الأزمات الإنسانية.. تدفع الأمم المتحدة للإصلاح مجددا

د. عبد العاطى محمد –

عاد ملف إصلاح الأمم المتحدة إلى دائرة الضوء مجددا، ولكن هذه المرة وبشكل محدد، على خلفية الأزمات الإنسانية المتفاقمة التي باتت تؤلم الضمير العالمي. ويعود الفضل في ذلك إلى الأمين العام الجديد أنطونيو جوتريس المعروف بخبرته الطويلة والعميقة بشؤون اللاجئين، والذي علا صوته أكثر من مرة داعيا إلى ضرورة إحداث تغيير في منظومة المنظمة الدولية لإصلاحها هيكليا، ولوقف المآسي الإنسانية التي باتت تهدد الأمن العالمي.
إصلاح الأمم المتحدة ليس قضية جديدة بكل حال، فما أكثر المحاولات التي جرت بشأنه من جانب أمناء عاميين سابقين، وكلها للأسف باءت بالفشل. وفي أحسن الأحوال حققت نجاحات جزئية للغاية في أداء الأمانة العامة وبقية المؤسسات التي تضمها المنظمة الدولية وليس جديدا أن هذا الملف كان دائما ما يتصدر برنامج كل أمين عام جديد يجرى انتخابه منذ ستينات القرن العشرين. ولكن أحدا من الدول الكبرى صاحبة حق الفيتو لم يرغب في تغيير القواعد العتيقة للعمل داخل المنظمة الدولية أو حتى تعاطف مع أي خطوات إصلاحية. ومن كان يجرؤ على فتح هذا الملف بجدية كان مصيره عدم التجديد والبحث عن آخر ينصاع لمصالح الدول الخمس الكبرى. وقد حدث ذلك صراحة مع بطرس بطرس غالي عندما طرح مشروعا لتجديد المنظمة وإلغاء حق الفيتو (1992). ومعلوم أيضا أن كوفي عنان الأمين العام الأسبق كان قد تقدم بحزمة مقترحات كجزء من خطة إصلاح واسعة النطاق لتطوير الهيكل التنظيمي والإداري للمنظمة، وفعل ذلك بناء على توصية من قادة العالم أثناء قمة الأمم المتحدة عام 2015، ووقتها قيل إنها فرصة لن تتكرر لجعل المنظمة قادرة وفعالة في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. ولكن شيئا مما اقترحه عنان وجد طريقه إلى النور كعادة من سبقوه!.
إلا أن انتخاب جوتيرس أمينا عاما جديدا أشاع قدرا من التفاؤل، ليس فقط لأنه جاء بموافقة صريحة من كل من القوتين النافذتين الولايات المتحدة وروسيا، ولكن بحكم خبرته السياسية الطويلة في بلاده البرتغال (تولى عدة مناصب وصولا إلى الأمين العام للحزب الاشتراكي، ثم رئيسا للوزراء)، وداخل الأمم المتحدة كرئيس للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 2005 ولمدة عشر سنوات كاملة. وعرف عنه أنه شخصية قوية إداريا وسياسيا ويعمل باستقلالية، ونجح خلال ترؤسه المفوضية في إجراء إصلاحات إدارية تخلص فيها ممن لا عمل لهم وزاد من أعداد العاملين في مناطق الصراعات والأزمات الإنسانية بالفعل، كما زاد من أعداد قوات حفظ السلام في أكثر من منطقة ساخنة للحد من الكوارث الدموية الإنسانية وتعزيز الأمن العالمي، كما عرف عنه حماسته للدفاع عن أوضاع اللاجئين وإنهاء حالات انعدام الجنسية قبل عام 2024. وفي المنطقة مشهود له ولفريقه اهتمامه الشديد بمأساة اللاجئين السوريين، وكذلك الكوارث الإنسانية التي حلت بالعراق واليمن، فضلا عما يجري من أحداث مشابهة في مناطق أخرى في أفريقيا وآسيا. وقد وصفه سلفه بان كي مون بأنه الرجل المناسب حقا للمنصب الرفيع لأنه عمل في الصفوف الأولى للنزاعات الدولية.
وسط هذه التقديرات لإمكانيات جوتيرس تولد عنه الانطباع بأنه شخصية إدارية وسياسية يمكن أن تتخذ قرارات مهمة لإصلاح المنظمة الدولية التي ساء وضعها بشكل غير مسبوق في السنوات القليلة الأخيرة حتى أصبح الفشل هو العنوان الأبرز لأدائها. ومع أن اختياره جاء ضمن هذه الظروف الصعبة التي تمر بها الأمم المتحدة مما كان يعني أنه لن يستطيع فعل شيء من الإصلاح في هيئة عالمية بهذا الحجم (193دولة) وصلت إلى ما يشبه الإفلاس السياسي، إلا أن نفس هذه الوضعية كانت من المبررات الأساسية لانتخابه حيث الحاجة ماسة لشخصية مثله تنقذ المنظمة من الانهيار وخصوصا أن سيرته الذاتية كانت تعمل في هذا الاتجاه.
ومنذ توليه المسؤولية كثف من لقاءاته مع زعماء العالم للبحث عن توافق دولي حول بعض الخطوات الإصلاحية التي يجب اتخاذها دون تردد أو انتظار بهدف استعادة سيادة الأمم المتحدة في الأمن العالمي باعتباره من أبرز المهام المنوطة لها وفقا لميثاقها المبرم 1945. ولكنه وجد في الأزمات الإنسانية التي تفجرت في أغلب أركان المعمورة نتيجة الخلافات السياسية وأعمال الإرهاب مدخلا لإقناع الدول الكبرى بأن شيئا من الإصلاح الهيكلي للمنظمة الدولية أصبح ملحا ولا يجب إعادة تكرار الخلافات بشأنه، وخصوصا بالنسبة للآليات والمؤسسات المعنية بشؤون اللاجئين وهو صاحب خبرة طويلة وناجحة فيها.
هكذا تقرر أن تكون اجتماعات الجمعية العامة (سبتمبر 2017) مناسبة لإعادة فتح ملف إصلاح الأمم المتحدة، وذلك من خلال مشروع إعلان سياسي صاغته الولايات المتحدة يضم عشر نقاط هدفه تدعيم جهود جوتيرس في إجراء تغييرات ملموسة في نظام الأمم المتحدة من أجل تحسين نشاطها بخصوص الاستجابة للعمليات الإنسانية والتنمية ومساندة مبادرات السلام، وأن تلتزم الدول التي ستوقع على الإعلان بتقليص الازدواجية والتكرار والتداخل في التفويض بما في ذلك بين الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة. وبالتوازي مع ذلك تعتزم إثيوبيا التي تترأس مجلس الأمن عقد اجتماع عال لمجلس الأمن بشأن إصلاح عمليات حفظ السلام.
وبرغم كل هذا التفاؤل الذي أحاط ويحيط أكثر حاليا بجوتيرس وإمكانية أن تعود الحياة مجددا من الناحية السياسية إلى المنظمة الدولية، إلا أن رهان النجاح يكاد ينحصر في القدرات الشخصية للرجل وحده استنادا إلى خبراته السياسية والإدارية داخل بلده وفي الأمم المتحدة، بينما لا توجد مؤشرات على أن الدول الكبرى ستعي دروس الماضي وتلتف حوله لتحقيق أهدافه في الإصلاح. فالإعلان المشار إليه بوصفه بداية تحرك جاد للإصلاح تم التفكير فيه كما هو واضح بين جوتيرس ودونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة.
ومن الطبيعي أن يبحث جوتيرس عن الدعم الأمريكي أولا ليس فقط لأن الولايات المتحدة لها ما لها من نفوذ وتأثير في توجيه المسار العالمي، وإنما لأنها تتكفل بنسبة كبيرة في نفقات الأمم المتحدة مقارنة بغيرها (22% في الميزانية الأساسية أو 5.4 مليار دولار، و28% في ميزانية عمليات حفظ السلام). ولكن ترامب الذي تحمس للإعلان ويريد أن يقدم نفسه به للعالم في أول مشاركة له في اجتماعات الجمعية العامة، هو نفسه الذي سخر من المنظمة الدولية من قبل وقال عنها إنها لا تعدو أن تكون ناديا يلتقى فيه الجميع لتبادل الكلمات الطيبة. ولنا أن نتذكر الحملة التي شنها على المنظمة خلال الانتخابات الرئاسية إلى حد رغبته في الخلاص منها لأنها تكلف بلاده أموالا بلا فائدة لها. هذا فضلا عن أن ترامب دخل في خلافات عديدة ليس فقط مع روسيا بل مع أقرب حلفائه الغربيين، بما يثير الشكوك حول إمكانية أن يشكل الإعلان المذكور علامة على تحقيق إصلاح فشل فيه كل الأمناء العامين السابقين.
ومن جهة أخرى فإن منصب الأمين العام للأمم المتحدة يبدو سياسيا من حيث الواقع باعتباره الشخص الذي يمثل العالم. ولكن في الحقيقة وبحكم الميثاق نفسه هو أعلى قيادة إدارية في المنظمة الدولية (المادة 77) أو موظف إداري كبير.
من نفس المنطلق السابق ودون الإغراق في التفاؤل بما يمكن أن يخرج عن مناقشات الجمعية العامة في دورتها لهذا العام، فإن أقصى ما يتمناه جوتيرس هو تحقيق إصلاح إداري داخل الأمانة العامة التي هي أحد فروع هيئة الأمم المتحدة الرئيسية بجانب الجمعية العامة ومجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوصاية ومحكمة العدل الدولية (المادة 7)، وذلك بإعادة هيكلة الوظائف لخفض النفقات أو ترشيدها وتحديث التقنيات ووضع نظام جديد للمعلومات، والأهم بالنسبة له توجيه الأمانة العامة للتركيز على حل الأزمات الإنسانية مستفيدا من خبراته الإدارية في هذا المجال. إلا أن هذا بدوره يصطدم بضرورة الحصول على موافقة الدول الأعضاء حيث لا يستطيع هيكلة الوظائف وضبط الميزانية إلا بموافقة هذه الدول!. والمعنى هنا أن الإصلاح لن يقترب من وضعية الهيئات الأخرى التي هي تتخذ السياسات وتنفذها على أرض الواقع.
وعليه فإنه مهما تكن قدرات جوتيرس الإدارية وحنكته السياسية ونياته الطيبة، فإن أية بوادر للإصلاح حتى لو اقتصرت على الأمانة العامة لن يكتب لها النجاح إلا بوقوف دول العالم بحزم على مبدأ واحد والعمل المشترك لمواجهة التهديدات. وربما ما جاء في الإعلان المشار إليه بخصوص التأكيد على الالتزام بتقليص الازدواجية والتكرار والتداخل في التفويض لمس هذه المشكلة بوضوح، ولن يتحقق الالتزام في أجواء الانقسام القائمة الآن في العلاقات الدولية. هي نيات صادقة حقا واستعداد للإصلاح، ولكن على الدول الكبرى أن تنهي خلافاتها أولا.