إصلاح الأمم المتحدة السهل الممتنع…!!

جمال إمام –

تصويت روسيا ضد مشروع قرار تقدمت به فرنسا إلى مجلس الأمن قبل عامين يحد من استخدام حق النقض للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي باستخدام «الفيتو» يلخص المفارقة حول محاولات مستمرة لم تنقطع يوما عن إصلاح الأمم المتحدة ولكنها دائما تظل مشروعا مؤجلا..
والواقع أن هذه المحاولات هي بالأحرى لإعادة بناء النظام الدولي الحالي ليتسع لقوى دولية وإقليمية جديدة ناشئة تطمح في تغيير قواعد نظام مرت عليه عقود كثيرة لم يعد من وجهة نظر واسعة النطاق كافيا لمواجهة المتغيرات المختلفة التي يشهدها العالم سياسيا واقتصاديا وأمنيا..
حيث إن المشهد الآن لم يعد كما كان عليه عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وجلست الدول المنتصرة بعده لتضع قواعد النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة.. لتكون الأمم المتحدة التي حلت محل عصبة الأمم ضمن أدوات هذا النظام خاصة مجلس الأمن الدولي أداته البارزة ورأس الحربة في ترتيب أوضاع هذا النظام والدفاع عن مصالح المنتصرين وذلك وفق استقراء واقعي لتاريخ الأزمات الإقليمية والدولية التي لعب فيها مجلس الأمن وفق اتجاه الريح …!!
والواقع أن الحديث عن ملف الإصلاحات يمكن الاهتمام به من زوايا مختلفة أهمها..
• تغيير موازين القوى في التركيبة التي تشمل القوى الكبرى القديمة أو التقليدية بظهور قوى أخرى على المسرح الدولي بات دورها السياسي بارزا بقوة في الملفات الساخنة في المشهدين الإقليمي والدولي أبرزها الصين التي تعمل بهدوء على صياغة توازنات مهمة وقوية وضرورية ومؤثرة ربما باتت هي جزء من تغيير الواقع الذي عليه هذا النظام الحالي.. وجدنا ذلك في مواقفها خلال مفاوضات الملف النووي الإيراني أحد أهم أبرز الملفات التي هددت بقوة الاستقرار الإقليمي والدولي في توقيت بالغ الأهمية والحساسية ونجحت في نزع فتيل الأزمة بتوقيع الاتفاق التاريخي.. وهي تعود بقوة أيضا إلى مربع آخر تندلع فيه شرارة أزمة نووية أخرى ربما يشهد العالم فصولا ساخنة لها وهي أزمة المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بسبب برنامج التجارب النووية والبالستية الذي تقوم به بيونج يانج حاليا ويضع البلدين فوق صفيح ساخن قد ينذر بمواجهة نووية بالغة الخطورة لا يمكن لأحد التكهن بنتائجه الكارثية.. والواقع أن الدور الصيني الحالي في هذه الأزمة يعزز من موقعها في النظام الدولي يسمح بمزاحمة قوى أخرى للولايات المتحدة في صناعة القرار الدولي بالفعل في مقدمتها الصين..
حيث تعول واشنطن على الدور الصيني في كبح اندفاع كوريا الشمالية النووي والسيطرة على سياساتها وفرملة تطلعاتها النووية التي أشارت سيؤل الى أنها اقتربت كثيرا من استكمال منظومتها في هذا المجال..
هذا أعطى الصين مساحة حركة كبيرة ليس فقط في ملف إيران وكوريا الشمالية ولكن وجدنا تمددا لهذا الدور في الشرق الأوسط من خلال الملف السوري الذي استخدمت فيه الفيتو أكثر من مرة بالتنسيق مع روسيا للحيلولة دون صدور قرارات إدانة من مجلس الأمن الدولي..
وبالتالي حققت الصين تراكما في دعم مواقفها إزاء صناعة القرار الدولي يساعدها في ترجيح الكفة باتجاه مصالحها لتكون أكثر قدرة على التأثير في القرار الدولي أكثر من أي وقت مضى.
• الأمر لا يختلف بالنسبة لروسيا كثيرا التي عادت بقوة إلى صدارة المشهد الدولي بعد سنوات من الانكماش لتضطلع بدور كبير في صناعة القرار الدولي والتأثير فيه وتوجيه لدعم مصالحها الحيوية في مناطق الصراع الإقليمي والدولي.. وبات مجلس الأمن الدولي أكثر أدواتها داخل الأمم المتحدة في تغيير موازين القوى من خلال التوسع في استخدام حق النقض..
وقد شكل نفوذها المتزايد في الشرق الأوسط وتمددها حتى من خلال الجدل حول قدرتها في التأثير على الانتخابات الأمريكية الأخيرة فرصة كبيرة للحديث عن متغيرات تحتاج معها الأمم المتحدة لإعادة النظر في تحقيق التوازن بين دورها كمنظمة دولية في حل المنازعات وتحقيق الأمن والسلم الدوليين وبين زيادة نفوذ القوى الكبرى وتدخلها في عمل الأمم المتحدة التي باتت اليوم مكبلة بقيود المصالح التي تهيمن على قرارها.
• أوروبا أيضا لا تنظر بارتياح إلى تراجع دورها في صناعة القرار الدولي بالمقارنة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي وتطمح إلى لعب دور أكبر يتناسب مع حجم تطلعاتها. والواقع أن فرنسا تقود هذه الرغبة الأوروبية التي قدمت لها إشارات كثيرة كان أبرزها الخلافات مع الولايات المتحدة في رفض الرؤية الأمريكية في أن تظل أوروبا ظلا للسياسات الأمريكية وهو تغيير الذهنية حتى الدولية في النظر لأوروبا على هذا النحو .. لذلك فإن فرنسا تحركت مبكرا عندما قدمت عام 2013 مشروعها لإصلاح مجلس الأمن ، الذي ركز على ضبط اللجوء إلى حق النقض عبر تعهد الدول الأعضاء الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن بعدم اللجوء إلى حق النقض في حالات الجرائم الواسعة النطاق.. وأعلنت أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تنازلها من طرف واحد عن استعمال حق النقض ضد أي مشروع قرار ذي مصداقية يرمي إلى وقف ارتكاب الجرائم الواسعة النطاق وبعد هذا التاريخ بعامين قدمت مشروعها الثاني إلى مجلس الأمن يحد من استخدام حق النقض للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والذي واجهته روسيا بالفيتو .. في الوقت الذي تذهب فيه بعيدا بالمطالبة بمقعد لألمانيا في مجلس الأمن الدولي في إطار دعم توجهها بتوسيع مشاركة القوى الإقليمية الكبرى في صناعة القرار الدولي وهي ترى أن إصلاح الأمم المتحدة يمر عبر إعادة صياغة القواعد القديمة للنظام الدولي الحالي بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة التي أفرزت قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية جديدة منها الهند مثلا التي تطالب بمقعد لها في مجلس الأمن الدولي يناسب حجم قوتها العسكرية النووية والاقتصادية وثقلها السكاني.
من بين أهم الزوايا التي يمكن أن يكون الحديث في ملف إصلاح الأمم المتحدة له جدوى..
• ازدواجيه المعايير التي يتم على أساسها التصدي للصراعات السياسية بما يعكس عجز المجتمع الدولي عن مساعدة الأطراف التي لديها حقوق واضحة في الأزمات والملفات الإقليمية والدولية.. ولا شك أن ملف القضية الفلسطينية التي ما زالت محل الصراع العربي الإسرائيلي على مدى اكثر من سبعة عقود شاهدة على عجز الأمم المتحدة رغم عشرات ، بل المئات من القرارات الدولية التي صدرت في صالح الفلسطينيين دون أن تكون هناك بارقة أمل واحدة في حصول الفلسطينيين على حقوقهم التاريخية بإقامة دولتهم المستقلة نتيجة الفشل الذريع في حمل إسرائيل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الملزمة تجاه الشعب الفلسطيني.. والواقع ان الملف برمته ونقصد به إصلاح الأمم المتحدة يحتاج مع كل الدعوات والمبادرات التي انطلقت على مدى السنوات الأخيرة ومن داخل المنظمة الدولية نفسها ومن كافة الاتجاهات بما فيها الولايات المتحدة ، يحتاج إلى وقفة متأنية تستهدف تعزيز دور الأمم المتحدة وألياتها في حل النزاعات الدولية بشفافية وتحقيق الاستقرار والسلام والأمن والتنمية الشاملة وضمان التمثيل لكافة شعوب الأرض مع خطة إصلاح واسعة لتطوير الهيكل التنظيمي والإداري للمنظمة الدولية
لتكون «أكثر فعالية وكفاءة» كما جاء في رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قدمها على هامش اجتماع الجمعية العامة في سبتمبر 2017 .