تقنية جديدة لعلاج السرطان من خلال التعديل الجيني للخلايا المصابة

أمل جديد لعلاج اللوكيميا والغدد الليمفاوية –
واشنطن- «د.ب.أ»: هل يمكن علاج السرطان عن طريق الخلايا المناعية ذاتها بعد تعديلها جينيا؟ إنها تقنية علاجية جديدة بات اعتمادها وشيكا في الولايات المتحدة وأوروبا، قد تعطي أملا جديدا لعلاج أنواع خطيرة من السرطان مثل «ابيضاض الدم» اللوكيميا أو سرطان الدم، وكذلك بعض أنواع سرطان الغدد الليمفاوية. كما حاول الباحثون التوصل إلى وسيلة لعلاج سرطان الثدي، والمبيضين والرئة والبنكرياس من خلال الاعتماد على التقنية ذاتها إلا أن التجارب لم تثبت نجاحا حتى الآن.

تجدر الإشارة إلى أن تقنية العلاج باستخدام الخلايا المضادة للسرطان أو (الخلايا التائية) المعروفة تتم على نطاق واسع منذ أكثر من عقدين، ومع ذلك لا يزال من الصعوبة بمكان تعميق الأبحاث الدائرة حولها أو تطوير علاج فعال باستخدامها، حيث لا يوجد سوى 200 دراسة حالة مرضية فقط، غالبيتها في الولايات المتحدة، ولا يزال الكثير منها في مرحلة تطور. في الوقت نفسه يؤكد الأطباء أنه بالرغم من الأعراض الجانبية القوية، فإن هذه التقنية سوف تكون فعالة في علاج بعض حالات اللوكيميا.
«أحدثت هذه التقنية نقلة نوعية مهمة في علاج أنواع معينة من اللوكيميا»، أوضح في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز، مدير برنامج علاج الجهاز المناعي لمكافحة السرطان بمستشفى فيلادلفيا للأطفال، البروفيسور شتيفان جروب، وصاحب العديد من الدراسات المهمة في هذا المجال، مضيفا «وفي حالة تطبقيها على أورام الغدد الصماء، من المرتقب أن تحدث نقلة نوعية أيضا في علاج أنواع مختلفة منها».
بدوره أكد البروفيسور كلاوس سيشوتيك رئيس معهد بول إيرليخ (PEI) بمقاطعة لانجن الألمانية أنه «من الممكن الآن انطلاق عهد جديد فيما يتعلق بعلاج اللوكيميا».
أخضعت إيملي وايتهيد «12 عاما»، منذ خمسة أعوام لهذه التقنية العلاجية التجريبية القائمة على تعديل الجينات، للعلاج من سرطان الدم الليمفاوي الحاد (ALL). الآثار الجانبية كادت تؤدي لمصرعها: ظلت لأسابيع في غيبوبة مصحوبة بحمى مرتفعة، بينما تتضاعف في جسدها الخلايا المضادة للسرطان المعدلة جينيا المنقولة إليها، حين أكملت عامها استيقظت من الغيبوبة، ومنذ ذلك الحين أصبح جسدها خاليا من السرطان نهائيا.
العقل الكامن وراء هذه التجربة كان كارل جون، من جامعة بنسلفانيا، وهو الذي أشرف بنفسه على مراحل علاج إيملي. وقد حاول جون منذ عقود استخدام تقنية تعديل الخلايا المضادة في علاج مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز).
وتكمن التقنية التي نجحت في القضاء على الخلايا المسرطنة في الجسم في الآتي: الخلايا المضادة للسرطان المستخرجة من دم المريض يجري تعديلها جينيا أو وراثيا عن طريق فيروس حامل معدل، ثم تجري مضاعفتها، ليعاد نقلها مرة أخرى إلى جسم المريض.
يتيح التعديل الوراثي للخلايا التائية أن تكون على سطحها مستقبلات حيوية (نوع من البروتينات الوظيفية) لمركب هرمون الأندروجين المستخلص من هرمون التستوستيرون الذي يرصد بدوره نوعا معينا من المضادات المناعية الموجودة في الخلايا المسرطنة. وفي حال تمكن الخلايا التائية من التعرف على الخلايا المسرطنة المرصودة تقوم بمهاجمتها وتبدأ في التضاعف عدديا لتتغلب عليها نهائيا. جدير بالذكر أن خلية تائية واحدة لديها القدرة على تدمير أكثر من ألف خلية مسرطنة.
ولكن ليس من السهل إنتاج أو التحكم بأمان تام هذا النوع من الطب الحيوي. فضلا عن أنه ليس كل المصابين بأنواع خطيرة من السرطان الذين أخضعوا لهذه التقنية، نجوا من آثارها الجانبية، ولهذا لا يزال تطبيق العلاج بالخلايا المناعية يطبق على نطاق محدود للغاية في الولايات المتحدة في مراكز متخصصة للغاية.
«تستخدم تقنية قوية للغاية يمكن أن تؤدي إلى انهيار جهاز المناعة، أو في أسوأ الحالات قد تسبب الوفاة»، يوضح اجبرت فلوري الاستشاري بمعهد (PEI) الألماني. فيما يحذر البروفيسور كلاوس سيشوتيك من أن «أوروبا تحتاج أيضا إلى تطوير بنية التعاون بين مؤسساتها العلاجية وبين الشركات المصنعة للمستحضرات الطبية لكي تتمكن من مواصلة تطوير والتحكم في هذه التقنية العلاجية وآثارها الجانبية».
في الولايات المتحدة تنتظر شركة نوفارتس للمستحضرات الدوائية، إقرار العلاج بواسطة الخلايا التائية للبروتين ذو التركيبة العنقودية القاعدية (سي دي 19) المتوافر في الخلايا الليمفاوية البيضاء، من أجل علاج مرض ابيضاض الدم الليمفاوي الحاد (نوع من سرطان الدم)؛ ليكون بذلك أول ترخيص لعلاج سرطان الدم بواسطة تعديل الخلايا الوراثية.
هناك أيضا قائمة طويلة من الطلبات التي لا تزال تنتظر، حيث ترغب شركة كايت فارما في الترويج تجاريا لعلاج بنفس التقنية لأنواع أخرى من الأورام اللمفاوية غير الهودجكيِنية (التي توجد عقدها تحت الإبط أو في العنق أو الثدي)، وهناك طلبات لتطبيق نفس التقنية أيضا على أنواع من سرطان النخاع المتعددة، بالإضافة إلى أنواع من سرطان الدم.
ويعتبر الوضع مماثلا في أوروبا. فقد تلقت الوكالة الأوروبية للدواء (EMA) ثلاثة طلبات، ومن المرتقب أن تعطي اللجنة الأوروبية المعنية الضوء الأخضر، خلال العام الجاري، للتصريح بالعلاج بواسطة الخلايا التائية، على أن تعطى الأولوية للمرضى في حالات متأخرة وميؤوس منها، وليس لديهم أية خيارات أخرى. بالرغم من أن الباحثين يعتقدون أن تطبيق العلاج في المراحل المبكرة من شأنه زيادة نسبة النجاح.
في دول مثل ألمانيا قد تصل تكلفة علاج الحالة الواحدة مئات الآلاف من اليوروهات، ولكن قد تفيد التقنية في إنقاذ بضعة آلاف من الحالات الحرجة في أوروبا سنويا. «قد تكون التكلفة مرتفعة للغاية، ولكن تقنية علاج كهذه تعد أكثر من كافية لعدة سنوات»، يوضح البروفيسور كلاوس سيشوتيك.تجري حاليا محاولات لتطبيق هذه التقنية بنجاح على أورام الغدد الصماء. «الخلايا التائية تمثل أملا كبيرا»، وتؤكد الباحثة جيسيكا هارتمان بالمعهد الألماني، مع اعترافها بأن سرطانات الغدد الصماء أكثر صعوبة في حال الاعتماد على استراتيجية مهاجمة خلايا مضادة لسرطان للخلايا المصابة، حيث يتعين في البداية الوصول إلى الورم، ثم بعد ذلك الكمون في حالة استنفار عدائي تحسبا لتضاعفها. تجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الراهن تجري تجارب معملية باستخدام أكثر من 20 منتجا من الخلايا التائية.