حتى لا نقع في فخ الانتحار الذاتي!!

د.عبد الحميد الموافي –

إن مسؤولية ضخمة بل وتاريخية تقع على عاتق القيادات العربية، والمقصود هنا هي القيادات الوطنية العربية القادرة على إدراك مسؤولياتها في الحفاظ على مقدرات ووحدة وتماسك الدولة الوطنية العربية، وليس منها بالتأكيد القيادات الميليشياوية، أو قيادات المعارضة التي تسكعت على أبواب القوى المعادية، بما فيها إسرائيل، ولا القيادات الإرهابية، ولا المتطرفة النافية للآخر.
على الرغم من أن مصر وعمان هما أقدم الدول في المنطقة إلى جانب التجمعات الحضرية في اليمن والعراق – بلاد ما بين النهرين – وهو ما تظهره خرائط العالم القديم، فإنه يمكن القول إن المنطقة العربية بوجه عام تأثرت كغيرها من مناطق العالم بفكر عصر النهضة الأوروبية – الممتد من القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر – وما صاحبه من ظهور وتبلور الدولة القومية، أو الدولة الأمة، في أوروبا، وهي التي قامت عبر الكثير من الحروب والدماء والتضحيات، وهي التي يحرص الأوروبيون، بوجه عام، علي التمسك بها حتى الآن، ومن المعروف أن دعوات الاستقلال عن الدولة العثمانية ظهرت في مصر مع تولي محمد علي الحكم فيها عام 1805، ثم في الشام إثر ظهور جمعية «تركيا الفتاة» في تركيا في أواخر القرن التاسع عشر، وحاولت الدول العربية الاستفادة من الحرب العالمية الأولى وما صاحبها من إنهاء للدولة العثمانية، ثم قيام بريطانيا وفرنسا باقتسام السيطرة على الدول العربية، في إطار اتفاقية سايكس بيكو التي مضى عليها مائة عام، وفي إطارها تبلورت الخريطة العربية الراهنة، مع بعض التعديلات، وبالنسبة للأردن والعراق ومنطقة الخليج قبيل وخلال إعلان استقلال دولها، وما صاحب ذلك من رغبة وحرص أيضا على تأكيد استقلالية الدولة العربية وكل مظاهر سيادتها المعروفة، في ظل مرحلة التحرير الوطني العربية منذ منتصف القرن الماضي.
وباستثناء بعض مشكلات الحدود بين بعض الدول العربية التي تركها الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي للدول العربية قبل رحيله فإن الدولة الوطنية العربية تبلورت وترسخت بدرجة غير قليلة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بما في ذلك هزيمة محاولات العراق ابتلاع الكويت عامي 1961 و1990، كما تم حل كثير من مشكلات الحدود بين الأشقاء، وكانت عمان نموذجا في هذا المجال، وما بقي من مشكلات حدودية، يدرك الجميع أن حلها هو فقط بالطرق السلمية، وبالتفاوض والحوار والتوافق لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة لتحقيق التنمية والازدهار لكل الشعوب الشقيقة، غير أن هذه الحالة انقلبت رأسا على عقب، وعلى نحو مخيف مع انطلاق ما اصطلح على تسميته «الربيع العربي»، وظهر فيما بعد أنه «الحريق العربي» دون مبالغة، والآن، وبعد ما يقرب من سبع سنوات على أحداث أواخر 2010 في تونس، وعام 2011 في مصر وسوريا وليبيا واليمن، ومع الوضع في الاعتبار ما مر به العراق الشقيق من تطورات، منذ ما قبل 2003 وما بعدها أيضا، وما حدث في الصومال منذ عام 1990 أيضا فإن المنطقة العربية تخضع أو بمعنى أدق تتعرض لأكثر محاولات التمزيق جموحا وجرأة وتوحشا، وذلك عبر محاولات ممنهجة ومعدة سلفا لهز استقرار الدولة الوطنية العربية، وإغراقها في اضطرابات داخلية، وإطلاق كل مشاعر الأنانية والطموح الوهمي والأحقاد الدفينة، عرقية وطائفية ومذهبية، وإثارة الشكوك بين مكونات المجتمع الواحد، مع الحرص على توظيف الحقب والخبرات السيئة من التاريخ، والقفز على أية إيجابيات حققتها الدولة الوطنية العربية خلال نصف قرن الماضي، فقط من أجل تمزيق نسيجها والتشكيك في جدوى استمرارها، ومحاولة العبث بمكوناتها وبوحدتها، دولة ومجتمعا وأرضا أيضا. والنتيجة هي ما نعيشه، وما تعانيه مجتمعاتنا العربية في أكثر من دولة عربية، وهو ما يتضح حينا، ويبقى مستترا تحت السطح في أحيان كثيرة؛ انتظارا لفرصة تفجيره بشكل أو بآخر، ومع كل ما يسببه ذلك من حزن وألم وقلق بالنسبة لحاضر ومستقبل دولنا العربية، وخاصة ما يتصل بقدرتها على صون مصالحها والدفاع عنها في مواجهة أطماع إقليمية ودولية، لم يعد يحرص أصحابها على إخفائها، كما كانوا من قبل، فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
* أولا : إنه بالرغم من أن المنطقة العربية لم تشكل مصدر خطر حقيقي، أو كبير، على أوروبا أو على الأطراف الإقليمية المجاورة لها – تركيا وإيران وإثيوبيا وإسرائيل بالطبع – إلا أنها كانت، ولا تزال منطقة صراع بين تلك الأطراف جميعها، رغبة وأملا ومحاولة للحصول على أكبر قدر من مواردها، وأرضها إن أمكن، ومحاولة السيطرة أو مد النفوذ إلى دوائر الحكم والتأثير فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ من أجل العمل على توجيه قراراتها وخياراتها ومواقفها حيال التطورات المختلفة، ومن المؤسف أن أحداث «الربيع العربي» او«الحريق العربي»، وما أدت إليه من صراعات ومواجهات مسلحة في أكثر من دولة عربية، مع شغل مصر ومحاولة إغراقها في شؤونها الداخلية، بكل السبل الممكنة، فتح الباب واسعا أمام القوى الإقليمية والدولية للعمل والإفصاح، بل والحديث العلني عن أطماعها، أو مصالحها واهتماماتها وتطلعاتها، مستغلة ومسخرة كل ما تتعرض له الدول العربية – الذي تسهم هي فيه أحيانا – لتحقيق مصالحها هي أولا بشكل حقيقي، بغض النظر عن الشكل الخارجي، أو الغطاء الذي يستخدم لتغطية ذلك وإخفاء ملامحه الحقيقية.
ومن أجل تهيئة المناخ، ومحاولة إيجاد قوى سياسية أو أيديولوجية، وشرائح اجتماعية أو إثنية أو طائفية، داخل الدول العربية، تؤيد توجهات تلك الأطراف الإقليمية والدولية بشكل أو بآخر، أو بمعنى أدق لتكون حصان طروادة لتنفيذ مخططاتها وتحقيق أطماعها، فإنه من المؤكد أنه لم يكن مصادفة أبدا أن يتم إغراق المنطقة العربية، وبشكل مدروس كذلك، وعلى مدى السنوات الأخيرة، في طوفان من مقترحات وخرائط التقسيم للدول العربية، الصادرة عن مراكز أبحاث غربية معروف توجهاتها وارتباطاتها الصهيونية، فضلا عن كثير من التصريحات لمسؤولين غربيين كبار، حول أن الأوضاع في دول الربيع أو الحريق العربي لن تعود إلى ما كانت عليه قبل عام 2011، مع العمل على تشجيع وتعميق الخلافات المذهبية والتوجهات الانفصالية، واستغلال مفاهيم حقوق الإنسان، بل وحق تقرير المصير أسوأ استغلال، وبشكل يؤدي فقط إلى الدفع نحو تفتيت الدول العربية والتمهيد لتقسيمها.
والأكثر من ذلك أنه تم استثمار الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو، لطرح العديد من الأفكار والرؤى للتشكيك في تلك الاتفاقية وتقديمها على أنها اتفاقية استعمارية سيئة السمعة، والتبشير بالبديل، وهو إعادة تقسيم المنطقة مرة أخرى، على أسس طائفية وعرقية، ولخدمة مصالح، ليس فقط إسرائيل، ولكن مختلف القوى الدولية والإقليمية المحيطة بالمنطقة، لتقف كل منها ممسكة بسكينها لتقطع من الذبيحة العربية التي وقعت نتيجة للاستنزاف الطويل والمتعمد الذي وضعت فيه. أما خرائط ودراسات ومقترحات خبراء التقسيم، الأوروبية والأمريكية وغيرها بالطبع، فهي مجرد أدوات للتهيئة لما يراد الوصول إليه!!.
* ثانيا: إنه من المؤكد أن المشكلة ليست في مخططات ومقترحات التقسيم، التي يتم إغراقنا بها ليل نهار على مدى السنوات الأخيرة، ولكن المشكلة الحقيقية هي في الواقع فينا نحن!! نعم في نخبنا العربية، التي تنساق، بل وتتماهى أحيانا، مع تلك المقترحات، بل وتقدمها للقراء والمشاهدين والمستمعين، وعبر المؤتمرات والندوات، على أنها مقترحات لها ظل من المصداقية، أو على أنها نبوءات تحقق نفسها، أو أنها بمثابة المآل الذي لا مناص منه بالنسبة لنا، وهذه في الواقع جريمة كبيرة من جانب هؤلاء الذين ينظر اليهم في العادة على أنهم عقل وبوصلة المجتمع في التعامل الصحيح مع مختلف التطورات، وأنهم من ينيرون الطريق، وينبهون لعثراته وللمخاطر وربما الألغام التي ينثرها البعض عليه. من المؤكد أننا نثق في وطنية نخبنا ومثقفينا الوطنيين، ولكن من المهم والضروري التحذير من هؤلاء الذين يجعلون من انفسهم أدوات لتحقيق أطماع القوى الخارجية، دولية أو إقليمية، تحت أي مبرر، وحذار أيضا من بيع الأوطان، أو الفرح بمكاسب تقسيمها؛ لأنها مكاسب سريعا ما تتبخر، وتترك الجميع يلعق جراحه، ويندم على تفريطه في وحدة الدولة والوطن، حيث لا ينفع الندم، ولعل ما حدث ويحدث، في البلقان وفي جنوب السودان ومن قبل في الصومال، يدفع البعض إلى إعادة التفكير، والتوقف عن العمل وعن الدعوة لهدم الدولة الوطنية العربية، مهما كانت المبررات أو بريق المكاسب الآنية السريعة.
ومع إدراك أن هناك أصواتا غير قليلة تميل، أو تدعو بشكل مباشر أو غير مباشر للتماهي مع خرائط التقسيم المعلنة وغير المعلنة فإنه لم يعد هناك مناص، ولا مفر من مواجهة دعواتهم الهدامة، بكل السبل الممكنة؛ لأنها ببساطة ضد المصالح الوطنية للدولة العربية، سواء في سوريا أو غيرها من الدول الشقيقة، وعلى النخب العربية الوطنية القيام بدورها في هذا المجال، سريعا ودون إبطاء، والعمل على تجاوز محاولات التشكيك المتبادل، وإيقاظ الأحقاد الطائفية أو المذهبية أو الإثنية في مجتمعاتنا التي استطاعت الترفع عليها وتجاوزها، بشكل كبير خلال العقود الماضية.
* ثالثا: إنه إذا كان الدور التنويري والمسؤولية الوطنية للنخب العربية تتطلب درجة عالية من الكفاحية في العمل من أجل صيانة وحدة مجتمعاتنا ودولنا العربية، باعتبارها السبيل الحقيقي للنهوض بها وبناء حياة أفضل لشعوبنا، برغم كل ما حدث، فإن مسؤولية ضخمة، بل وتاريخية تقع على عاتق القيادات العربية، والمقصود هنا هو القيادات الوطنية العربية القادرة على إدراك مسؤولياتها في الحفاظ على مقدرات ووحدة وتماسك الدولة الوطنية العربية، وليس منها بالتأكيد القيادات الميليشياوية، أو قيادات المعارضة التي تسكعت على أبواب القوى المعادية، بما فيها إسرائيل، ولا القيادات الإرهابية، ولا المتطرفة النافية للآخر، ولا القيادات الراغبة في العودة قرونا إلى الوراء أو المتمسحة في عباءة الدين أو الرافعة لشعار الديمقراطية التي تستعمل لمرة واحدة، توصلها هي إلى الحكم، فكل تلك القيادات ذات الدوافع والأهداف المحددة والمفضوحة، ليست فقط غير قادرة على القيام بمهمة الحفاظ على وحدة وتماسك الدولة الوطنية العربية، واستعادتها بشكل كبير، ولكنها هي نفسها كانت ولا تزال جزءا من المشكلة العربية الراهنة، بفعل ما قامت به، وما ارتكبته من جرائم في حق الأوطان والشعوب خلال السنوات الأخيرة.
وإذا كانت الظروف العربية الراهنة وأنهار الدماء التي سالت، وملايين اللاجئين والمهاجرين، وحجم الخراب والتدمير الذي حدث في العديد من المدن والحواضر العربية، وتكاثر التنظيمات الإرهابية كالفطر، تلقي عبئا ومسؤولية كبيرة على الجيوش الوطنية وعلى قوى الأمن في الدول العربية للقيام بدورها في الحيلولة دون انهيار مؤسسات الدولة الوطنية، بغض النظر عن كل ما يمكن أن يقال، فإن القيادات العربية يقع على عاتقها مسؤولية تهيئة المجتمعات العربية للعيش والتعامل، مع الحكومات ومع بعضها البعض، على أسس ومبادئ العدالة والمواطنة والمساواة وحكم القانون، ودون تفرقة من أي نوع بين فئات أو مكونات المجتمع الواحد، فالكل أمام القانون سواء، ولا امتيازات خاصة بسبب العرق أو المذهب أو الطائفة، والكل يقع عليه مسؤولية وواجب الدفاع عن الوطن وحمايته ضد أية أخطار، وهذه تنمو وتترعرع في الواقع عندما تنمو وتتعمق الثقة بين الحكومات والقيادات وبين المواطنين على اختلاف توجهاتهم.
وفي هذا المجال فإن النموذج الذي بناه جلالة السلطان المعظم للوحدة الوطنية على هذه الأرض الطيبة يظل نموذجا طيبا ومفيدا على الصعيدين الوطني والعربي الواسع، بدون مجاملة أو مزايدة، فالجميع يشعر بذلك على نحو سهل ومباشر، إلا إذا كان في نفسه غرض!