ألغاز الأمتار الأخيرة .. نحو خط النهاية في سوريا

محمد حسن داود –
,, إن اقتراب الحرب السورية من نهايتها مثلما ينبئ المشهد الحالي لا يعني بالضرورة نهاية المطاف أو استقرار المنطقة، فمن الضروري التفرقة بين الحرب والأزمة والصراع وتداعيات كل منها، وإذا كان الحديث يدور حاليا حول الأمتار الأخيرة للحرب، فقد جاءت مفعمة بالألغاز قبل الوصول لخط النهاية ,,

.. فجملة التطورات الميدانية والإقليمية والدولية التي وقعت في الشهور القليلة الماضية ترجح بالفعل فرضية قرب انتهاء الحرب وانحسار المعارك على الأرض في أضيق جيوب ممكنة، إلا أن تعقيدات الأزمة السورية ذاتها وطبيعة الصراع وتشعبه وتعدد القوى السياسية وجماعات المعارضة والتنظيمات المسلحة واختلاط أوراق القوى الإقليمية تؤكد أن الأمور تتطلب بعض الوقت في الغالب قبل إمكانية الحديث عن تسوية شاملة للأزمة السورية، ولعل ما يزيد من صدقية هذه التوقعات الطبيعة التاريخية والجيوبولتيكية للدولة السورية ذاتها والتي جعلت منها دوما رقما صعبا جدا لأي معادلة لإعادة ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط.
وربما يعيدنا المشهد الراهن إلى وقائع تاريخية قد تكون مماثلة لما يحدث في بلاد الرافدين على مدار السنوات الست الماضية، مع اختلاف التفاصيل والأهداف بالقطع، ولكن التماثل ينبع من هذا الصراع الإقليمي والدولي الرهيب على الدولة السورية ومحاولة تقرير مصير هذا البلد المهم من خلال تصارع إرادات أطراف خارجية ودولية بعيدا عن إرادة جموع الشعب السوري، والتي ظلت عصية على التطويع، والحديث هنا تحديدا عن النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي حيث جرت محاولة ضخمة خلال ذروة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي من خلال «حلف بغداد» و«مشروع ايزنهاور» وفي القلب منهما صراع عنيف على سوريا بعدما اتهمت بموالاة موسكو «الشيوعية» على حساب القوى الغربية.
وربما من المفيد عند استعادة وقائع تلك المرحلة استخلاص دروس سياسية مهمة على رأسها أن الوضعية الجغرافية للدولة السورية جعلت منها مطمعا وبؤرة للصراعات الدولية والإقليمية منذ مراحل زمنية بعيدة، وكذلك طبيعة العلاقات بين موسكو ودمشق حيث تتسم بتميز من نوع خاص يحقق لهما استفادة استراتيجية ودعما وإسنادا متبادلا منذ زمن بعيد، فضلا عن التربص الغربي الدائم بسوريا لتطويعها ضمن مشروعاته الأكبر في الشرق الأوسط، وأحدثها ذلك الذي يرتبط بأحداث «الربيع العربي» التي تفجرت مع مطلع العشرية الثانية من الألفية الجديدة، وفي نهاية المطاف ليس من السهل فرض إملاءات على الشعب السوري دون إرادته وضد رغباته وتطلعاته، وبكل تأكيد لم يكن من الممكن أن يتحقق له ذلك دون استفادته من طبيعة العلاقات الدولية والإقليمية القائمة.
ولا شك في أن الدولة السورية في إدارتها للصراع الراهن والمستعر بشراسة منذ ست سنوات وأكثر عرفت كيف توظف علاقاتها الدولية والإقليمية بما حقق لها التقدم في نهاية المطاف وضمن لها البقاء رغم الخسائر الجسيمة التي استنزفتها، وحتى إذا ما كان الحكم القاطع بأن أيا من النتائج الإيجابية التي تحققت للدولة السورية جاء نتيجة دعم مباشر وقوي متعدد الأشكال من روسيا وقوى إقليمية أخرى مثل إيران وحزب الله، إلا أن مجموعة من التحولات الدولية الطارئة، والإقليمية المثيرة للدهشة، إلى حد اعتبارها ألغازا غير مفهومة في سباق الأمتار الأخيرة نحو خط تسوية الأزمة السورية، لعبت كذلك دورا حاسما في تحسين وضعية النظام السوري بقيادة بشار الأسد ومنحته أفضلية في مفاوضات التسوية النهائية الجارية والمقبلة.
على رأس تلك التحولات كما هو واضح الموقف الدولي الجديد عموما تجاه الأسد بعدم الإصرار على رحيله، وقطع واشنطن شريان المساعدات بكل أشكالها عن فصائل المعارضة المسلحة، وإعلانها التركيز على محاربة الإرهاب، ممثلا بشكل أساسي في تنظيم داعش ومن والاه، فضلا عن إلقاء واشنطن بجزء كبير من أوراقها لصالح قوات سوريا الديمقراطية ذات العرقية الكردية، وتثبيت أوضاعها في الشمال تمهيدًا لإقامة فيدرالية سياسية على حد تأكيد تحليلات استراتيجية مبكرة، حتى لو كان ذلك على حساب التحالف مع تركيا، التي ترفض رفضا قاطعا مثل هذا التصرف، خاصة مع بروز مؤشرات دولة كردية في كردستان العراق، ما يزيد من مخاطر نقل معركة الدولة الكردية إلى الداخل التركي وهو ما يرفضه أردوغان وأركان حكومته رفضا مطلقا.
وإزاء هذا التطور المثير والذي يعد أحد الألغاز البارزة في الأمتار الأخيرة، لم يجد الرئيس التركي بدًا من إبرام صفقة مع قوة إقليمية أخرى معنية بالصراع وتداعياته وهي إيران حيث تم اتفاقهما بالفعل على العمل معا بشتى السبل لمواجهة كل محاولات إقامة كيانات كردية مستقلة على حدودهما. ولعل في تصريحات رئيس الوزراء التركي «بن علي يلدريم» ما يعكس شيئا من ذلك، حيث اعتبر أن بلاده هي من يدفع ثمن عدم الاستقرار في «عفرين» بمحافظة حلب شمال غربي سوريا وفي «إدلب»، مؤكدا أن الأمور غير واضحة المعالم وليس واضحا بعد ما إذا كانت تركيا تنوي شن عملية عسكرية في عفرين وإدلب أولا، مشيرا إلى أن كافة التنظيمات الإرهابية تأخذ السلطة من بعضها البعض ، و«نحن والأبرياء السوريون هناك من ندفع ثمن ذلك». ولم يذهب «يلدريم» بعيدا عندما أكد أن الأوضاع تشبه القدر الذي يغلي، ولأن بلاده دولة جوار فهذا الأمر يمثل تهديدا دائما بالنسبة لها، مشددا على أن بلاده مستعدة لإعطاء الرد المناسب في الداخل والخارج لأي تهديد يستهدف أمنها حدودها وأمن المواطنين، ويعرض ممتلكاتها للخطر، قائلا «قادرون على توجيه الرد المناسب دون تردد». ولإيران مصلحة سياسية كبرى في إبرام مثل هذه الصفقة مع أنقرة خاصة بعدما ظهرت مؤشرات عديدة على تراجع دورها في تسيير الأمور على مستوى إدارة الصراع في سوريا ووجود خلافات مع موسكو، التي تردد أنها تريد تقليص الدور الإيراني، لصالح قوى عربية أخرى تجد قبولا أكثر في الداخل السوري لنزاهتها وحيادها، وأيضا باعتبارها صاحبة مكانة أكثر قبولا على الصعيد الدولي، وفي السياق ذاته جاءت تحولات إقليمية أخرى بالتراجع عن دعم قوى المعارضة المسلحة ووقف تزويدها بالمال والسلاح والعتاد والدعم السياسي ومطالبتها بالانخراط في العمل السياسي وصولا للتسوية النهائية، وبذلك تراجعت تلك القوى الإقليمية عن مواقفها المبدئية بضرورة خلع الأسد، وعدم اعتباره جزءا من التسوية السياسية النهائية، ما أدى إلى تراجع أدوار تلك القوى الإقليمية وبروز أدوار لقوى إقليمية أخرى.
وأغلب الظن أنه بغض النظر عن طبيعة التحولات الإقليمية وانزواء قوى وبروز قوى أخرى، إلا أنه سيكون من الصعب عليها اعتراض سبيل الجهود المبذولة وصولا لخط النهاية بغض النظر عن الألغاز الغامضة والأوضاع غير المفهومة – على حد تعبير يلدريم – بعد بروز التفاهمات المهمة بين عديد من القوى الدولية المؤثرة، على رأسها بالقطع روسيا والولايات المتحدة، وأسفرت عن اتفاقات مهمة مثل وقف القتال في «المناطق الأقل خطورة» (شكل آخر للمناطق الآمنة)، واتفاق الجنوب بالترتيب مع واشنطن والدولة الأردنية، وهو الاتفاق الذي يهدف في الغالب إلى بث الطمأنينة في نفوس الإسرائيليين، ويرتبط بذلك وبشكل أشمل تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون بأنه والرئيس الأمريكي ترامب طلبا من دبلوماسيين إعداد مبادرة ملموسة خلال أسابيع بشأن مستقبل سوريا والعمل على إعداد خارطة طريق لمرحلة ما بعد تحرير الموصل. العالم إذن بصدد مشاهد جديدة تعني أن ترتيبات إنهاء الحرب في سوريا قد اقتربت بالفعل حتى وإن استعصت بعض تلك المشاهد على الفهم، ولكنها في نهاية المطاف لا تعني بالضرورة نهاية الصراع أو الأزمة لأنها ستدخل بالقطع في تفاصيل ومشاكل من نوع آخر، ولم تكن التصريحات الأخيرة للرئيس السوري بشار الأسد في افتتاح مؤتمر وزارة الداخلية والمغتربين والتي رأى فيها أن المواقف الدولية حيال سوريا تبدلت وأن المشروعات الغربية فشلت، سوى تأكيد على هذه المفاهيم حيث اعتبر أن المعركة ضد هذه المخططات مستمرة مؤكدا على أولوية محاربة الإرهاب بعدما دفعت بلاده ثمنا غاليا بسبب سياسة الهيمنة الغربية.