فراغ موقع القيادة وصراعات المصالح.. تدمر ليبيا!!

د. عبد الحميد الموافي –
ليس من المبالغة في شيء القول: إن ليبيا الشقيقة هي الآن ضحية موقعها الاستراتيجي، وإمكاناتها الاقتصادية، وجشع وانتهازية عدد غير قليل من جيل من السياسيين وقادة الميليشيات والمدن، الذين يبحثون فقط عن دور أو موقع ما لهم على سطح الساحة السياسية الليبية، حتى ولو كانت مخضبة بدم الليبيين، أو مغموسة في مؤامرات التنظيمات الإرهابية والغرف المغلقة لأجهزة أمنية عديدة إقليمية ودولية، تبحث فقط عما يضمن مصالح من تمثلهم، دولا كانوا أو تنظيمات أو ميليشيات، أو على حساب حاضر ومستقبل الشعب الليبي الشقيق.

ويقف وراء ذلك كله ويحركه صراعات وتقاطعات مصالح أطراف وقوى إقليمية ودولية معنية بليبيا الدولة والموقع والإمكانيات والمستقبل أيضا. وتجد في ليبيا ساحة مفتوحة، بكل المعاني، والأكثر خطورة هو منافسات، أو بمعنى أدق صراعات القيادة، ومحاولات تأكيد القوة أو النفوذ أو الدور لأطراف ليبية غير قادرة أحيانا على حماية نفسها ذاتها من هجمات ميليشيات منافسة، أو لأطراف إقليمية تتفاوت أهدافها بين حماية امنها القومي، وبين إثبات الوجود، أو مجرد محاولة تعويق جهود الأطراف الإقليمية الأخرى، درءا لمخاطر، واحتفاظا بخيوط يمكن تحريكها عند الضرورة، أو حتى طمعا في الحصول على قدر ما من الغنائم الليبية، المباشرة أو غير المباشرة، عندما تحين الفرصة، أو حتى مقايضة مصالح محددة مع أطراف إقليمية أخرى، بمواقف ممكنة أو محددة على الساحة الليبية، حتى ولو كانت عمليات تهريب سلاح أو إدخال مجموعات إرهابية عبر دروب الصحراء، نكاية في طرف، أو تعزيزا لعلاقة مشبوهة مع مجموعات إرهابية تجد في ليبيا ساحة مفتوحة، ومجالا للعمل بعيدا عن الأعين، واحتماء بالصحراء الليبية الواسعة، وبقلة عدد السكان في الكثير من مناطقها.
أما على المستوى الدولي فإن صراعات المصالح بين إيطاليا وفرنسا، وتركيا والصين والولايات المتحدة، وروسيا، وإلى حد ما بريطانيا، فإنها شديدة الوضوح، في المواقف والتصريحات والتحركات والمبادرات، وأولويات التنسيق مع هذا الطرف الليبي أو ذاك، وحتى بالوجود المسلح، بغض النظر عن حجمه أو نوعيته، لأن قرار الوجود المسلح في حد ذاته، هو مؤشر على الأهمية التي ينظر بها هذا الطرف أو ذاك لليبيا وما يجري فيها، وما يمكن ان يترتب عليه من نتائج وآثار يضعها هذا الطرف أو ذاك في اعتباره. على أية حال فانه يمكن الإشارة باختصار شديد، الى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا : انه إذا كانت منطقة الصحراء العراقية السورية – شمال غرب العراق وشرق سوريا – شكلت منطقة مفتوحة وصالحة ليسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي ويعلن فيها ما أسماه الدولة الإسلامية في العراق والشام عام 2014، وذلك بحكم بعدها النسبي عن مناطق التركز السكاني في العراق وسوريا من ناحية – باستثناء مدينة الموصل التي تمت السيطرة عليها بأسلوب التسليم والتسلم تقريبا حيث تركت القوات العراقية أسلحتها وانسحبت منها لتدخلها داعش دون قتال- وبحكم الانشغال العراقي والسوري أيضا، في المعارك الداخلية بين القوى العراقية والسورية المختلفة، فإن ليبيا بمساحتها الشاسعة، وبسواحلها التي تصل الى نحو ألفي كيلومتر على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبقربها الشديد من جنوب إيطاليا وجنوب أوروبا بوجه عام، وباتساع صحرائها وامتدادها، اتصالا بالصحراء الكبرى، لتربط بين الصحراء الغربية في مصر شرقا، وصولا الى المحيط الأطلنطي غربا عبر صحراء الجزائر والمعرب وموريتانيا غربا، وامتدادا في العمق جنوبا إلى وسط إفريقيا، عبر تشاد والنيجر ومالي ونيحيريا، بكل ما يعنيه ذلك من امتداد واسع تغطيه الصحراء وتحجبه تضاريسها عن الأعين، حتى بالنسبة للأجهزة المتخصصة أحيانا، بحكم الاتساع الشاسع، شكلت، ولا تزال تشكل – ليبيا – موقعا مثاليا لكل التنظيمات الإرهابية التي تريد ان تبني نفسها وتطور قدراتها بعيدا عن الأعين، وتتخذ في تلك الصحراء الشاسعة مواقع ومراكز تدريب ومكامن محمية، وهو ما حدث بالفعل على مدى السنوات الماضية، حيث انتبه تنظيم القاعدة لتلك الميزة، حيث إنشاء تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، كما بدأ تنظيم داعش في إرسال مجموعاته إليها مؤخرا، سواء للاستقرار فيها وإنشاء مواقع متقدمة بها، أو لمحاولة التسلل الى أوروبا وسط تدفقات المهاجرين الى أوروبا، أو لإنشاء جسور اتصال مع تنظيم «بوكو حرام» الارهابي في نيجيريا، والذي أعلن الانتماء الى داعش.
ومع ازدياد الضغط على داعش، واقتراب هزيمته في العراق وسوريا، فإن مجموعاته الهاربة، أو بمعني أدق، التي يسمح لها بالهرب بأسلحتها أحيانا، تتجه عادة الى ليبيا، باعتبارها أرضا مفتوحة تقريبا- ومن السهل الدخول والحركة فيها، وهو ما جعل ليبيا، ارض استقطاب للمجموعات الإرهابية من العراق وسوريا ومن مختلف أنحاء العالم أيضا، وهو أمر ينطوي على مخاطر كبيرة، اذا لم يتم التعامل الناجع والحاسم معه في أسرع وقت ممكن.
من جانب آخر الموقع الاستراتيجي ذاته والمساحة الواسعة والصحراء المنبسطة، لم تتوفر لها قدرات الدفاع الذاتي عن نفسها في مواجهة تغولات الآخرين أو استباحة الجماعات والتنظيمات الإرهابية لترابها، وذلك نتيجة طبيعية للأسلوب الذي اتبعه العقيد القذافي، والذي اعتمد على تكديس السلاح، والتخلي عن إنشاء جيش وطني ليبي قوي ومتماسك، وتبني إنشاء كتائب متفرقة تقوم بمهام محددة، في مناطق ليبية مختلفة، وتحت قيادة شخصيات مرتبطة مباشرة بالولاء للعقيد القذافي.
ولذا فإنه عندما اغتيل القذافي، تفككت تلك الوحدات العسكرية، وتربصت المجموعات الإرهابية بمخازن السلاح الليبي، واستولت علي الكثير منها، مما قوّى من شوكة تلك التنظيمات الإرهابية والمناطقية في ليبيا، خاصة في ظل التنافس والصراع بين القوى الليبية المختلفة، والذي تجسد في وجود ثلاث حكومات ومجلسين تشريعيين، اعترف العالم بالمجلس التشريعي في طبرق وبحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، مع التعامل بحكم الأمر الواقع مع المشير خليفة حفتر، الذي يحاول إنشاء جيش وطني ليبي لاستعادة السيطرة على الأراضي الليبية وتخليصها من أمراء الحرب والجماعات الإرهابية، ولكن ذلك يضعه في صدام مع كل من يستفيدون بالوضع الراهن. وبرغم صعوبة ما يحاول المشير حفتر القيام به، إلا ان الإدراك المتزايد لليبيين لضرورة بناء جيش وطني ليبي لاستعادة السيطرة على الأرض الليبية وإنهاء فوضى الميليشيات بتلاوينها المختلفة، يزيد من مساحة التأييد له في الجنوب والغرب الليبي، ومن ثم يزيد من فرص تقدمه، الذي يظل بطيئا حتى الآن على الأقل.
على صعيد آخر فانه لا يمكن التقليل من أهمية خطوات استطاع الليبيون تحقيقها، حتى الآن على الأقل، منها على سبيل المثال اتفاق الصخيرات الذي تم التوصل إليه في أواخر عام 2015، والذي تم على أساسه إنشاء حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج وإنشاء مجلس رئاسي، استقال عدة أعضاء منه احتجاجا على سياسة السراج، وكذلك اتفاق باريس بين السراج وحفتر في شهر يوليو الماضي، والذي تم برعاية الرئيس الفرنسي ماكرون، والذي يقضي بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في عام 2018، وهناك أيضا مسودة الدستور الليبي، التي تم الاتفاق عليها في اجتماعات صلالة للهيئة التأسيسية لوضع مشروع الدستور الليبي، في شهر مارس من العام الماضي 2016، والتي تحظى بتوافق الأطراف الليبية حولها، وقد حولها المجلس التشريعي في طبرق الى احدى لجانه مؤخرا، وهناك بالطبع المحاولات المصرية والجزائرية والإماراتية والمغربية والتونسية للتوفيق بين الأطراف الليبية، ولكن الكثير من تلك المحاولات يصطدم بمحدودية الثقة بين حفتر والسراج، وذلك بسبب اختلاف الرؤى والتوجهات والأولويات ايضا، ولم يكن تفجر الخلاف بين حفتر والسراج على خلفية تعيينات السراج لمسؤولين في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الليبي الذي يقوده حفتر، ورفض حفتر السماح لهم بالعمل، بل واتهامه للسراج بمحاولة التلاعب بالأمن القومي الليبي ورفضه لذلك، سوى نموذج، لا يمكن فصله عن ممارسات جرت في الأشهر الماضية، بما فيها محاولات لتشكيل قوات موازية لقوات حفتر، تحت مسميات مختلفة، ومحاولات لضم الميليشيات- بما فيها مجموعات سيئة السمعة – الى القوات الليبية للاستفادة من إمكانياتها، وربما القيام بأدوار ما في المستقبل، وهو ما يعبر عن فجوة الثقة الكبيرة بين القيادات الليبية المؤثرة، أما السياسيون الليبيون، فان الصمت قد أصابهم تاركين الساحة لأمراء الميليشيات، الناظرين فقط لمصالحهم الذاتية والمناطقية. وحتى الآن فانه يمكن القول ان عدم وجود قيادة وطنية ليبية قادرة على حشد القوي الليبية خلفها، هو ما يعد المعضلة الأساسية على الساحة الليبية حتى الآن على الأقل.
وإذا كان فايز السراج يستند الى الاعتراف الدولي به، إلا ان اعتماده على ميليشيات محددة واستغلاله لميليشيات أخرى/‏‏‏‏ متطرفة، في القيام بعمليات ضد المثلث النفطي، كما حدث في الأشهر الماضية، يحد من فرص تحوله الى قيادة ليبية تحظى بإجماع واسع. وبالنسبة للمشير خليفة حفتر، فانه لا يزال يبني قوات الجيش الوطني الليبي، ولكنه لم يتحول بعد الى قيادة ليبية تحظى بإجماع واسع أيضا، خاصة ، ويظل فراغ القيادة في ليبيا مشكلة، على الاقل حتى تفرز الأحداث والتطورات قيادة قادرة على حشد الليبيين، أو أكثريتهم وراءها، ومن غير المستبعد ان تكون فرص المشير حفتر اكبر، خاصة وانه اعلن بوضوح ان هدفه هو تخليص ليبيا من الميليشيات المسلحة وأنه لا يتطلع الى رئاسة ليبيا. ولكن الميليشيات والجماعات المتشددة الليبية وداعميها في الخارج يريدون ان يصفوا حساباتهم مع مصر في ليبيا من خلال التكتل ضد حفتر ومحاولة إفشاله بكل السبل، بغض النظر عن ان ذلك سيضر تماما بحاضر ليبيا ومستقبلها، ولكن ذلك لا يهمهم للأسف الشديد.
*ثانيا: على المستوى الإقليمي فإنه في الوقت الذي تنظر فيه مصر إلى ما يجري على حدودها الغربية باعتباره مسألة ترتبط بأمنها الوطني، اليوم وغدا، خاصة أن الجماعات الإرهابية في ليبيا تحاول باستمرار التسلل وتهريب الأسلحة والإرهابيين الى مصر، بل والانطلاق من ليبيا لارتكاب جرائم وأعمال إرهابية في الأراضي المصرية والهرب الى ليبيا عبر دروب الصحراء، فان تونس والجزائر تحاولان حماية حدودهما ضد تهريب الأسلحة والإرهابيين إليهما، سواء من الحدود مع ليبيا، أو بالتعامل مع بعض الجماعات الليبية بشكل أو بآخر لتأمين مواقفها وضمان مشاركتها في محاولات الحل في ليبيا ايضا، كما ان منطقة الحدود الليبية السودانية هي الأخرى منطقة حركة أمام الأسلحة والعناصر المنتمية الى الجماعات والميليشيات المختلفة، خاصة أنها مثلث بين السودان وليبيا ومصر وقريبة من الحدود التشادية كذلك.
وباختصار شديد فانه يمكن القول إن الأطراف الإقليمية، عربية وإفريقية تتعامل مع التطورات في ليبيا بحسابات خاصة بكل منها في المقام الأول، والأكثر من ذلك أن بعضها يعمل ضد البعض الآخر، انتقاما أو تعويقا أو رغبة في إثبات القدرة على التأثير، وردا على مواقف اخرى بعيدة عما يحدث في ليبيا. ومن هنا يتضاءل التأثير الإفريقي والعربي على الساحة الليبية.
ولعل ما يزيد من ذلك ان الأطراف الدولية، والأوروبية تحديدا تجري هي الأخرى وراء مصالحها المباشرة، خاصة بعد ان تركت واشنطن الساحة لها منذ ان أخذ اوباما بأسلوب القيادة من الخلف، مما ترك ليبيا ساحة مفتوحة امام تسابق وتنافس الأوروبيين، وزاد من مخاطره ما تقوم به تركيا والصين وروسيا، الباحثة هي الأخرى عن مصالحها الذاتية، وحتى تظهر قيادة ليبية قوية وقادرة على تحقيق اجماع ليبي خلفها، ولو نسبيا، فان الشعب الليبي الشقيق سيظل يدفع ثمن هذا التنافس الداخلي والإقليمي والدولي على حسابه، والمؤسف ان أطرافا إقليمية ودولية تعوق وتعطل إمكانية ظهور قيادة وطنية ليبية كما سبقت الإشارة، ولذا فان الأمر يعود الى الشعب الليبي ذاته، الذي عليه الاصطفاف وراء جيشه الوطني لتخليصه من الميليشيات والجماعات المتطرفة أيا كانت أسماؤها أو شعاراتها التي تحاول بها تغطية اتجاهاتها الإرهابية بشكل أو بآخر.

جريدة عمان

مجانى
عرض