«نحن العرب».. شعار عمرو موسى إلى قلوب الشعوب العربية

مذكرات الأمين العام للجامعة العربية ووزير خارجية مصر الأسبق –
عمرو موسى.. «كتابيه».. النشأة وسنوات الدبلوماسية.. الكتاب الأول –
القاهرة: إميل أمين –

عن دار الشروق في القاهرة صدر الكتاب الأول من ثلاثة كتب تحمل عنوانا عريضا هو «كتابيه»، تبدأ بهذا الكتاب وتضم بين دفاتها مذكرات واحد من ألمع الرجال الذين لعبوا أدوارا مهمة في التاريخ السياسي والدبلوماسي المصري والعربي في الخمسين عاما الأخيرة، عمرو موسى، وزير خارجية مصر الأسبق، والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، ورئيس «لجنة الخمسين» لكتابة الدستور المصري سنة 2014،التي يعرض فيها شهادته ورؤيته لبعض الأخذات التاريخية البارزة في مصر والعالم العربي، ليس من موقع المراقب أو «المشاهد» ولكن من موقع «الفاعل السياسي المشارك» في صنع هذه الأخذات.

الكتاب الأول الذي بين أيدينا من تحرير وتوثيق الكاتب الصحفي الأستاذ «خالد أبو بكر».

عن محتويات الكتاب بداية

في هذا الكتاب شهادة حية عن نشأة عمرو موسى السياسية، ودوره في معارك الدبلوماسية المصرية ضد «جبهة الرفض» التي تكونت من بعض الدول العربية بعد توقيع اتفاقيتي كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وجهوده في إدانة الغزو العراقي للكويت بالأمم المتحدة.
في الكتاب أيضا أسرار علاقة موسى بالرئيس الأسبق حسني مبارك، خلال الفترة التي قضاها وزيرا للخارجية، وكواليس أغنية شعبان عبد الرحيم «بحب عمرو موسى».
يحتوي الكتاب كذلك على رؤيته لمن تعامل معهم من الزعماء العرب مثل: جمال عبد الناصر، وأنور السادات، ومعمر القذافي، وصدام حسين، وحافظ الأسد، وياسر عرفات، والملك حسين بن طلال، ملوك وأمراء دول الخليج العربي، وحكام دول المغرب العربي، وكذلك رؤساء ووزراء خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، كما يعرض لعلاقته مع الكثير من زملائه بوزارة الخارجية، وخصائص هذه العلاقات وطرائفها. هناك أيضا مواجهات عمرو موسى مع ساسة وسياسات إسرائيل، وجهوده في دعم القضية الفلسطينية، وعلاقته بالولايات المتحدة الأمريكية والقوى الكبرى في العالم، وكذا جهوده في مكافحة البرنامج النووي الإسرائيلي ومكافحة ما كان قد أسماه «الهرولة العربية» للتطبيع المجاني مع تل أبيب، عطفا على الدور الذي قام به في إعادة هيكلة وزارة الخارجية، وإتاحة المجال لتولي الشباب مناصب قيادية فيها، مع إدخال دوائر اهتمام جديدة للسياسة الخارجية المصرية مثل «الدائرة المتوسطية».

مذكرات إنسانية من وثائق رسمية

يصف المهندس إبراهيم المعلم صاحب «دار الشروق» الصادرة عنها المذكرات سطور عمرو موسى في هذه الكتب بوصفها نبضات حياة ودفقات فكر بأسلوب سلس رشيق وجذاب تتجسد فيه متعة القراءة من السطر الأول الى الأخير، وبالإضافة الى ذلك يقدم منهجا جديدا في كتابة المذكرات في العالم العربي لا يعتمد فقط على الذاكرة البشرية، التي تقف– دون شك– عند حدود بعينها، وينتابها الكثير من عوامل التعرية، اقلها الخلط والخطأ والنسيان.
بل انه يكتبها من «الوثائق الرسمية» التي تنطق بـ «الحقيقة المجردة» التي لا تقبل شكا او جدلا، ولا تحمل شبهة انحياز، او من خلال «شهادات مسجلة وموثقة» لآخرين شاركوه صناعة الأحداث، او كانوا قريبين منها من موقع «شاهد العيان» وجميعهم على قيد الحياة، وهو ما من شانه الإسهام – ولو جزئيا – في وضع بعض حوادث التاريخ المصري والعربي ووثائقه في حوافظها، وهو ما نأمل ان يجنبنا خطيئة تكرار ارتكاب الأخطاء نفسها التي تقودنا بدورها الى نفس النتائج.

عمرو موسى والتفكير في المذكرات

يبقى أبدا ودوما السؤال: لماذا يكتب بعض المشاهير مذكراتهم؟ يقول عمر موسى إنني فكرت مرارا في أن اكتب مذكراتي، ولم يسعفني الوقت، إذ بدأت في هذا التفكير فور أن تركت وزارة الخارجية في عام 2001، إلا أن أعباء الجامعة العربية واستعادة حيويتها ومشكلات العالم العربي شغلت وقتي كله.
ثم تكرر الموقف عندما تركت الجامعة العربية ولم يسعفني الوقت أيضا إذ اندمجت في العمل السياسي المصري بعد ثورة يناير 2011، وترشحي لرئاسة الجمهورية، ثم في المشاركة النشطة في مجال المجتمع المدني والسياسي العربي والدولي.
ويضيف: لكنني كنت دائما أفكر في ضرورة وأهمية كتابة هذه المذكرات التي يجب ان تشتمل على آراء وتحليلات وتوصيات ينتظرها القارئُ من المخضرمين الذين أصبحت واحدا منهم.
ويكمل عمرو موسى: ظل هذا مجرد تفكير الى أن توفي أسامة الباز – رحمه الله- دون مذكرات. كنت على رأس من حزنوا عليه، وأسفوا في الوقت ذاته لأنه لم يكتب مذكراته وهو قد كان صاحب دور رئيسي في مسار الدبلوماسية المصرية، وبصفة خاصة منذ مبادرة الرئيس السادات بزيارة القدس سنة 1977، مرورا بمباحثات كامب ديفيد ومشاركته الفاعلة والرئيسية في صياغة وثائقها، ثم اصبح في عهد الرئيس مبارك مستشارا ذا مقام خاص.
هنا يقول عمرو موسى: نبهني الى ذلك، وتحدث إليّ كثيرون… إن من واجبك أن تكتب وألا تكرر مأساة أسامة الباز، وبدأت اقتنع، خصوصا أن المسار الذي سرت فيه يتميز عن مسار أسامة بتنوعه، ما بين أحداث مصر، والوضع في العالم العربي، والتطورات في منطقة الشرق الأوسط، والآفاق الجديدة في مجال البحر المتوسط، بالإضافة الى التطورات العالمية، وتأثيراتها علينا لا سيما من خلال عملي الممتد في مجال الأمم المتحدة والدبلوماسية متعددة الأطراف، وبالفعل اتخذت القرار وتوكلت على الله… سوف اكتب مذكراتي.

المذكرات بين الواقع والممكن

لكن حين دخل مشروع كتابة المذكرات الى مرحلة الجد كما يقال بالعامية المصرية، والتعبير هنا لعمرو موسى نفسه، أدرك الدبلوماسي العربي العتيد، أن الأمر يحتاج الى ثلاثة أمور يجدر الوعي بها:
أولها: أن المذكرات لن يتسع لها كتاب واحد، وإنما تحتاج الى ثلاثة أجزاء منفصلة ومتتابعة مترابطة، يسرد الجزء الأول منها نشأته حتى اصبح وزيرا للخارجية، وينتهي بخروجه من الوزارة، ويتعامل الجزء الثاني من المذكرات مع السنوات العشر التي قضاها على راس الجامعة العربية، فيما يتعلق الجزء الثالث بما بعد ذلك، أي من 25 يناير 2011، وحتى إقرار الدستور في عام 2014 وتولي الرئيس السيسي حكم مصر.
وثانيها: يتعلق بعملية التوثيق وطلب المساعدة من عدد من الزملاء الذين عاصروا عمله في وزارة الخارجية وكانوا معه او حوله وقت أن كان وزيرها.
وثالثها: يتعلق بما تناولته الوثائق الدولية المتعلقة بمواقفه في سياقات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

مد الجسور مع العالم العربي

عرف عمرو موسى أبدا ودوما بانه رجل عروبي بامتياز ولهذا نراه يفرد في الكتاب الأول من ثلاثيته، الفصل الخامس لـ «مد الجسور مع العالم العربي».
يقول عمرو موسى: طبيعي أن يكون اكثر ما سيطر على تفكيري فور تعييني وزيرا للخارجية في 20 مايو 1991 هو اعادة مصر لمكانها الطبيعي في قلب العالم العربي، وهو مكان لا يستطيع احد أن يملأه غيرها. كانت سنوات تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية بسبب توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل تلقي بظلالها على طبيعة الحضور المصري في العمل العربي المشترك وآثاره الإقليمية خلال تلك الفترة، فبرغم عودة الجامعة العربية الى القاهرة، وانتهاء مقاطعة مصر، كنت اشعر أن عودتها لم تكتمل بعد، وانه ينقصها اتخاذ موقف قوي يجتمع العرب حوله، وخطة يجري تنفيذها باسمهم. رأيت ان دعم ومساندة الحقوق الفلسطينية خلال هذه الفترة لم يكونا على المستوى المطلوب من الجميع، وانه يجب إحداث حركة في هذا الملف قل سواه.
وللحقيقة – يقول صاحب الكتاب – فانه في زمن المقاطعة وبرغم استمرار أواصر العلاقات الشخصية والمودة بين قطاعات عريضة من مواطني وشعوب الدول العربية مع المصريين، ومن ثم بين ممثلي الدبلوماسية المصرية والدبلوماسيات العربية على المستوى الشخصي الإنساني، اتسمت العلاقات الرسمية بين الدول والعواصم بالجفاء واحيانا بالجفاء الشديد مما أوجد مرارة في نفوس الجميع.
ينقلنا عمرو موسى من أوائل التسعينات الى وقت كتابته لهذه المذكرات في العام 2016 ونراه يشير إلى انه يرى ما نراه جميعا، من مشاهد التشرذم والتفكك والانهيار في «الكيانات القوية» في العالم العربي ويقول: «ينتابني شعور قوي بانه كلما حرصت مصر على تأكيد عروبتها وقوميتها وانتماء شعوب هذه المنطقة على اختلاف دولها الى تاريخ مشترك ومستقبل مشترك، أصرت قوى معادية للعرب- كانت وستظل تاريخيا كذلك- على تمزيق صفوفهم وإغراقهم في صراعات لا تنتهي، طائفية، ومذهبية، بل حتى قبلية في اكثر الأحيان.
لذا يجب أن نقول دائما وفي كل المحافل: «نحن العرب ؟؟» في وجه الجميع أصدقاء كانوا او خصوما، ويجب ألا نتراجع أبدا عن إظهار عروبتنا ووجهها المشرق.

نحن العرب.. جواز مرور عمرو موسى

كان لعبارة نحن العرب وقع إيجابي في العالم العربي كله، فها هي مصر الشقيقة الكبرى عادت للتحدث باسم العرب، لا باسمها فقط كما جرت العادة منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وهو ما اغضب الإسرائيليين والأمريكيين، ذلك انهم فهموا عبارة «نحن العرب» رسالة مختلفة من مصر.. علقت إحدى الصحفيات الأمريكيات على هذه العبارة بقولها: «مرة أخرى» في إشارة الى عودة مصر الرسمية للحديث باسم العالم العربي كما كان الأمر في الحقبة السابقة على توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل.
والواقع كما يرى عمرو موسى انه كان لهذه العبارة مفعولها الأكيد في جعل العالم العربي يشعر بان خطابا مصريا مختلفا قد جاء مع وزير الخارجية المصري الجديد.. وأظن – والكلام لموسى – انه منذ تلك اللحظة بدأت شبكات الرصد لكل تصريحاتي ومواقفي خصوصا مع الأمريكيين والإسرائيليين تسجل ما تراه تيارا او اتجاها اومدرسة جديدة في السياسة الخارجية المصرية تختلف عن فترة كامب ديفيد.
عبارة نحن العرب كانت بداية قوية وجيدة للغاية قدمت بها نفسي للملوك والرؤساء العرب، والأهم منهم الرأي العام العربي، وقد كان الرئيس حسني مبارك سعيدا جدا لكلمة عمرو موسى أمام مؤتمر مدريد، وتلقى بشانها مكالمات مؤيدة من عدد من الرؤساء والساسة العرب، لكن موسى يقول إن مبارك اعتبرها مجرد كلمة جيدة، في حين اعتبرتها أنا سياسة.. قلت «نحن العرب» سياسة اتبعها، وليس لمجرد الاستعراض اللغوي.

10 سنوات في بيت العرب

ستمائة صفحة هي عدد أوراق الكتاب الأول، والذي ينتهي بخروج عمرو موسى من وزارة الخارجية المصرية، وبداية مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي في جامعة الدول العربية، ووقتها كتب الأستاذ هيكل رحمه الله في كتابه «كلام في السياسة» تحت عنوان «مهمة مطروحة على عمرو موسى» وفيها إن لدى عمرو موسى مزايا لم تتوافر لآخرين، فهو يجيء الى منصبه «كأمين عام للجامعة العربية» كاختيار إجماع لم تتخلف عنه دولة عربية واحدة، وهو يجيء الى منصبه ومعه قدر واضح من الرضا العام يضيف معنويا الى قدرته، وهو يجيء الى منصبه بدرجة عالية من الكفاءة والحيوية.
وهو يجيء الى منصبه في ظرف تستشعر فيه الأمة خطرا على وجودها ذاته ومن ثم فهي مستعدة لان تسمع وقابلة لأن تستجيب.
في آخر سطر من الكتاب الأول «يقول عمرو موسى: «وفي هذا كله فلن ابخس شعبان عبد الرحيم حقه في الشكر لأغنيته الشهيرة «بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل»، على طرافتها وغرابتها، إلا أنها تمثل نبضا شعبيا يعكس «قدرا من الرضاء العام» كما قال الأستاذ هيكل.
ما الذي ينتظر في الجزء الثاني من مذكرات عمرو موسى؟
حتما ستكون مذكراته عن «10 سنوات في بيت العرب» أي عن العقد الذي أمضاه أمينا عاما لجامعة الدول العربية.فإلى قراءة قادمة.