكمن في المعايير المزدوجة لآليات ومنطلقات العمل الدولي في التعامل مع الأزمات بحيث تكون القرارات والتوجهات خاضعة للأغراض والأهواء السياسية للدول بعيدا عن المبادئ والقيم الإنسانية الحاكمة للمواثيق العالمية والقانون الدولي الإنساني . ومأساة الروهينجا ليست استثناء من تلك الحقيقة أو هذا العنصر المهيمن على تحركات القوى الكبرى، أما العنصر الثاني فيتمثل في الصراعات الإقليمية وطبيعتها «الجيو- سياسية».
وعلى وجه التقريب، ما كنا لنرى مثل هذه الانتفاضة الكبرى والموقف الصارم من جانب القوى الغربية على وجه الخصوص وتوجيهها انتقادات حادة لدولة ميانمار لتعاملها الفظ مع أقلية الروهينجا المسلمة، لولا أن هذه الانتقادات موجهة بشكل غير مباشر إلى الصين باعتبارها الطرف السياسي القوي في المنطقة وترتبط بكل تأكيد بعلاقات قوية جدا مع ميانمار، ومن شأن إلقاء ضوء مكثف على المأساة الجارية على أبواب الصين وبالقرب منها دون أن تحرك ساكنا أن يسبب لها الكثير من الحرج أمام المجتمع الدولي.
ولاستكمال الصورة يجب أن تكون في أذهاننا دوما تطورات الموقف على صعيد الأزمة الكورية الشمالية والتصعيد الخطير في المنطقة نتيجة تقدم البرنامج الصاروخي – النووي لبيونج يانج وتحميل بكين الجانب الأكبر من المسئولية عن وصول الأزمة الى هذا المستوى الخطير.
ومن هذا المنطلق فان القوى الغربية الكبرى لن تفوت فرصة مأساة الروهينجا لاستغلالها لصالحها وتوظيفها في الصراعات الإقليمية الجارية، وهذه التوجهات قد تكشف بالفعل حالة الازدواجية القائمة بين تصعيد المواقف الدولية تجاه ما تتعرض له أقلية الروهينجا من عسف وتشريد وتهجير غير إنساني، وعدم بروز إي إجراءات على أرض الواقع من شأنها ردع دولة ميانمار عن تصرفاتها المشينة في حقهم، وليس المقصود هنا كذلك توجيه إي إدانة للسياسات أو المواقف الصينية بقدر الرغبة في كشف المعايير المزدوجة للتصرفات العالمية وحالة النفاق السياسي التي تعتري تصرفات الكثير من القوى الكبرى، الغربية منها بالأساس.
ولا شك في أن الممارسات التي تتعرض لها أقلية الروهينجا هي تصرفات تستوجب أشد درجات الإدانة، بل والتدخل المباشر – ان امكن – لرفع الظلم عنهم، بغض النظر عن ديانتهم أو عرقيتهم، ولكن باعتبارهم أقلية بشرية تستحق الحماية، مثلهم في ذلك مثل أي أقلية أخرى تتعرض للظلم، خاصة إذا كانت معظم القوانين العالمية والمواثيق الدولية، بل والدساتير المحلية تستند بشكل أساسي على مبدأ حماية الأقليات وصون حقوقهم أسوة بالآخرين، وبهذه القيم والمبادئ يمكن حفظ بقاء الدولة الوطنية وحمايتها من التفسخ، حيث يندر وجود دولة على وجه كوكب الأرض لا تعرف التعددية الدينية أو العرقية أو المذهبية والطائفية، ومن ثم يتعين على الحكومات والدول ضمان حماية تلك الأقليات بكل السبل الممكنة .
ولا يمكن لأي طرف أن يمنع ميانمار من حماية دولتها الوطنية، وكذلك الأمر بالنسبة للصين التي توجد بها أقليات عرقية ودينية بالملايين في منطقة معقدة جدا من الناحيتين السياسة والجغرافية، مما قد يفسر تباطؤها في تبني موقف صارم تجاه ما يحدث في ميانمار، إلا أن الإدانة والرفض أمر طبيعي في مواجهة الممارسات الوحشية التي يتعرض لها مسلمو الروهينجا، ولا يمكن التسليم أو القبول بأي مسوغات أو أسباب لتصرفات الجيش والأجهزة الأمنية في ميانمار والتي حاولت على مستويات متعددة وحتى على مستوى رئيسة الوزراء «أونج سان سوتشي» أن تصور المسألة برمتها على أنها حرب ضد جماعات متمردة، وهو ما نفته الوقائع والتطورات المتتالية للأحداث. فقد فر نحو 500 ألف من أقلية الروهينجا من ديارهم منذ 25 أغسطس الماضي هربا من العنف المتصاعد عقب الحملة العسكرية ضد أفراد الروهينجا الذين هاجموا مراكز للشرطة دفاعا عن أنفسهم وسط مشاهد مؤلمة تابعها العالم كله بدقة، فضلا عن فصول التعذيب والتشريد وحرق القرى والبيوت. وتبرر هذه الممارسات الاشتباكات المتفرقة التي تقع بين الجماعات العرقية من وقت لآخر.
ولكن منذ العام الماضي نمت حركة مقاومة الروهينجا، لينشط «جيش إنقاذ روهينجا أراكان» في ولاية راخين شمالي ميانمار حيث تعاني أقلية الروهينجا المسلمة من الاضطهاد والحرمان من الجنسية واعتبارهم مجرد مهاجرين غير شرعيين من بنجلاديش! وفي 25 أغسطس الماضي هاجم هذا الفصيل المسلح مراكز للشرطة في ولاية راخين وقتل اثني عشر عسكريا في أكبر هجوم له منذ اعلانه قبل بضعة اشهر، ويبدو ان السلطات في ميانمار انتهزت الفرصة للرد على ذلك بشن حملة قمعية كبرى، فردت قوات الأمن بهجوم مضاد، وزعمت الحكومة أن جيش إنقاذ روهينجا أراكان «منظمة إرهابية»، وقالت إن زعماءه تلقوا تدريباتهم في الخارج، في حين أن العديد من الشباب قد حاولوا الهروب من المنطقة بالقوارب إلى ماليزيا حينئذ، ولكن البحرية الماليزية اعترضتهم فعلقوا في البحر، فيما فكر آخرون في اللجوء للمقاومة.
لقد اندلعت أعمال العنف ضد سلطات ميانمار – على حد رصد عديد من المنظمات السياسية المحايدة – بسبب الفقر المدقع والحرمان من الجنسية والقيود على الحركة، وجاء قمع الأمن لتلك الأعمال شديدا في استخدام مفرط للقوة غير المتكافئة، إذ أشار تقرير للأمم المتحدة في فبراير الماضي إلى إن الجنود اتسموا بـ»الوحشية المدمرة» في ضرب واغتصاب وقتل الناس في المنطقة عقب هجوم وقع في أكتوبر 2016، وأدت الهجمات على بعض قوات الأمن إلى شن الجيش حملة قمع لا سابق لها بحجة محاربة «متشددين» يهاجمون المدنيين،ومن وقتها يفر مئات الآلاف من أقلية الروهينجا من قراهم عبر الحدود إلى بنجلاديش ودول أخرى في المنطقة حيث امتلأت مخيمات اللاجئين عن آخرها،وقال الكثير من النازحين إن الجيش وبمساعدة رهبان بوذيين أزالوا قرى وقتلوا مدنيين كثيرين .
كل هذه المشاهد جعلت الضغوط الدولية أمرا محتوما وضروريا، إلا أن المؤسف في الأمر مرة أخرى هو توظيف المأساة لخدمة الأهواء الشخصية والمصالح الذاتية لبعض القوى التي ما زالت تتبنى نهج المعايير المزدوجة وتسعى لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح بتوظيف الصراعات والظروف الإقليمية، حتى ولو على حساب دماء وجثث الأبرياء.