غياب التوافق في الماضي والحاضر .. وتشرذم المفاهيم!

محمد حسن داود –

,,أغلب الظن أن ما جرى عشية انطلاق الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة من نقاشات وحوارات وسجالات حول سبل إصلاح المنظمة الدولية يحمل في طياته أسباب فشل كافة جهود ومحاولات الإصلاح التي طرحت عبر العقود الماضية!,,
فقد هيمنت على هذه النقاشات والكلمات انقسامات واضحة في المواقف والتوجهات تعكس في حد ذاتها حالة مزمنة من الخلافات السياسية التي تضرب بجذورها في تاريخ الأمم المتحدة منذ إعلان قيامها عام 1945، وهي الأسباب الأساسية التي حالت دون نجاح الأمم المتحدة في التعامل مع كثير من الأزمات والمشاكل الدولية خلال السنوات الماضية، ووقفت أيضا سدا منيعا أمام إجراء إصلاحات حقيقية وجوهرية للمنظمة الدولية بحيث تتمكن من التعاطي مع مختلف القضايا بنزاهة وحيادية بما يكفل لها الحد الأدنى من مقومات النجاح، بدلا من أن تظل موصومة بالفشل من أطراف عديدة على الصعيد العالمي.
مثل هذه الانقسامات تجاه عديد من القضايا العالمية، نتيجة الأهواء السياسية والتكتلات الإقليمية أو الجهوية ،أدت بشكل واضح إلى غياب التوافق الدولي الذي يمكن من التعامل مع مختلف النزاعات والأزمات بشكل عاجل والحيلولة دون تفاقمها في مراحل مبكرة، وبالتالي أدت إلى تقليص فاعلية المنظمة الدولية، ونتج عن ذلك انتشار الحروب والصراعات الدامية بكثافة خاصة في آسيا وإفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط بعد التغيرات السياسة التي شهدها العالم العربي منذ عام 2011 وتصاعد ظاهرة الإرهاب.
وهناك بالقطع ارتباط قوي بين الحروب الأهلية والإرهاب ، فأصبحا يشكلان مصدرا رئيسيا لتهديد السلم الدولي، إضافة إلى خطر انتشار الأسلحة النووية بعد قيام كوريا الشمالية بتجاربها النووية الست وآخرها القنبلة الهيدروجينية ، وكذلك مصادر أخرى غير تقليدية لتهديد السلم الدولي مثل الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية والأمراض والمجاعة وغيرها والتي لم تعد المنظمة الدولية قادرة على التعامل بفاعلية معها ، نظرا لأن تركيبة مؤسساتها الفاعلة أنشئت بهدف التعامل مع ظاهرة العدوان والحروب التقليدية بين الدول والتي تراجعت بشكل كبير مقابل انتشار الحروب الأهلية داخل الدول ، فضلا عن أنها وضعت للحفاظ على مصالح قوى بعينها على حساب القوى الأخرى التي تمثل أغلبية طاغية داخل المنظمة العالمية.
وكم كان لافتا نتيجة لذلك أن تحولت أزمات دولية إلى قضايا مزمنة في أروقة الأمم المتحدة ، يتم تداولها منذ سنوات دون التوصل إلى أية حلول أو تسويات بشأنها، والمثال الصارخ في هذا المجال هو القضية الفلسطينية التي صدر بشأنها عشرات القرارات الدولية عن مؤسسات الأمم المتحدة لإقامة الحقوق الفلسطينية العادلة والمشروعة، جانب من هذه القرارات ملزم وواجب النفاذ، والجانب الآخر منها يحظى بإجماع دولي ضخم ولكنه يمثل قرارات غير ملزمة، أقرب ما تكون إلى التوصيات، ولكنها بشكل أو بآخر تمثل ضغوطا دولية عنيفة على «المغتصب» الإسرائيلي، ولكن المؤسف أن هذه القرارات لم تتمكن من تحقيق أي تقدم على صعيد القضية الفلسطينية فحسب ، ولكن في كل مرة كانت تصدر فيها هكذا قرارات كانت أوضاع الفلسطينيين تزداد سوء بالتهام المزيد من أراضيهم لصالح المستوطنات الإسرائيلية وتعرضهم لمذابح وحشية وحملات اضطهاد وحروب شاملة دون رادع أو تدخل فاعل من جانب الأمم المتحدة ، والأمر ذاته يتكرر في عديد من القضايا والأزمات جراء الأهواء الذاتية وغياب الإرادة السياسية بكل تأكيد.
وفي قضية حيوية أخرى مثل الإرهاب الذي يضرب بقوة في عديد من بقاع الأرض، ربما لم تستطع الأمم المتحدة إثبات جدارتها في معركة مكافحته، ليس بسبب الانقسامات وغياب التوافق والأهواء السياسية فحسب، ولكن هناك ظاهرة أخرى تطل برأسها في هذا الشأن تتمثل في اختلاف المفاهيم والتوافق حولها أيضا، فحتى اليوم لا تزال الاختلافات مستمرة بشأن مفهوم «الإرهاب» وتعريفاته والحالات التي ينطبق عليها هذا الوصف ، وكذلك مفاهيم مهمة أخرى مثل التحرير الوطني ومكافحة المحتل ومبادئ السيادة والتدخل في شؤون الدول وحق الدفاع عن النفس وأولويات الأمن الوطني وحقوق الإنسان ، جميعها مفاهيم تحظى بتفسيرات فضفاضة ومبهمة داخل أروقة الأمم المتحدة وهي كذلك تخضع لتصورات ذاتية وتسييس واضح مما أدى مجددا إلى زيادة مظاهر عدم التوافق والانقسام وغياب الفاعلية عند التعامل مع عديد من القضايا المرتبطة بتلك المفاهيم.
من هذا المنطلق يمكن القول إن أي جهود أو برامج لإحداث إصلاح جوهري للأمم المتحدة سوف تذهب أدراج الرياح ما لم تأخذ في اعتبارها وبمنتهى الجدية هذين العنصرين ؛ آلية التوافق حول الأزمات الدولية وتحديد مفاهيم واضحة للقيم السياسية والحقائق الأمنية، وفي هذا السياق فإن ما طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أفكار ومقترحات لإصلاح الأمم المتحدة في كلمته عشية انطلاق أعمال الجمعية العامة في دورتها الجديدة هي بلا شك أفكار جيدة وقد تحقق بعض النتائج، ولكنها في الغالب لن تحقق الشيء الكثير من الإصلاحات للمنظمة الدولية كونها تتم بعقلية «المقاولات» التي تبحث عن الربحية لرأس المال ،فما طرحه ترامب يعد في الغالب اختزالا مخلا لمشاكل الأمم المتحدة ولم يجد فيها سوى الإسهام المرتفع لبلاده في ميزانية المنظمة الدولية وهو الذي اعتبرها يوما غداة انتخابه رئيسا للولايات المتحدة «مدعاة للحزن»، وقال عبر حسابه في توتير ان المنظمة الأممية ذات امكانات كبيرة الا أنها باتت ناديا كي يلتقي به الأشخاص ويتحدثوا ويقضوا أوقاتا طيبة على حد تعبيره.
وجاء ذلك بعد تدخله بشكلٍ شخصي لضمان تأجيل تصويت لمجلس الأمن على القرار التاريخي بإدانة الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية إلا أن محاولته باءت بالفشل حيث أصدر المجلس في نهاية المطاف قرار الادانة، فتعهد ترامب في أعقاب ذلك بإحداث تغيير بعد تسلمه لمهام منصبه كرئيس للولايات المتحدة!
وقبل أيام قليلة وفي رؤيته «الإصلاحية» قال ترامب إن منظمة الأمم المتحدة لم تحقق أهدافها بسبب البيروقراطية ودعا إلى «التركيز على الناس أكثر من تركيزها على البيروقراطية» مؤكدا أنه ليس مقبولا أن تتحمل دولة واحدة القسط الأكبر من الأعباء المالية التي وصفها بأنها غير عادلة ، واشتكى من أن بلاده «لا ترى عائدات استثماراتها»، وبرغم ذلك وجه الرئيس الأمريكي حديثه مخاطبا الأمين العام “ ندعم جهودك للنظر في عمل منظومة الأمم المتحدة بأكملها لإيجاد سبل يمكن من خلالها للأمم المتحدة أن تحسن أداءها في مجالات التنمية والإدارة والسلام والأمن ”مشيرا إلى أن “الأمم المتحدة أنشئت على أسس نبيلة، منها التأكيد على كرامة وقيمة الشخص والسعي لتحقيق السلام الدولي وساعدت الأمم المتحدة في النهوض بهذه الأهداف بأشكال كثيرة ”وتحدث ترامب عن جهود الأمم المتحدة في توفير الغذاء للجوعى والإغاثة في حالات الكوارث وتمكين النساء والفتيات بأنحاء العالم ،غير أنه عاد وقال إن الأمم المتحدة “لم تحقق خلال السنوات الأخيرة كامل إمكاناتها بسبب البيروقراطية وسوء الإدارة ، ونحن واثقون أن هذا الوضع سيتغير تحت قيادة الأمين العام جوتيريش ”ومن جانبه أقر «جوتيريش» بأن “البيروقراطية والهياكل المجزأة. والإجراءات المعقدة تعمل على تقويض منظومة الأمم المتحدة” وقال في كلمته بالمؤتمر“ لم يكن بوسع أحد العمل على تقويض الأمم المتحدة بطريقة أفضل من خلال فرض بعض القواعد التي أنشأناها لأنفسنا ، بل إنني أسأل نفسي أحيانا عما إذا كانت هناك مؤامرة لجعل قواعد العمل غير فعالة بالقدر الذي نريده ”مظهرا رغبته الإصلاحية بقوله “نحن نسعى إلى إصلاح إداري شامل لتبسيط الإجراءات وتحقيق اللامركزية في القرارات مع زيادة الشفافية والكفاءة والمساءلة ”.
وختاما، لا شك في أن هناك بالفعل حاجة ماسة لإصلاح الأمم المتحدة بشكل جذري، وربما إلى إعادة هيكلة شاملة، وتلك رغبة عالمية منذ سنوات بعيدة ، والبرامج المطروحة قد تحقق بعض النجاح، ولكنها ستظل قاصرة عن تحقيق الإصلاح الشامل الذي يكفل إقامة «العدالة الدولية والديمقراطية العالمية» ، فأي إصلاح جوهري يجب أن يستند إلى حقائق وبرامج سياسية شاملة وليس إلى أفكار «المقاولات»، فالانقسامات وغياب الإرادة السياسية وعدم التوافق حول المفاهيم والقيم وغياب آليات تنفيذ القرارات العادلة ونزع فتيل الأزمات في مراحل مبكرة وتسييس القضايا حسب الأهواء الذاتية ، كلها عوامل أدت إلى عجز المنظمة الدولية عن تحقيق الهدف الأساسي الذي أشئت من أجله في الماضي كما الحاضر، ألا وهو حماية السلم والأمن الدوليين.