تحولات الأزمة الليبية: لا ضوء في نهاية النفق

د.صلاح ابونار –
فيما بين مارس ويوليو 2017 شهدت الأزمة الليبية ثلاثة تطورات تمنحنا صورة لعمقها. في 14 مارس استعادت قوات حفتر سيطرتها على موانئ الهلال النفطي الثلاثة. وفي اليوم التالي أصدرت حكومة طبرق الليبيةٌ، قرارا باستقلال فرع البيضاء لشركة البترول الليبية الوطنية، عن الفرع الأم في طرابلس العاصمة، وهو ما يعني نظريا حقها القانوني في التصدير المستقل لبترول المنطقة.

وفي يونيو 2017 احتلت قوات حفتر قاعدة تمنهنت، ثم اتبعتها باحتلال مدن: ودان وسوكبة وهون وقاعدة الجفرة الجوية. وكان لهذا مغزاه الاستراتيجي، إذ كان يعني الربط بين مناطق سيطرة حفتر في الشرق والهلال النفطي والجنوب. حدث هذا في ظل إعلانات مسبقة لحفتر عن اعتزامه الزحف صوب طرابلس.
وفي 25 يوليو كان حفتر الراعي العسكري الأساسي لحكومة شرق ليبيا، في حضرة الرئيس الفرنسي بصحبة السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، للتباحث حول الخروج من الأزمة وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية جديدة.
وفي 29 يوليو وافقت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، على المسودة النهائية لمشروع الدستور الليبي. وبالتوافق مع ذلك أعلنت الأمم المتحدة أنه في سياق دورة الجمعية العامة في سبتمبر الجاري، سيشرع غسان سلامة ممثلها الجديد في ليبيا، بإعداد خطة طريق لدعم الدستور الجديد والانتخابات اللاحقة.
ومن الواضح أننا أمام تناقض فادح يتخلل صلب التطورات الليبية، حيث تجري المصالحة السياسية التي دشنتها الأمم المتحدة باتفاقية الصخيرات في اتجاه، بينما تجري التطورات الفعلية للازمة في اتجاه آخر تماما.
وسنجد علة هذا التناقض في الوضع الذي انتهت إليه التطورات الليبية بعد انطلاقتها في فبراير 2011. يتسم هذا الوضع ببعدين أساسيين.
يتجلى الأول في عسكرة الحياة السياسية. ويبدو ذلك في كثافة التنظيمات العسكرية، وتعدد مصادر ومستويات وجودها. وهكذا عند مراجعة المشهد الليبي سوف نجد التنظيمات التالية: قوات فجر ليبيا وهي تشكيلات مسلحة تنتمي الى 23 مدينة ومركزها طرابلس. وتشكيلان جديدان : الحرس الرئاسي الذي شكله السراج، والحرس الوطني الذي أنشأه المؤتمر الوطني . وميليشيات حفتر المسماة بالقيادة العامة للجيش الوطني الليبي، وجل جنودها من قبائل الشرق وقياداتها ضباط سابقون. وقوات القعقاع والصواعق والمدني، وهي من أبناء الزنتان وتضم بعض كتائب الجيش القديم. وقوات الدروع، ومجلس شورى ثوار بنغازي ويضم خمس كتائب. وكتائب طوارق الجنوب الموالية لطرابلس، ومجلس شورى ثوار درنه، المكون من عدة كتائب مسلحة. وتنظيم أنصار الشريعة في الشرق. وجيش القبائل الموالي للنظام القديم، والذي أسسه احمد قذاف الدم.
وسنجد تفسير العسكرة في عدة روافد. الأول: ميراث النظام القديم. فعندما تبخرت سلطة القذافي وجد الليبيون انفسهم، بلا خبرة في العمل السياسي الجماعي، وبلا تراث حي لمؤسسات المجتمع المدني، وهكذا غاب الحائل السياسي المدني المعوق لهذا التوغل العسكري. وكان من شأن الرافد الثاني الخاص ببعض سمات مسيرة الثورة الليبية المفاقمة من تأثير الأول. اتسمت تلك المسيرة بلجوء النظام للعنف المفرط فور انطلاقها، الأمر الذي استدعى عنفا أهليا مضادا، وجد لنفسه معينا في التفكك السريع للمؤسسات الأمنية ، التي أصبحت في تفككها موردا خصبا للسلاح. كما اتسمت بسرعة التدخل الدولي العسكري وحسمه، الأمر الذي منح الاحتجاجات قدرا من الوقاية من عنف النظام ، وسارع من تفكك مؤسسات السلطة وفتح مخازن أسلختها ومعسكراتها، واكسب هذا المحتجين جرأة وقدرة ساعدا على المزيد من عسكرة الاحتجاجات.
وسنجد الرافد الثالث في خبرة ما بعد سقوط القذافي. وجدت السلطة الجديدة ذاتها بلامؤسسات أمنية قوية تمكنها من نزع سلاح المحتجين. وعندما شرعت في إعادة بنائها، تورطت في تحويل مؤسسات عنف الأهلي الى مؤسسات شبه رسمية، أو إنشاء أخرى على نفس النمط . كما وجدت نفسها في ظل الانقسام السياسي الذي بدأت بوادره في الظهور السريع داخل مؤسساتها الجديدة، بلا قدرة على صياغة مشروع سياسي قادر على إقناع أوسع طيف سياسي، بالمزايا السياسية والاجتماعية للتخلي عن السلاح. وعلى الجانب الأهلي حدثت تطورات حملت نفس المنطق. فلقد جاء الاستقطاب السياسي معه بالتحفز وتوقع المخاطر. واستمتع المسلحون بالمزايا الاجتماعية لحمل السلاح، واضحوا يتحسبون من فقدانها. ووجدت النزعات القبلية المزدهرة أمامها مساحات للتمدد، وخصوما للصراع، وموارد للاستيلاء، وانتهاكات حادثة أو محتملة لمناطق نفوذها. وكان ذلك من شأنه، ليس فقط عرقلة مساعي نزع السلاح، بل أيضا التوغل في نزعات العسكرة.
وسنجد البعد الثاني في حالة الاستقطاب السياسي الحادة. تغذى هذا الاستقطاب من عدة روافد. جاء الأول من خبرة التاريخ الليبي. على مدى فترات طويلة شكل تناقض الشرق والغرب، احد المحددات الأساسية لحركة السياسات الليبية. وكانت قوة الشرق تعبر عنها بنغازي، وقوة الغرب مستقرها طرابلس العاصمة، وبينما كان الشرق يجسد رمزية ومجال التمرد، جسد الغرب رمزية ومجال السلطة، ويكاد الصراع ان يكون قانون العلاقات بينهما .
وجاء الثاني من الميراث المرير للنظام القديم. فلقد دمر فعاليات وهياكل العمل الاجتماعي المنظم، وبالتالي غابت عن مشهد ما بعد القذافي قوة التنظيم الاجتماعي الموحدة المنبثقة من القواعد الاجتماعية. ودمر أيضا مؤسسات ووظائف الدولة ذاتها، لصالح مؤسسات مشاركة جماهيرية مزعومة، كانت في جوهرها أداة للاستتباع السياسي الجماعي، وأوعية لتوزيع الموارد على التابعين، وواجهة مخادعة لسلطة أخرى هي سلطة التكوينات العشائرية. وبالتالي غابت عن مشهد ما بعد القذافي مراكز قوة التوحيد والضبط السياسي الهابطة من أعلى.
وجاء الرافد الثالث من الأدوار الدولية والإقليمية. فلقد ساهمت هذه الأدوار حينا بسلبيتها وفتورها، ونموذج ذلك الانسحابية الأمريكية أعقاب اغتيال السفير الأمريكي في ليبيا، في دعم الانقسام بتركها اللاعبين الإقليميين مطلقي السراح. وساهمت حينا بفعاليتها في دعم هذا الانقسام، ونموذج ذلك الدور الروسي في دعم سلطة حكومة طبرق، والأدوار الإقليمية الموازية له.
ولكن تأثير تلك الروافد لم يكن حتميا. كان من الممكن تحييد مساحة كبيرة منه، لو ان الفاعلين الليبيين الأساسيين أجادوا لعب أدوارهم، في المرحلة الانتقالية. وهنا سنجد رافد الانقسامية الأساسي.
انطلقت العملية الانتقالية مبكرا بتكوين المجلس الانتقالي في 27 فبراير 2011 . وفي أغسطس من نفس العام صدر الإعلان الدستوري، وفي يوليو 2012 جرت انتخابات المؤتمر الوطني العام، وفي 2013 انتخب مجلس نيابي جديد لتنتهي بوجوده شرعية المؤتمر الوطني العام، وفي ظل المجلس الجديد تكونت حكومة علي زيدان. وفي ظل هذا البرلمان وحكومته، تصاعدت مظاهر الاستقطاب بين الإسلاميين وتحالف القوى الوطنية.
وعلى امتداد عام 2014 تزايدت حدته. فلقد سحب البرلمان الثقة من حكومة زيدان، وتكونت حكومة عبد الله الثني بدعم من تحالف القوى الوطنية، وقرر البرلمان نقل مقر مجلس النواب الى طبرق . وفي المقابل شككت المحكمة العليا في شرعية حكومة طبرق ومجلس النواب، وقرر المجلس الوطني العام ان يعود للانعقاد في طرابلس كبديل لمجلس النواب، وتكونت حكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس كبديل لحكومة الثني في طبرق. وأخذ الاستقطاب السياسي في التحول الى استقطاب عسكري ، فظهر حفتر وجيشه في الشرق كذراع عسكري لحكومة طبرق . وتمكنت قوات البنيان المرصوص وفجر ليبيا الموالية لمؤسسات سلطة طرابلس من السيطرة على المدينة ومعها الغرب الليبي. وتدريجيا أخذ كل طرف في تدعيم وتوسيع تحالفاته القبلية والجهوية لكي يكتمل بذلك مسار الاستقطاب.
ورغم التطور الإيجابي الذي شهده العام المنصرم، المتمثل في نجاح الكتلتين في القضاء على المراكز الأساسية لداعش في أقاليمها، شهد الاستقطاب مزيدا من الحدة منذرا بالمزيد، مع خطوات حفتر الأخيرة في الهلال النفطي. كيف يمكن تخطي المأزق.؟
ثمه تصور أول سيطرح نفسه، يطالب بتفويض إحدى القوتين بفرض التوحيد عسكريا، لتشرع في نزع السلاح والإنعاش الاجتماعي، على أن ترافقها في مرحلة معينة عملية انتقال ديمقراطي . وهنا ستتجه الأبصار الى طرابلس، الأكثر تمتعا بالشرعية الدولية. غير ان هذا الحل، سواء كان المرشح لتنفيذه بنغازي أو طرابلس، يتجاهل أمرين. الأول ان هذا المسعى سيكون في حاجة الى دعم عسكري دولي كثيف، وبفرض نجاحه سيواجه مقاومة كفيلة بإفشاله، نابعة من رفض التدخل الأجنبي وعمق الاستقطاب السياسي.
وسيطرح التصور الثاني الاستمرار في عملية الصخيرات. غير ان هذا الحل يتجاهل قصور الاتفاقية الواضح، وفشلها في تجذير نفسها في الشرق .
ويبدو ان الحل الأمثل هو تطوير الصخيرات، عبر إعادة صياغتها بمشاركة القوى النافذة على الأرض وليس فقط قوى المؤسسات الرسمية. مع مزجها بسياقات تنمية وإعادة بناء للمؤسسات الأمنية، وقصر دولي صارم للدعم المالي والعسكري والسياسي الخارجي، على ما يتفق على كونه مؤسسات الجيش الوطني الليبي الرسمي، وهو ما يعني الخنق السياسي البطيء للجهة التي يتفق المجتمع الدولي على كونها خارجة على سلطة الدولة، الأمر الذي يتيح الإلحاق السلمي والتدريجي لها.