«حفظ البيئة»: تزايد أعداد المها العربي بأكثر من 680 رأسا وتعيين مراقبين للحياة البرية للحد من الصيد غير الشرعي

عقوبة قتل الحيوانات البرية وصيدها وتهريبها لا تقل عن السجن 6 أشهر ولا تزيد عن 5 آلاف ريال –
كتب- نوح بن ياسر المعمري –
أشار مكتب حفظ البيئة بديوان البلاط السلطاني عن تزايد أعداد المها العربية في السنوات الأخيرة في محمية الكائنات الحية والفطرية لتصل إلى 680 رأسا من حيوان المها، ويعود ذلك لتشديد الرقابة عليها من خلال تعيين مراقبين للحياة البرية يعملون ليل نهار لحراستها خشية تعرضها للصيد غير الشرعي، كما تشير آخر الدراسات الميدانية إلى وجود (189) نوعا من النباتات البرية في المحمية منها (12) نوعا مستوطنا، ويشكل الغطاء النباتي في المحمية أهمية كبيرة للحياة الفطرية.

وتشكل محمية الكائنات الحية والفطرية أكبر مساحة من بين المحميات الخمس التي يشرف عليها المكتب، وتبلغ مساحتها حوالي 2824 كيلومترا مربعا، كما أنها تعنى في المقام الأول بإعادة توطين وصون حيوانات المها العربي، كما تعنى بالحفاظ كذلك على التنوع الأحيائي للكائنات الحية الأخرى في البيئة الصحراوية المهددة بالانقراض أبرزها: غزال الريم والغزال العربي والوعل النوبي والوشق والأرنب البري والقنفذ وأنواع أخرى عديدة. وفي عام 1994م صدر المرسوم السلطاني السامي رقم 4/‏‏94 بإنشاء محمية المها العربية حسب مسماها آنذاك، ثم صدر بعد ذلك المرسوم السلطاني السامي رقم 11/‏‏2007 القاضي بتعديل مساحة المحمية للمساحة الحالية المذكورة آنفا وتعديل المسمى إلى محمية الكائنات الحية والفطرية. كما أن المحمية تقع في منطقة جعلوني بجدة الحراسيس في ولاية هيماء بمحافظة الوسطى، حيث تبعد عن مركز الولاية مسافة (100 كم)، وتبعد عن العاصمة مسقط بحوالي أكثر من (500 كم).

ثراء أحيائي أصيل

تتمتع محمية الكائنات الحية والفطرية بتنوع فريد من الكائنات البرية والنباتات والحشرات والتضاريس والموارد المائية والجيولوجية الضاربة في القدم محتفظة بذلك بكافة مكنونات الطبيعة العمانية الأصيلة وتوازنها البيئي، حيث يعيش على أرض المحمية العديد من الحيوانات البرية فالإحصائيات تشير إلى وجود ما يقرب من (15) نوعا من الثدييات، وأربعة أنواع من الثدييات ذات الحوافر التي كانت ولا تزال مقاومة لكل أشكال الانقراض التي تتهددها من صيد غير مشروع أو زحف سكاني وعمراني أو رعي جائر أو تدمير لمواردها المائية وموائلها ومصادر غذائها. ومن أبرز الحيوانات التي توجد بالمحمية وتعتبر مهددة بالانقراض: المها العربية والوعل النوبي والغزال العربي وغزال الريم، كما تحتوي المحمية على العديد من المفترسات مثل الذئب العربي والثعلب الأحمر والوشق والثعلب الرملي والضبع المخطط التي تقتات على الحيوانات الصغيرة مثل الأرانب البرية والجرابيع، وفي أحيان أخرى على صغار الغزلان الأمر الذي يساعد على حفظ التوازن البيئي في المحمية.

نباتات متنوعة

تشير آخر الدراسات الميدانية إلى وجود (189) نوعا من النباتات البرية في المحمية منها (12) نوعا مستوطنا، ويشكل الغطاء النباتي في المحمية أهمية كبيرة للحياة الفطرية، حيث يوفر الغذاء والملاذات الآمنة ومصدرا للمياه للكائنات الحية الأخرى التي تعيش في المحمية من خلال قطرات الندى ومن الضباب المتشكل في فترات الصباح الباكر على أوراق بعض النباتات. ورغم قساوة البيئة الصحراوية إلا أن النباتات لديها القدرة الفائقة على التكيف بأن تظل في اخضرار دائم.

طيور وزواحف عديدة

تم تسجيل ما يربو على ( 50) نوعا من الطيور في المحمية منها ما هو مهاجر ومنها ما هو مستوطن، ومن أبرز الطيور التي تتواجد بأعداد كبيرة في المحمية طائر القطا، حيث تحط أسراب منه يوميا على البرك المائية بجوار مركز المحمية لتشرب وتجمع الماء لصغارها. كما تشير بعض الإحصائيات إلى وجود (21) نوعا من الزواحف بالمحمية كالضب المشوك والورل وعدة أنواع من الأفاعي كالأفعى المقرنة، والأفعى المقرنة الكاذبة.
جيولوجيا وتشكيلات صخرية
إن جولة في منطقة الحقف كفيلة بأن تطلعك على شواهد ملموسة عن الحياة قبل وجود الإنسان، فهي منطقة غنية بالمعالم والمتحجرات، فتجد الصخور النيزكية والصخور المتشكلة من الانبثاقات البركانية التي كانت ناشطة قبل ملايين السنين، كما تجد المتحجرات من القواقع والرخويات شاهدة على تلك الفترة السحيقة من الزمن، حيث كان البحر هو المحتضن الأوحد لهذه المنطقة.
أما بالنسبة للسكان في المناطق المحيطة بالمحمية، فيتميزون بالطابع البدوي والضيافة العربية الأصيلة، ولا يزالون يحتفظون بعاداتهم وتقاليدهم القديمة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم والتي يعتبرونها جزءًا قيما من أصالتهم . ويتخاطب السكان المحليون بلهجة غير مكتوبة وهي خاصة بهم، وتختلف اختلافا كليا عن كل من اللهجة المهرية أو الجبالية وهي من اللهجات شديدة الصعوبة.

التوازن البيئي في المنطقة

يتولى مكتب حفظ البيئة بديوان البلاط السلطاني الإشراف على عدد من مشاريع الدراسات البحثية البيئة في سبيل الحفاظ على هذه الأنواع من الكائنات الحية والفطرية الفريدة في السلطنة في بيئاتها الطبيعية ينفذها مجموعة من الباحثين والمتخصصين البيئيين من السلطنة وخارجها وذلك للخروج بنتائج ومعلومات علمية دقيقة. حيث إن أبرز هذه المشاريع البيئية بمحمية الكائنات الحية والفطرية في محافظة الوسطى هي:
مشروع صون المها العربية (Arabian Oryx/‏‏Oryx leucoryx) وتعرف المها العربية عند رجال البادية في السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي بـ(بن سولع)، وفي بعض الدول العربية بـ(الوضيحي) لكونه أبيض اللون وواضحا للمشاهد من مسافات بعيدة. حيث استوطن المها العربية براري وسهول السلطنة منذ قدم التاريخ؛ لما وجده في هذه الأماكن من بيئة رعوية وحياة هانئة تتناسب مع حياته وملاذا آمنا يسرح ويمرح ويتوالد ويتكاثر فيه كيفما شاء. إن حكومة سلطنة عمان ممثلة في مكتب حفظ البيئة الذي جنى ثمار ما بذله من جهود جبارة وما أعده من برامج هادفة وناجحة ببرنامج إكثار المها العربية في الحظائر بهدف مضاعفة أعدادها وإطلاق مجموعات منها إلى البراري، وتشديد الرقابة عليها من خلال تعيين مراقبين للحياة البرية يعملون ليل نهار لحراسته خشية تعرضه للصيد غير المشروع، وهذه الخطوة حالفها النجاح الكبير ونتج عنها زيادة أعداد القطعان ليصل العدد حتى الآن إلى ما يزيد عن (680) رأسا بحظائر الإكثار داخل حدود المحمية. ويهدف مكتب حفظ البيئة في تنفيذ مرحلة إطلاق هذه المها العربية الأسيرة في ربوع المحمية الكبيرة وإعادتها لطبيعتها في مناطق انتشارها حرة طليقة تعيش آمنة بدون عوائق بشرية، وأن تكون هناك برامج سياحية لاستقطاب الراغبين من داخل وخارج السلطنة في زيارات استطلاعية دائمة لمحمية الكائنات الحية والفطرية بمحافظة الوسطى، ومشاهدة الحياة الفطرية داخل السلطنة.

الوعل النوبي

مشروع الدراسات البحثية العلمية حول الوعل النوبي (Nubian Ibex /‏‏Capra nubiana/‏‏) في مناطق انتشاره في محافظة الوسطى ضمن تخوم محمية الكائنات الحية والفطرية ومحافظة ظفار لمعرفة هذا النوع عن قرب والتركيبة العمرية للقطعان والفرق بين الذكور والإناث وتوزعه وانتشاره في الأماكن التي يفضلها هذا الحيوان. حيث يعتبر الوعل النوبي فصيلة من الضباء الماعزية التي تستوطن الصحاري بشكل رئيسي، وهو يتواجد اليوم في المناطق الجبلية. كما يبلغ ارتفاعه عند الكتفين حوالي 60 سنتيمترا (حوالي 24 إنشا) ويزن حوالي 50 كيلوغراما (110 أرطال)، وللوعل النوبي لون أسمر باهت ولون أبيض على البطن، وتتميز الذكور منها بخط أسود على أرجلها الأمامية وعلى ظهورها بالإضافة إلى لحية سوداء، كما تمتلك قرونا مقوسة ومتموجة طويلة تبلغ المتر في الطول أما قرون الإناث فأصغر حجما بكثير، حيث تبلغ حوالي 30 سنتيمترا. تتكيف الوعول النوبية للعيش في التضاريس الجبلية الجافة، حيث تقتات إجمالا على الأعشاب وأوراق الأشجار، ولهذه الوعول مفترسات كثيرة منها النسور والعقبان. تعيش الوعول النوبية في قطعان منفصلة من الذكور والإناث على حدة، وهي نهارية النشاط، حيث إنها تنشط في النهار وتستريح خلال الليل.

غزال الريم

مشروع إكثار غزال الريم أو الغزال الرملي (GazellaSubgutturosa)، وهي تتميز عن غيرها من الغزلان بلونها الباهت وتتأقلم للعيش في الصحاري شديدة الجفاف. حيث يمتد تواجد الريم على المناطق الحدودية مع دول الجوار على أطراف صحراء الربع الخالي، وتعد غزلان الريم من الفصائل المرتحلة، حيث تنتقل على الدوام بحثا عن النبات إلا أنها لا تظهر نمطا للهجرة مثل بعض الفصائل الأخرى القاطنة في الصحراء. تناقصت أعداد الريم في مناطق انتشارها بمحافظة الوسطى بشكل كبير، وصنفت بأنها معرضة للتهديد بخطر الانقراض ويعود ذلك إلى الصيد الجائر والنشاط البشري في موائلها الطبيعية. لذا يهدف مكتب حفظ البيئة من مشروع صون غزلان الريم (الغزال الرملي) الذي أطلق في عام 2013 بمحمية الكائنات الحية والفطرية إلى إكثارها وإعادتها إلى موائلها وبيئاتها الطبيعية وتعزز التنوع الأحيائي والجيني للقطعان المختلفة من غزلان الريم ودرء مخاطر الأمراض الوراثية التي تنتج في الغالب من التزاوج الداخلي بين أفراد النسب الواحد. كما نفذ المكتب بالتعاون مع المختبر الجيني للجمعية الملكية لعلم الحيوان بإسكتلندا دراسة جينية للغزال الرملي بمحمية الكائنات الحية والفطرية هدفت إلى إثراء المعرفة بالخريطة الجينية لمثل هذا الحيوان المعرض لخطر الانقراض حسب تصنيف الاتحاد الدولي لصون الطبيعة، وأكدت النتائج أن الغزلان الموجودة ذات قيمة عالية من حيث التباين الجيني والصفات الوراثية الأمر الذي يساعدها على التأقلم مع الظروف المناخية القاسية في المحمية، ويزيد من مقاومتها للأمراض، وتشهد غزلان الريم في الوقت الحالي تزايدا في أعدادها مما يعطي مؤشرات حقيقة لنجاح المشروع.

إكثار الغزال العربي

مشروع صون وإكثار الغزال العربي (Gazella Arabica) حيث ينتمي هذا النوع من الغزلان إلى عائلة البقريات ويرتبط انتشارها بشكل وثيق بنطاق انتشار أشجار السمر والغاف البري، كما تنتشر الغزلان العربية في السلطنة عبر الأودية الجبلية والحصوية والسفوح والهضاب بالإضافة إلى السهول الساحلية. ويتميز الغزال العربي بلون بني غامق، ويتميز كذلك بالخفة والرشاقة، وتكون قرونه سميكة ومقوسة لدى الذكر وأقل سمكا وأكثر استقامة لدى الأنثى. كما يصنف على أنه قابل للتعرض للخطر (Vulnerable) بسبب الصيد، ومنافسة الحيوانات الأخرى له في الغذاء. ويستوطن الغزال العربي ضمن وحول محمية الكائنات الحية والفطرية حرا طليقا في البرية. وقد عمد مكتب حفظ البيئة أواخر عام 2013م إلى البدء في إكثار الغزال العربي في حظائر الأسر بعد تعرضها لعمليات الاعتداءات على الأحياء البرية والصيد غير المشروع. حيث قام المختصون في المحمية بالإمساك بأعداد بسيطة من الغزال وإكثارها وتوسعة المشروع سنويا ليصبح ضمن 4 حظائر صغيرة حاليا مع مراعاة ترقيمها وأخذ كافة البيانات والمعلومات لإكثارها بطرق علمية حديثة تعتمد على القيمة العالية للجينات لتجنب الأمراض الوراثية ولتزايد أعدادها وفق النظم البيئية الطبيعية، واتباع طرق التدوير والتنويع بين ذكور حيوان الغزال العربي بحظائر الأسر والذكور الحرة الطليقة في براري المحمية وفق الأسس العلمية الصحيحة.

قوانين وتشريعات صارمة

الجدير بالذكر أن المرسوم السلطاني رقم 6/‏‏2003 الخاص بقانون المحميات الطبيعية وصون الأحياء الفطرية نص في عدد من مواده على معاقبة المخالفين بالسجن والفعل الذي قام به المتهمون مؤثم بنص المادة ( 15/‏‏ب ) من العقوبات على أنه:
«يعاقب كل من قام عمدا بقتل أو صيد أو تهريب أي من الحيوانات البرية أو الطيور البرية الواردة بالملحق الأول أو أي مواد جينية منها بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 1000 ريال عماني ولا تزيد عن 5000 ريال عماني أو بإحدى هاتين العقوبتين». ويهيب مكتب حفظ البيئة بالمواطنين والمقيمين أن صيد الحياة البرية في السلطنة يعرضها لخطر الانقراض والاختفاء تماما وأنه يتحتم المحافظة على الحياة البرية التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من الإرث الطبيعي للسلطنة. ويمكن للزائر التنسيق مسبقا للحصول على تصريح دخول محمية الكائنات الحية والفطرية عن طريق الاتصال المباشر بمقر مكتب حفظ البيئة في مبناه بمنطقة الخوير بمحافظة مسقط أو التواصل مع إدارة المحمية.
ويعد مكتب حفظ البيئة منذ تأسيسه في عام 1974م من أقدم المؤسسات البيئية في السلطنة، ويعمل جنبا إلى جنب مع المؤسسات الأخرى المختصة في الحفاظ على البيئة سواء كانت مؤسسات حكومية أو خاصة وعلى ترجمة معنى صون وتنمية مفردات الحياة الفطرية في عدد من المحميات الطبيعية والمشاريع البيئية التي يشرف على إدارتها المكتب، وقد أنشئ المكتب كمرحلة من مراحل تطور البناء المؤسسي للنشاط البيئي والتنوع الحيوي لما تحتويه السلطنة من كنوز وثروات وطنية طبيعية أصيلة. كما يشرف مكتب حفظ البيئة بديوان البلاط السلطاني على إدارة 5 محميات طبيعية في السلطنة وهي: محمية الكائنات الحية والفطرية بمحافظة الوسطى، ومحمية السرين الطبيعية وتقع بين ثلاث ولايات: هي العامرات ودماء والطائيين وقريات، ومحمية رأس الشجر الطبيعية في محافظة مسقط في ولاية قريات، ومحمية الخوير الطبيعية في قلب محافظة مسقط بولاية بوشر، بالإضافة لمحمية خور صلالة في محافظة ظفار في ولاية صلالة وهي تمثل إحدى الأراضي الرطبة الغنية بالتنوع الحيوي في السلطنة.