زيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

المجتمعون في المؤتمر الأخير الذي نظمته مجموعة نماء على مدار خمسة أيام أبدوا أهمية كبيرة لمستقبل الطاقة النظيفة واستخدامها في كل المجالات، الأمر الذي يتطلب الاستفادة من تطور التكنولوجيا الحديثة في تلك المجالات، وضرورة رفع كفاءة العمل فيها مع تقديم خدمات عالية الجودة للمشتركين في مجالات الكهرباء والمياه والاستثمار في قطاع الموارد البشرية ليتمكن هؤلاء من تشغيل مشاريع الطاقة المتجددة بكل كفاءة.
وكما هو معروف فإن العالم في يوم الـ 22 من شهر اكتوبر من كل عام يحتفل بيوم الطاقة خاصة الدول التي وقعت على وثيقة إعلان هذا اليوم الذي يسلّط من خلاله الضوء على أهمية مصادر الطاقة التي تدخل في عملية التنمية. فهذه المناسبة تهدف إلى دعم السياسات والحلول الرامية لرفع كفاءة توليد واستخدام تلك الطاقات في مختلف الحقول التي تحتاج إلى تنميتها، ولا يمكن تحقيق هذا الأمر إلا من خلال الجهود الوطنية المشتركة أوالثنائية بين الدول، أو من خلال التعاون الدولي. والكثير من الدول والحكومات في العالم تعتمد اليوم على تأسيس مشاريع الطاقة المتجددة، ومنها السلطنة، بجانب ما تمتلكها من المشاريع النفطية و الغاز. فقد أصبح الكل يتجه اليوم نحو مصادر الطاقة الجديدة الناجمة من استغلال الطاقة الشمسية أو الرياح، والتركيز عليها باعتبارها أصبحت هدفا لا غنى عنها في التنمية المستدامة.
فمثل هذه المشاريع يمكن لها الحدّ من آثار تغير المناخ بما يعود بالمنفعة على كافة شعوب العالم، ولها نتائج إيجابية هامة للاجيال المقبلة، تتمثل في خفض التلوث، والاسهام في الترويج لحلول الطاقة المستدامة، والحدّ من آثار تغير المناخ، وتتحقق عنها نتائج إيجابية على البئية التي يعيش عليها الناس والحيوان. ومن هذا المنطلق فان اعتماد العالم على منتجات الطاقة المتجددة والنظيفة سوف يتزايد عاما بعد عام، فيما بدأ العديد من دول العالم ومنها السلطنة وبقية دول المنطقة في اتخاذ خطوات ايجابية للاستفادة من منتجات الطاقة النظيفة والمتجددة، لتعزيز بنيتها التحتية. والدراسات التي تم اعدادها في هذا الجانب تؤكد أهمية وضرورة الاهتمام بهذا الأنواع من الطاقة باعتبارها مجالا واعدا وقادرا على الإسهام بشكل متزايد في توفير مصادر الطاقة النظيفة، وتكون مصدرا هاما في تجديد الموارد الطبيعية التي تتمتع بها الدول، بجانب أنها ستعمل على توفير مزيد من فرص العمل للشباب في مختلف الحقول، وتساهم في التنويع الاقتصادي.
فمع زيادة استهلاك الطاقة من قبل أفراد المجتمعات، لا بد من اتخاذ خطوات ايجابية للاستفادة من مكنونات الطاقة المتجددة، واستغلال الموقع الجغرافي والتضاريس المتنوعة في تأسيس المزيد من مشاريع الطاقة النظيفة وهي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي يمكن لهما المساهمة في توسيع البنية التحتية في الدول، بجانب تجديد الموارد الطبيعية التي تتمتع بها، الأمر الذي يعطي للأجيال المقبلة فرصة أكبر لاستثمار طاقاتهم في الاعتماد على هذا النوع من الطاقة، وتنمية المشاريع. كما أن الدراسات التي تم إعدادها في المنطقة تؤكد أنها تستطيع استثمار إمكانياتها الواسعة في مجال الطاقة المتجددة لزيادة إنتاجية المشاريع النفطية والغاز والصناعة والكهرباء والمياه، بجانب تنمية المشاريع الأخرى، ورفع مستوى الخدمات وتوصيلها لمختلف المناطق النائية التي ما زالت تعاني من قلة الخدمات الاساسية بحكم المساحات الجغرافية الواسعة للمنطقة.
وقد تمت مناقشة معظم تلك القضايا في المؤتمر الأخير لمجموعة نماء القابضة، خاصة ما يتعلق بتكلفة استخدام الطاقة الكهربائية، ومساءلة البعض عن استمرار الحكومة في تقديم الدعم لهذه المشاريع، وعمّا إذا كانت ستقوم برفع الدعم عن هذه القطاعات في ضوء تراجع أسعار النفط منذ منتصف عام 2014. رئيس مجلس إدارة هذه المجموعة اشار إلى أن رفع دعم الكهرباء بالنسبة لصغار المستهلكين ليس واردًا ضمن سياسات الحكومة، ولا توجد أية نية للقيام بذلك في الوقت الحالي، موضحا أن رفع الدعم عن الكهرباء هو قرار تتخذه الحكومة، وأن دور مجموعة نماء التابعة للحكومة هو تنفيذ السياسات الواردة في هذا الشأن، مؤكدا أنه لا توجد حاليًا أي خطة في هذا الاتجاه.
وهناك العديد من القطاعات التي تدعمها الحكومة سنويا، وتخصص لها مبالغ كبيرة لدعم تلك القطاعات الرئيسية لتوفير متطلبات الحياة الأساسية لمواطنيها. ففي موازنة العام الحالي بلغت مخصصات الدعم 395 مليون ريال عماني، ويشمل إلى جانب الكهرباء غاز الطبخ والقروض الإسكانية والتنموية والدعم التشغيلي للشركات الحكومية. وقد أشار حسن بن محمد اللواتي رئيس مجلس إدارة الشركة إلى أن أصول أموال مجموعة نماء القابضة التي تعمل تحت مظلتها شركات الكهرباء الحكومية تصل إلى 3.5 مليار ريال عماني، وأن المجموعة تسعى إلى المزيد من الاستثمارات التي تسهم في تطوير قطاع الكهرباء في السلطنة ومواكبة متطلبات التنمية الحديثة.
ونظرا للتطورات التي شهدها قطاع النفط العالمي وتراجع أسعار النفط العالمية، فقد رفعت الحكومة في مطلع العام الحالي تعرفة الكهرباء بالنسبة لكبار المستهلكين في الحكومة والقطاعين التجاري والصناعي في حال تجاوز استخدام تلك القطاعات عن 150 ميجاواط سنويًا، أي 150 ألف كيلوواط. وهو ما يعود بالفائدة على ميزانية الحكومة في ظل خطة تخفيض الإنفاق جراء تراجع أسعار النفط. إلى جانب تعزيز ثقافة التقليل من استهلاك الكهرباء التي تشكل ضغطًا عاليا على محولات شبكات الكهرباء.
الدراسات التي تمت في السلطنة عبر مركز البحث العلمي وجهات حكومية وخاصة تؤكد أن معدل كثافة الطاقة الشمسية في السلطنة على سبيل المثال يعتبر واحدا من أعلى المعدلات في العالم، ولذلك تسعى الحكومة وبالتعاون مع عدد من الهيئات والشركات والمكاتب الاستشارية إلى استخدام هذه الميزة كمصدر للطاقة المتجددة، الأمر الذي سوف يساعد أيضا على تكلفة استخدام الطاقة الكهربائية سواء للأفراد أو المؤسسات التجارية والصناعية وغيرها من المؤسسات الأخرى. فمع النمو السكاني في البلاد والطلب المستمر على الطاقة المتجددة، هناك اليوم ضرورة لتخصيص موارد مالية كافية لتأسيس المشاريع المجدية في مجال الطاقة النظيفة، خاصة وأن المؤشرات الوطنية تشير إلى أن عدد سكان السلطنة تجاوز اليوم عن 4.5 مليون نسمة مع وجود 45% من الوافدين الذين يتركز معظمهم في محافظة مسقط  بجانب المحافظات الأخرى. ومع زيادة استهلاك الطاقة، فان ذلك يعطي للأجيال المقبلة فرصة أكبر لاستثمار طاقاتهم في الاعتماد على النوع الجديد من الطاقة المتجددة، وتنمية المشاريع التي يمكن من خلالها توفير مزيد من فرص العمل للشباب العماني في مختلف المحافظات العمانية. فزيادة استهلاك الطاقة سوف يمثل تحديا كبيرا للاقتصاد العماني في المستقبل إذا لم يتم توفير مصادر كافية لتلبية طلب المؤسسات والشركات المزمع إنشاؤها في المناطق الصناعية والحرة التي تبنيها السلطنة في مختلف المحافظات العمانية. فالحكومة من جانبها وبالتعاون مع عدد من الهيئات والشركات والمكاتب الاستشارية تعمل على استخدام هذه الميزة لإنتاج الطاقة المتجددة، واستغلالها في المجالات الأخرى في المشاريع التي يتم التخطيط لها مستقبلا. وقد نجحت تلك المساعي مؤخرا حيث تم التوقيع على إنشاء عدة مشروعات في إنتاج الكهرباء، والطاقة الشمسية، وتعزيز الإنتاج النفطي والغازي في البلاد. وقد أصدرت هيئة تنظيم الكهرباء رخصا لبعض الشركات في توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية باستخدام الخلايا الشمسية (الكهروضوئية)، حيث يعد ذلك خطوة هامة في سبيل تشجيع ونشر استخدام مصادر الطاقة المتجددة في السلطنة مستقبلا، وتفتح المجال للشركات المنافسة للدخول في هذا المجال لاستخدام التقنيات الحديثة في هذه المجالات المثمرة.