المشكلة في الدول وليست في الوثائق ولا المنظمة!!

د.عبد الحميد الموافي –

ان النقطة الجوهرية هي ان المشكلة ليست صياغات قانونية للوثائق أو للمواثيق التي تحكم عمل المنظمة ، وليست اجراءات إدارية أو بيروقراطية كما يتصور البعض، ولكن المشكلة الحقيقية هي إرادات الدول الأعضاء ورؤيتها وتقييمها لمصالحها ومدى قناعتها بقيمة وأهمية المنظمة بالنسبة لها، وكذلك جديتها ومصداقيتها ومدى التزامها بقواعد ومبادئ العمل ومصالح الدول الأخرى، وبالطبع مدى أهمية القضايا التي تتناولها المنظمة للدول الأعضاء ، وهو ما يقود الى ان المشكلة هي إصلاح سلوكيات الدول الأعضاء .
منذ أن ظهرت الإرهاصات الأولى للتنظيم الدولي، بعد معاهدة وستفاليا عام 1648، وتدعمت بعد اتفاقية فيينا عام 1815، ثم أخذت شكلها المعاصر من خلال عصبة الأمم، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1919، وقد استمرت عصبة الأمم حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، ثم حلت الأمم المتحدة محلها، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث تم التوقيع على ميثاقها في 24 أكتوبر عام 1945، والحديث يتواصل، خاصة من جانب المفكرين والسياسيين والباحثين والخبراء، حول افضل السبل لإدارة الشؤون العالمية، وأنسب الصيغ والتنظيمات التي يمكنها تحقيق أوسع وأعمق درجة ممكنة من التعاون بين الدول، من أجل تحقيق مصالحها المشتركة والمتبادلة، وبما يحقق أفضل استفادة ممكنة من موارد كوكبنا الاقتصادية والبيئية، والحفاظ على سلامته وأمنه أيضا في المجالات وعلى الأصعدة المختلفة أيضا، وذلك من منطلق إدراك أهمية وضرورة العمل لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة لجميع الدول والشعوب، وهو الإدراك الذي تعاظم واتسع وتعمق بفعل المخاطر والتهديدات التي واجهت العالم، بل والجنس البشري ككل، من خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن خلال الكوارث الطبيعية والبيئية التي تعرض لها العالم، ومن خلال ما نجحت فيه ثورة التكنولوجيا من الربط بين دول وشعوب العالم، وزيادة التفاعل والتأثر المتبادل فيما بينها، الى الحد الذي لم يعد فيه مكان مخبوء أو غير مكشوف – على مدار الساعة – في عالم اليوم، كما أصبحت الأحداث والتطورات معروفة ويمكن متابعتها لحظة بلحظة، أيا كان مكان حدوثها، وهو ما حقق بالفعل درجة غير مسبوقة من التفاعل الواسع ومتعدد الجوانب بين الدول والشعوب.
وإذا كانت الدولة– كدولة – شكلت الوحدة الأساسية للتنظيم الدولي في عالم اليوم، إلا ان التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية، أوجدت فواعل أو أشخاصا فاعلة غير الدولة، وأصبحت هذه الكيانات قادرة بفعل عوامل عديدة على ممارسة قدر غير قليل من التأثير في الشؤون الدولية، ومن هذه الكيانات والفواعل، الشركات متعددة الجنسيات، والمجموعات الدولية والمنظمات الإقليمية، والمنظمات الإرهابية، والتنظيمات ذات الطابع العرقي والثقافي والديني والطائفي وغيرها. ومع ذلك تظل الدولة هي أبرز شخصيات القانون الدولي، والمخاطبة الرئيسية بقواعده، والمساهمة الفعالة في وضع وتطبيق وتطوير الكثير من مبادئه ومواثيقه، بحكم إمكاناتها ودورها وقدرتها على التأثير، بدون إغفال ما تقوم به الكيانات أو الفواعل الأخرى، التي يحرص القانون الدولي على إدخالها تحت عباءته بشكل أو بآخر.
ومع الوضع في الاعتبار ان منظمة الأمم المتحدة، التي قامت على انقاض «عصبة الأمم»، وحاول الآباء المؤسسون لها الاستفادة من عثرات عصبة الأمم خلال الفترة بين عامي 1919 و1939، وتوفير كل ما يمكن ان يساعد المنظمة الدولية الجديدة– الأمم المتحدة– على القيام بمهمتها الأساسية في تحقيق السلام والأمن الدوليين، والحفاظ عليهما، سواء عبر الأخذ بمبدأ «الضمان الجماعي» والاعتراف بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي في مواجهة العدوان الذي قد تتعرض له إحدى الدول، أو عبر العمل على إرساء أوسع الفرص للتعاون بين الدول في المجالات غير السياسية، تحقيقا للمصالح المشتركة لها، ولبناء درجة عالية من الاعتماد المتبادل فيما بينها، وعلى نحو يحول دون اندلاع الحروب، أو استمرارها، والتقريب أيضا بين الدول والشعوب في مختلف المجالات، ومن ثم ظهرت المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، وتكاثرت التنظيمات الإقليمية، التي شجع ميثاق الأمم المتحدة على إنشائها، بل واشركها في العمل من اجل حل المشكلات التي قد تنشأ في مناطقها أو أقاليمها، كجزء من مسؤوليتها الدولية، وبالتنسيق بالطبع مع الأمم المتحدة وهيئتها الأساسية المعنية بذلك وهى مجلس الأمن الدولي.
ومع الوضع في الاعتبار التطورات التي مر بها النظام الدولي، على الأقل منذ انشاء الأمم المتحدة، وما صاحب القطبية الثنائية، التي ارتكز عليها منذ نهاية أربعينات القرن الماضي، وحتى انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينات القرن الماضي، وتعملق الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمي الوحيدة في عالم اليوم، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، الا انه سرعان ما ظهرت تغيرات وتطورات متتابعة على النظام الدولي، تنزع جميعها تقريبا نحو تجاوز الأحادية القطبية التي تمثلها الولايات المتحدة، والاتجاه الى التعددية القطبية، متفاوتة القوة السياسية والاقتصادية أيضا، ولم يستغرق الأمر اكثر من ربع قرن تقريبا بين انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وبين محاولة روسيا الاتحادية الى إعادة فرض نفوذها كقوة عالمية، انطلاقا من الشرق الأوسط ومن حدود جورجيا وأوكرانيا أيضا، وكذلك إعلان الصين عن مجالها الحيوي في بحر الصين الجنوبي، وإعلانها مبادرة طريق الحرير، وإيصال قطارها البري الى لندن للمرة الأولى، وكذلك رسوخ قوة ألمانيا وفرنسا في أوروبا، وكذلك بريطانيا رغم انسحابها من الاتحاد الأوروبي، وبروز الهند ومجموعة بريكس، وازدياد عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وظهور وانتشار التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وبروز توجهات شوفينية – وطنية متطرفة – وانفصالية في مناطق مختلفة من العالم في مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، كل ذلك فرض نفسه على المنظمة الدولية الأم، وزاد في الواقع من المسؤوليات الملقاة على عاتقها، والمأمول ان تنهض بها، وزاد من هذا العبء أن مشكلات كوكبنا الأرضي اتضح انها اكبر من قدرات أية دولة بمفردها، وانه لا مناص من تعاون المجتمع الدولي ككل لمواجهتها للحفاظ عليه ولتأمين حياة افضل لشعوبه واقل تهديدا وخطرا عليها أيضا. وكان ذلك كله مدعاة لظهور وتكرار الدعوة الى إصلاح وتطوير الأمم المتحدة، والنظام الدولي ككل، كسبيل لا مفر منه للعيش معا، بأقل قدر من التهديدات والتعرض للمخاطر الواضحة والمستترة. وفي هذا الإطار فانه يمكن الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي :
*أولا : انه بالرغم من انه يمكن القول بكثير من الثقة، ان القانون الدولي بوجه عام، والتنظيم الدولي بوجه خاص، قد تطور بشكل كبير خلال العقود السبعة الماضية، وعلى نحو تآكل معه مفهوم ونطاق السيادة الوطنية، بمفهومها التقليدي، واتسع معه حق التدخل الجماعي الدولي، بموجب القانون الدولي الإنساني ومبدأ حماية الشعوب، وازدياد درجة الشعور بأهمية وضرورة التضامن والتعاون الدولي في مواجهة الكوارث الإنسانية والبيئية، انطلاقا من تداخل المصالح وترابطها، الا ان النظام الدولي، لا يزال حتى الآن يرتكز على الدولة، ذات السيادة، باعتبارها الشخصية الرئيسية في القانون الدولي، صحيح ان نطاق السيادة للدولة يتآكل، وأصبح ممكنا تجاوز الحدود بسبل عديدة، ولكن الصحيح أيضا ان الدول لا تزال قادرة على إدارة شؤونها وعلاقاتها بقدر غير قليل من الاستقلالية، بل والانسحاب من تنظيمات إقليمية استقرت في عضويتها عدة عقود، وهو ما حدث بالنسبة لبريطانيا وانسحابها من الاتحاد الأوروبي– والأكثر من ذلك الدول– فرديا وجماعيا – هي التي تطبق القانون الدولي وقرارات المنظمات الدولية المختلفة، بما فيها الأمم المتحدة بالطبع، فحتى الآن لم توجد التنظيمات الإقليمية أو الدولية القادرة على فرض القانون، أو إجبار الدول على الخضوع له والتسليم به والعمل تحت مظلته، كما يحدث مثلا على الصعيد الداخلي للدول. فليست هناك منظمة أو جهة تملك أدوات القهر في مواجهة الدولة، على أي مستوى من المستويات. وحتى بالنسبة للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يسمح باستخدام القوة المسلحة لحمل إحدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على الانصياع لقرارات الأمم المتحدة في حالات محددة، فان عملية التطبيق شابها، ويشوبها الكثير من المآخذ في الواقع لسبب بسيط هو ان الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وخاصة الدول الخمس الكبري دائمة العضوية فيه، تحرص على تطبيق القانون الدولي من منطلق رؤيتها هي، وبما يخدم مصالحها هي في المقام الأول، وبالتالي تتراجع أهمية وقيمة القانون الدولي ومبادئ الميثاق لتكون مجرد غطاء لمصالح طرف أو أطراف دولية محددة، في حالات معينة. بل ان البعض قام بحالات عدوان واجتياح صارخة على مرأى من الجميع، وخارج نطاق الأمم المتحدة وبعيدا عنها أيضا، لأن ذلك ببساطة يخدم مصالحه، والأمثلة اكثر من أن تحصى. وفي منطقتنا ذاتها.
ومع أن مبدأ سيادة الدولة، يظل أحد أهم ركائز العمل في المنظمات الإقليمية والدولية، بما فيها الأمم المتحدة، إلا أن مبدأ أو مفهوم القوة، بمعناها العملي الواقعي – في إطار الواقعية الدولية – يظل مبدأ معمولا به، طالما تستطيع الدولة أو القوة أو الأطراف، التي تلجأ إليه تحمل تبعات ذلك بشكل مباشر وغير مباشر، ولعل ما يساعد على ذلك أن التنظيم الدولي، وبرغم كل ما حققه حتى الآن في مجالات عدة، إلا انه لم يتطور بعد بما يكفي، مقارنة بالتنظيم الداخلي للدول. ولذا فإن الممارسات خارج نطاق القانون الدولي، أو بما يتعارض معه لا تزال كثيرة ومتنوعة، ومتكررة أيضا.
*ثانيا: أن من أبرز المفارقات على صعيد العمل الجماعي الإقليمي والدولي، أن الدول تلجأ الى استخدام المنظمة الإقليمية أو الدولية – بما فيها الأمم المتحدة – كمشجب للتهرب من المسؤولية، أو لعدم القيام بعمل ما من جانبها، وذلك بدعوة المنظمة الى العمل وتحمل مسؤوليتها حيال هذه القضية أو تلك، بل وتأييد ما تتخذه من قرارات، ولكن هذه الدولة نفسها هي من يعوق المنظمة من التوصل الى قرار أو قرارات أو حتى توصيات لا تخدم موقفها أو مصالحها. وهنا تتحول المنظمة الى مؤسسة تحملها الدول الأعضاء مسؤولية الفشل، وتختبئ من ورائها أيضا أمام الرأي العام، في حين أنها هي السبب الحقيقي في فشلها وعدم قدرتها على العمل.
ويزيد من تأثير ذلك أن المنظمة – دولية كانت أو إقليمية – ليست لها إرادة منفصلة أو مستقلة خاصة بها، منفصلة عن إرادات الدول الأعضاء. صحيح أن القرارات عندما تصدر تكون قرارات للمنظمة ككل ومعبرة عنها ككل أيضا، ولكن الصحيح بالتأكيد أيضا هو أن الدول الأعضاء تلعب دورا شديد التأثير في بلورة وصياغة القرارات، ويمكنها تعطيلها، أو تمييع صياغتها، أو جعلها فضفاضة أو غامضة في حالات معينة، يصعب معها الاتفاق على تفسير محدد لها، وهناك أمثلة لذلك.
ومع اليقين بأهمية تطوير هياكل ووسائل عمل المنظمة الدولية، وضرورة تمكينها من القدرة على متابعة تنفيذ قراراتها، وحتى إمكانية معاقبة الدول الأعضاء في حالات مخالفتها لمبادئ الميثاق، أو لقواعد التعامل المعمول بها، إلا أن النقطة الجوهرية هي أن المشكلة ليست صياغات قانونية للوثائق أو للمواثيق التي تحكم عمل المنظمة، وليست إجراءات إدارية أو بيروقراطية كما يتصور البعض، ولكن المشكلة الحقيقية هي إرادات الدول الأعضاء ورؤيتها وتقييمها لمصالحها ومدى قناعتها بقيمة وأهمية المنظمة بالنسبة لها، وكذلك جديتها ومصداقيتها ومدى التزامها بقواعد ومبادئ العمل ومصالح الدول الأخرى، وبالطبع مدى أهمية القضايا التي تتناولها المنظمة للدول الأعضاء، وهو ما يقود الى أن المشكلة هي إصلاح سلوكيات الدول الأعضاء، وتوفر إرادتها السياسية ورغبتها في العمل من داخل المنظمة. أما الحديث عن عراقيل بيروقراطية، أو ترهل في الأجهزة، أو ضعف في الأداء، فان ذلك كله هو في الحقيقة نتائج ومخرجات لمواقف الدول الأعضاء، بدليل انه عندما تتفق الدول المؤثرة في المنظمة على أمر ما سرعان ما يتم ويتحقق، وعندما تختلف يمكن أن يتميع أو يموت الأمر في سراديب المنظمة وعبر الانتقال من اجتماع الى آخر، وربما بعدم تناوله أصلا. وإذا كانت قد طرحت العديد من مقترحات إصلاح الأمم المتحدة ومن أبرزها ما طرحه الدكتور بطرس غالي، وكوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، فضلا عن تقارير لجان خبراء وحكماء دوليين، ولجان متخصصة في الأمانة العامة للأمم المتحدة وآخرها مقترحات جوتيريش الأمين العام الحالي التي طرحها الأسبوع الماضي في اجتماع خاص، إلا أن الأمر يظل في ملعب الدول الأعضاء، ومن الخطأ أن نتصور أن الأمم المتحدة أو أية منظمة إقليميه أو دولية منفصلة عن أعضائها وخاصة الأعضاء ذوي التأثير منهم، فالإصلاح يبدأ منهم في الواقع.