إصلاح الأمم المتحدة.. أم النظام العالمي؟

د.صلاح أبونار –

لا يمكن لأي جهد حقيقي لإصلاح الأمم المتحدة أن يؤتي ثماره، إلا في سياق عملية أخرى ومتزامنة تسعى لإصلاح النظام العالمي. ودون ذلك ومهما كان درجة الصواب في الرؤية الإصلاحية، لن تجد في الواقع السياسي مرتكزات حقيقية تقوم بتفعيلها وتجذيرها ومنحها القدرة على مواجهة الأزمات.
ولدت الأمم المتحدة نتيجة لتلاقي وتفاعل عدة تيارات. كان لها دورها التأسيسي، سواء تجاه بنيتها التنظيمية أو النسق القوي الحاكم لتفاعلاتها وحركتها. كما كان لها دورها في تحولات المنظمة خلال عقودها الأولى، من حيث نمو عضويتها والتحولات في كتلها وقضاياها الأساسية.
أولها: نمو المؤسسات التنظيمية الحكومية الدولية، التي وصل عددها عند نهاية القرن 19 إلى 23، ليقفز عام 1964 إلى 195. وثانيها التيار الأطلسي المرتبط بالقوى الديمقراطية الغربية المنتصرة في الحرب الثانية، الذي هيمن على عملية التشكيل المؤسسي للأمم المتحدة، حاملا معه التقاليد المؤسسية والحقوقية للديمقراطيات الغربية. وثالثها تحولات موازين القوى الدولية الناتجة عن الحرب الثانية: تراجع قوة أوروبا الغربية، وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى، والبروز المماثل للاتحاد السوفييتي. ورابعها تأسيس المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. وخامسها حركة التحرر الوطني، بمساهمتها في توسيع عضوية المنظمة وتكوين حركة عدم الانحياز.
ومن قلب تلك التيارات ذاتها تكونت أسس النظام الدولي، وانطلقت عملياته وصراعاته السياسية، فيما بين نهاية الحرب الثانية ونهاية الحرب الباردة. لكن مع نهاية الحرب الباردة أخذت في الانحسار وانطلقت تيارات جديدة، حملت معها معطيات سياسية جديدة. أخذت في التصاعد والهيمنة على المسرح الدولي، ولكن دون أن تتمكن من صياغة وبلورة نظام دولي جديد قادر على التعبير عنها.
ماهي أهم هذه التيارات؟
انبثقت المجموعة الأولى منها من تراجع دور الدولة القومية، بوصفها الوحدة الأساسية الناظمة للتفاعلات الدولية. يبدو ذلك في نشوء وتصاعد مشاكل حادة عابرة للحدود القومية، مثل التلوث البيئي والهجرة القسرية وغير الشرعية والإرهاب. و التدفق الإعلامي الناتج عن الثورة الاتصالية. تدفق سريع ومكثف، يتيح إمكانيات تكوين جماعات نشطة عابرة للحدود، وسريعة التفاعل مع المواقف السياسية، وقادرة علي الإعاقة وتغذية حركات اجتماعية واسعة. وتدفق حركي يبدو في تشكيل الحركات الاجتماعية والمنظمات المدنية العابرة للحدود، مثل حركات مناهضة العولمة. وتدفق اقتصادي يتجسد أساسا في صورة سيولة الأسواق المالية وتحركات العمل وتنقلات رأس المال، وتوزيع الشركات العابرة للقوميات لمكونات إنتاج المنتج الواحد على دول عديدة.
وتتجسد الثانية في استشراء إنماط من الحركات والصراعات، كانت من قبل هامشية الحضور. ويجمعها تأطيرها عبر مفهوم الهوية، وتتسم بالقدرة علي تفتيت الحدود وعبورها. وتتبدى في الصراعات الإثنية، والدور البارز للهوية في صعود الحركات الشعبوية الأوروبية، وصعود حركات وصراعات الأصوليات الدينية.
وتتجسد الثالثة في تحولات موازين القوى الاقتصادية الدولية في علاقتها بموازينها السياسية. في ظل نظام الحرب الباردة كان التوازن الاقتصادي مطابقا للسياسي، ولكن مع الصعود الصيني والكوري والشرق آسيوي عامة أخذ الثقل الاقتصادي العالمي ينتقل شرقا، بينما لا يزال الثقل السياسي هناك في مواقعه القديمة.
وتشدد تلك التحولات على الحاجة لإصلاحات جذرية للنظام الدولي الراهن. إصلاحات تدفع صوب نظام جديد يتسق فيه التوازن السياسي مع التوازن الاقتصادي على مستوى القمة. ويرتكز على مبدأ التعاون والمسؤولية المشتركة كضمان مؤكد، لتعاون الدول الصغرى في المشاكل العابرة للحدود مثل البيئة والهجرة. ويؤسس لنمط جديد من المشاركة الحقيقية والمقننة للفاعلية الدولية الأهلية في إدارة النظام الدولي. ويوسع الولاية القانونية لمحكمة العدل الدولية، مع إلزام القوى الكبرى بالخضوع لها. ويلتزم بتوجه تنموي حقيقي تجاه دول الجنوب، مع معايير جديدة وعادلة للعلاقات الاقتصادية الدولية، كوسيلة جوهرية لتهدئة البيئة المولدة للصراعات الإثنية والنزعات الأصولية العنيفة والمشاكل العابرة للحدود.
ومن الواضح ان مسار إصلاحي من هذا النمط ، ليس فقط في حاجة إلى مدى زمني طويل، بل أيضا يشكل تحولا تاريخيا لن يتحقق إلا في غمار تغييرات جذرية في تركيبة النخب المهيمنة على الوضع الراهن. ومع ذلك يظل من الضروري الوعي بضرورته والشروع في تصور أبعاده وانتهاج مساراته، ويظل من الضروري وعي انه بدون الشروع فيه سيظل أي إصلاح للأمم المتحدة جزئيا ومحدود التأثير . ومن شأن هذا ان يعيدنا من جديد إلى موضوعنا الأصلي: إصلاح الأمم المتحدة.
ولدت المنظمة محمله بهاجسها الإصلاحي. ففي مؤتمر سان فرانسيسكو الذي أسفر عن إعلان ميثاق الأمم المتحدة، تكونت جبهة عريضة من أعضاء المؤتمر في مواجهة الدول الخمس الكبرى، المرشحة للعضوية الدائمة في مجلس الأمن حسب النص المقترح،خاضت معركة على أربع جبهات تفاوت حجم انتصاراتها فيها. فشلت تماما في الحد من امتيازات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بعد معركة، وصلت حدتها لدرجة ان المندوب الأمريكي وقف ممزقا لنسخة من مشروع الميثاق، صارخا: «من دون الفيتو لن يكون هناك ميثاق أصلا». لكنها نجحت في الوصول إلى حل توافقي حول دور المنظمات الإقليمية في حل الصراعات الإقليمية، وتمكنت من تفصيل وتوسيع نصوص المشروع الأصلي حول دور الأمم المتحدة في إنهاء الاستعمار، واستطاعت توسيع رؤية المشروع لدور المنظمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، عبر إعادة صياغه تصوره لدور المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ويحتل مجلس الأمن عادة مكان الصدارة في النقاش حول إصلاح الأمم المتحدة. ورغم كثافة الاهتمام بأمره، لم يعرف على مدى تاريخه سوى إصلاح واحد ومحدود، بتوسيع عضويته غير الدائمة عام 1963 بإضافة أربع عضويات جديدة.
وتنتهج الانتقادات الموجهة للمجلس اتجاهين. أول يتعلق بنمط التمثيل، من حيث وجود حق الفيتو، والتمايز في حق استخدامه، وتعبير هذا التمايز عن توازنات قوي ما بعد الحرب الثانية، وليس عن بنية القوى الدولية الراهنة، وتركز عضويته في دول الغرب الأطلسي، وبالتالي ضعف التمثيل الجغرافي العالمي داخله. وثان يتعلق بمستوى الشفافية في أداء المجلس لمهامه.
ولأن مسألة الشفافية لا يوجد لها حل إجرائي، تركزت مقترحات الإصلاح حول نمط التمثيل. وفي هذا الصدد قدمت أفكار تطالب بتوسيع العضوية العامة، ترتكز على قاعدة التمثيل الجغرافي المتوازن، وبنسب تراوحت بين 20 و26 حسب جهة الاقتراح.
وكان من المنطقي ان تنتقل الاقتراحات إلى حق الفيتو والعضوية الدائمة. وفي إطار «مجموعة العمل المفتوحة من اجل إصلاح مجلس الأمن» التي شكلتها الأمم المتحدة، تداولت أربعة مقترحات في هذا الشأن. أول يطالب بإلغاء حق الفيتو من الأصل. وثان يطالب بتوسيع قاعدة الدول المستخدمة له، مع تفاوت حسب المقترح في مدى التوسع ومعياره. وثالث يطالب بتقييد حق استخدامه، في حدود ما نص عليه الفصل السابع من الميثاق، وحق الاعتراض علي اختيار السكرتير العام. ورابع قدمته ألمانيا ويطالب بتبرير استخدام الفيتو عند استخدامه أمام الجمعية العمومية. وفيما يتعلق بمعايير توسيع العضوية الدائمة، فلقد تراوحت بين توسعها بإضافة اليابان وألمانيا وهو ما تؤيده واشنطن، وتوسعها على قاعدة التمثيل الجغرافي عبر آلية الانتخاب في الجمعية العمومية.
ويبدو أن عقدة إصلاح مجلس الأمن، هي عقدة العضوية الدائمة ومعها حق الفيتو. ومن الواضح أنها عقدة يصعب علاجها معالجة جذرية، لأن تلك المعالجة الجذرية تعني كسر نمط الاحتكار الراهن للفيتو، وهو ما يجب أن توافق عليه تلك الدول المحتكرة ذاتها وفقا لأحكام المادة 109 من الميثاق.
ولقد تلقت الجمعية العمومية نصيبها من مقترحات الإصلاح. ويمكننا ان نميز في هذا الصدد بين نزعتين.
أولى حاولت الاقتراب من إصلاح معايير العضوية، سواء في مجلس الأمن او الجمعية ذاتها. وهكذا طرح ضرورة تبني معايير تنظم اختيارها للعضوية غير الدائمة، على قاعدة احترام المرشح للقانون الدولي وقبول ولاية محكمة العدل الدولية والمساهمة في عملية حفظ السلام. كما طرح ضرورة مناقشة معيار عضوية الدول في الجمعية، من حيث صدق وشرعية تعبيرها عن شعبها. فهل من المقبول قبول عضوية دولة تقول كل المؤشرات أنها لا تعبر عن شعبها؟
وسعت النزعة الثانية نحو عقلنه ورفع مستوى أداء الجمعية لوظائفها، من خلال تحديث هياكلها وأساليب عملها وقواعدها الإجزائية. وفي أغسطس 2014 تبنت الجمعية، تقرير «مجموعة العمل من اجل تفعيل عمل الجمعية العمومية»، الذي احتوى توصيات مهمة في هذا الصدد.
مثل دعم الهياكل المساندة للجمعية تجنبا لتكاثر تشكيل مجموعات العمل، وتحويل مساحة من برنامج عمل الجمعية إلى المجلس الاقتصادي الاجتماعي، وتوطيد قاعدة التمثيل الجغرافي في اللجان الرئيسية، وتوسيع المساواة بين اللغات، ومراجعة عملية اختيار الأمين العام.
وكان مجال عمليات حفظ السلام احد اهم مجالات السعي لإصلاح الامم المتحدة، من واقع ان هذا المجال بالتحديد اعتبر المهمة الرئيسية لها منذ تأسيسها. وفي هذا الصدد طرحت ثلاث مبادرات متتالية. برنامج السلام في فترة سكرتارية بطرس غالي. وتقرير «الابراهيمي» عام 2000، الذي أعدته لجنة خبراء دولية مستقلة برئاسة الأخضر الإبراهيمي، تكونت بتوصية من كوفي عنان. وتقرير كوفي عنان المعنون «من اجل المزيد من الحرية»، والذي طرح على الجمعية العمومية 2005، لعرضه على رؤساء الدول الأعضاء.
وبالتوازي مع ماسبق ظهرت جهود لإصلاح المنظمة في المجال الإداري والمالي، وفي مجال حماية حقوق الإنسان، ومجالات أخرى. ولكن من السهل ان نلاحظ ان كل تلك الجهود، ما زالت تعمل على إصلاح منظمة تشكلت هياكلها وآفاقها في ظل النظام الدولي القديم وتحدياته، ولم تنجح بعد في ترجمة التحولات الجديدة من واقع ان ذات التحولات كما اشرنا، لا تزال محض قوى وتيارات تعمل وتتفاعل في صلب بقايا النظام القديم، ولم تنجح بعد في تأسيس نظامها. وهكذا تتعامل معها علي استحياء، وتلتف من حولها دون ان تقتحمها، لأن هذا الاقتحام أصلا ليس مهمتها.