لمـاذا تـأخر نتـانيـاهو في إدانـة اللاسـاميـة في شـارلوتسـفيـل ؟

جيرشوم جورِنبيرج –
ترجمة: قاسم مكي –
واشنطن بوست –
في الدراما التي شهدتها بلدة شارلوتسفيل مؤخرا لم يكن لبنيامين نتانياهو سوى دور مساند صغير في المسرح. ولكن الطريقة التي لعب بها ذلك الدور كانت مثيرة في جرأتها. فعلى مدى 3 أيام لم يكن لدى رئيس وزراء اسرائيل شيئا يقوله عن أولئك الذين كانوا ينظمون مسيرة ويحملون أعلاما نازية في مدينة أمريكية أو عن الهجوم الإرهابي الذي نُفِّذَ بواسطة سيارة قيل أن من يقودها معجب بهتلر. وحتى كتابة هذه السطور، لم يقل كلمة واحدة عن المؤتمر الصحفي الذي ساوى فيه ترامب بين الجانبين (في المسؤولية الأخلاقية عن حادثة شارلوتسفيل) وقوبل حديثه باستهجان واسع. لقد اعتدنا نحن الإسرائيليين على ردود نتانياهو الفورية على الإرهاب والحوادث التي يفهم منها أنها تنطوي على معاداة السامية أو على التهديدات التي تذكره بمحرقة الهولوكوست. ولكن هذه المرة كان العداء للسامية مفضوحا والمتظاهرون في شارلوتسفيل يهتفون «اليهود لن يحلوا محلنا» ويرفعون أعلاما نازية. ولم يكن إدراك الرابط بين هذه الأعلام وبين الإبادة الجماعية لليهود (بواسطة النازية) يحتاج إلى مستوى تعليمي إسرائيلي يتعدى الصف الثالث الابتدائي . كذلك كان فهم طبيعة حادثة القتل التي وقعت في شارلوتسفيل سهلا. فالإسرائيليون معتادون على حوادث الموت بالسيارات المسرعة. رغما عن ذلك مضت ثلاثة أيام طويلة قبل أن يتمكن نتانياهو من كتابة تغريدة عبر فيها عن غضبه من «التعابير المعادية للسامية والنازية الجديدة والعرقية». كما جاء في تغريدته قوله: « على كل أحد معارضة هذه الكراهية». بل حتى الأسلوب المختصر الذي تتصف به تغريدات تويتر لا يشبه أسلوب نتانياهو الذي يفضل في العادة الفيسبوك. فهو يتيح مجالا للوضوح يجب الإقرار بأنه يستعصي على كبير مغرِّدي أمريكا (ترامب). إن تجاهل نتانياهو لرائحة معاداة السامية التي تعبق بها الأجواء حول ترامب ليس جديدا. ففي فبراير سافر إلى واشنطن لمقابلة الرئيس الجديد وأثناء مؤتمر صحفي هناك سئل عن تصريح ترامب في اليوم العالمي لذكرى المحرقة. ففي ذلك التصريح لم يرد ذكر لليهود مما يعني «محو» ضحايا المحرقة وأيديولوجيا العداء للسامية التي كانت وراء القتل الجماعي . رد نتانياهو بقوله: « هذا الرجل صديق عظيم للشعب اليهودي ولدولة اسرائيل». في ذلك الوقت كان يبدو لي أن موقف نتانياهو يَتَّبِع منطقا مشوَّها ومحددا فحواه أن المحرقة وإسرائيل لا ينفصلان وأن مَثَلهما مَثَل الظل والضوء في نفس الصورة وأن المهددات التي تواجهها اسرائيل هي مهددات بمحرقة جديدة وأن انتقاد اسرائيل أو سياسات نتانياهو المتشددة كزعيم لإسرائيل هو انتقاد معادٍ للسامية. ومن جهة أخرى، بحسب هذا المنطق، إذا أنت أيَّدْتَّ تلك السياسات فأنت صديق لليهود. لقد كان نتانياهو مخطئا في عجزه عن الفصل بين هذه المسائل، ولكنني كنت مستعدا للاعتقاد بأنه كان صادقا. غير أن ما يشبه الصمت الذي لاَذَ به بعد حادثة شارلوتسفيل أقنعني بأنني كنت مفرطا في ترفُّقِي به. دعونا نستغني عن بعض التفسيرات الممكنة (لموقف نتانياهو من حادثة شارلوتسفيل) مثل أنه كان يعتقد بوجوب ألا يحشر زعيم أجنبي نفسه في نزاع أمريكي داخلي. ولكن الإدانة السريعة من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عبر ناطق رسمي لما أسمته «العرقية المفضوحة ومعاداة السامية والكراهية في شكلها الأكثر شرا» في شارلوتسفيل ينسف ذلك العذر. أو ربما أن نتانياهو منخرط في الجدل الأمريكي الداخلي وأنه «جمهوريٌ من إسرائيل» مفرطٌ في محاباته للحزب الجمهوري (الأمريكي) إلى حد يمنعه من انتقاد ترامب على لومه «كلا الطرفين» في واقعة شارلوتسفيل. مرة أخرى هذا ليس صحيحا. فهو يمكنه (انتقاد ترامب) على هذه الجبهة أيضا بعد الإدانات التي وجهت للتكافؤ الأخلاقي الذي حكم به ترامب على الطرفين. وهي إدانات صدرت من أمثال جون مكين وميت رومني (الجمهوريين.) وإذا كان نتانياهو مهتما فقط بالسياسة الداخلية الإسرائيلية فسيكون لديه مبرر أقل للامتناع عن إدانة حادثة شارلوتسفيل. ذلك لأن وسائل الإعلام الإسرائيلية غطَّت الأعلام والعنف وتصريحات ترامب بافتتان مذعور. واتسمت الإدانات بالشدة كما هو متوقع من ساسة المعارضة في اليسار واليمين والوسط. ولكن أولى التصريحات جاءت من نفتالي بينيت زعيم حزب البيت اليهودي اليميني والذي قال إن « رفع الأعلام النازية» جرح مشاعر اليهود ولم يحترم شرف «الجنود الأمريكيين الذين ضحوا بحياتهم» في محاربة النازية. وطالب بالتحديد أن يدين «قادة الولايات المتحدة» العداء للسامية. وهكذا أخلى نتانياهو بتردده المجال لمنافسه الانتخابي الذي يقلقه أكثر من أي أحد آخر. إذن لماذا يفعل نتانياهو ذلك ؟ يبدو أنه يهتم أكثر بأن يظل مرضيا عنه من جانب رئيسٍ أمريكي ليست لديه معرفة بالشرق الأوسط ولم يبذل جهدا له معنى لكبح التصرفات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة ولكنه ينفجر (غضبا) من النقد ويضمر الضغائن. كما يفهم نتانياهو أيضا أن ثمة رابطة عاطفية وتشابها في الروح الغاضبة بين الرئيس والمتظاهرين حملة المشاعل. لذلك لم يقل رئيس الوزراء الإسرائيلي شيئا إلى أن اختار ترامب إدانة العرقيين والنازيين الجدد. حينها كتب نتانياهو تغريدة حَوَت كلمات موزونة قَصَدَ منها ألا تكون أكثر حدَّة (من كلمات ترامب) وحين تراجع ترامب، لاذ نتانياهو بالصمت. فالرجل الذي بنى بلاغيات لغته السياسية حول المحرقة مستعد للحديث في همس عن معاداة السامية والنازية الجديدة ومسامحة الرئيس الذي تسبب في اندلاع هذا من أجل تجنب تدخل واشنطن. نخرج من هذا بنتيجتين . فإذا كان لا يزال هناك يهود إسرائيليون يحاولون الفصل بين ترامب وهتافات شارلوتسفيل في أذهان الناس ينبغي (لفهم سبب ذلك) دراسة الآثار الضمنية لتصرف نتانياهو . فهو قد توصّل إلى أن توجيه النقد للمعادين للسامية سيزعج الرئيس الأمريكي . ثانيا، أن العداء للسامية حقيقي جدا ويمكننا أن نراه. ولكن في المرة القادمة حين يحاول نتانياهو الحديث عنه علينا أن نهزأ من حديثه كما يفعل هو نفسه.

• الكاتب جيرشوم جورِنبيرج مؤرخ وصحفي إسرائيلي مؤلف «إمبراطورية الصدفة: اسرائيل وميلاد المستوطنات 1967-1977» ومؤخرا جدا كتاب «تفكيك اسرائيل».