بيل جيتس والرأسمالية المستنيرة !!

إميل أمين /كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

من العيوب الظاهرة في النظام الرأسمالي وفي أمريكا خاصة، وقد كان آخر وأخطر تلك العيوب، هروب كثير من أصحاب رؤوس الأموال إلي خارج أمريكا، وإلي آسيا الشرقية تحديدا، حيث الأيدي العاملة أرخص كثيرا، ما اضر إضرارا بالغا بالأيدي العاملة الأمريكية.
بعيدا عن السياسة هذه المرة، وإن لم يكن بعيدا جدا، فقد أضحت السياسة في عالم العولمة شريكا رئيسيا للمرء في صحوه ومنامه، في حاضره ومستقبله، فالفارق شاسع بين زمن امبراطوريتين الرومانية قبل ألفي عام، والأمريكية في أيامنا هذه، ففي الحالة الأولى كانت المسافات تباعد بين البشر، وعليه لم يكن التأثير اللحظي لما يجري في روما يسمع في الإسكندرية أو بلاد فارس في الوقت نفسه، بل كان المشهد يستدعي شهورا عديدة كي تصل الأخبار والتأثيرات لاحقا.
غير أنه في حال الإمبراطورية الأمريكية والمصطلح هنا للمؤرخ الأمريكي الشهير «بول كيندي» تغيرت الأوضاع وتبدلت الطباع، وأضحت واشنطن هي بدرجة أو بأخرى قبلة العالم الحديث، سيما بعدما أسدل الستار على بريطانيا عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد جاءت وسائط التواصل الحديثة لتجعل من العالم، وكما قال عالم الاجتماع الكندي الشهير «مارشال ماكلوهان» قرية صغيرة.
لماذا هذا الحديث الآن وما علاقته بالعنوان حيث رجل شركة مايكروسوفت وأغنى أغنياء العالم يتصدره؟
بلا شك فإن الرابط يتصل بتحليل منظومة الرأسمالية وعلاقتها بالسلوك الإنساني، والتبعات والاستحقاقات التي تتولد حول العالم من جراء الأحداث التي تجري بها المقادير هناك.
الأيام القليلة الماضية جادت علينا الأخبار بنبأ قرار مالك شركة مايكروسوفت «بيل جيتس» التبرع بـ 64 مليون سهم كان يملكها بالشركة تصل قيمتها إلى 5 مليارات دولار لصالح المؤسسات الخيرية، والتبرع يعادل 5% من ثروته التي تعد الأكبر في العالم، دعما للأعمال الخيرية لاسيما في دول العالم النامي وأفريقيا بنوع خاص.
عدة أسئلة يطرحها الخبر في المقدمة فيها هل هذا أول تبرع من نوعه يقوم به الملياردير الأمريكي الكبير؟
الجواب بالقطع لا، ذلك أن «جيتس» معروف بتبرعاته الهائلة من قبل، حدث ذلك عام 1999، عندما تبرع بمبلغ 16 مليار دولار، وفي عام 2000 تبرع بمبلغ 5 مليارات دولار.
تساؤل طبيعي بعض الشيء… هل نقصت أموال بيل جيتس بعد تلك التبرعات؟
بالعكس تماما فقد ازدادت ثروته في أعقاب كل مرة يقوم فيها بتبرعات غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، ومع أن بيل جيتس يملك الآن فقط 1.3 % من الشركة، إلا أن هذا يجعله في المركز الثاني من حيث كبار المساهمين، ويأتي أولا ستيف بالمر المدير التنفيذي السابق، وثالثا ساتيا ناديلا»، المدير التنفيذي الحالي، وفي يوليو الماضي، قدرت ثروة بيل جيتس بـ89 مليارا و900 مليون دولار… هل نقص مال من صدقه؟ لا يمكن أن يكون ذلك كذلك.
علامة استفهام أخرى هل «جيتس» هو ظاهرة فريدة من نوعه في الولايات المتحدة الأمريكية أم أن هناك نظراء آخرين له؟
في أوائل ديسمبر 2015، ووسط الاحتفال باستقبال مولودته الأولى، أعلن «مارك زوكر بيرج» مؤسس موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» التبرع بنسبة 99% من حصته في شركة فيسبوك التي تقدر حاليا بـ 45 مليار دولار لصالح الأعمال الخيرية، أي ما يعادل 64 دولارا لكل شخص تحت خط الفقر في العالم.
بدوره لم يكن للملياردير الأمريكي الكبير «وارن بافيت» صاحب شركة «بيركشايرهاثواي» أن يتوانى عن المسيرة، ففي الأيام الماضية كان يعلن عن تبرعه بحوالي 3.17 مليار دولار لخمس مؤسسات خيرية حول العالم، وفي عام 2012، كان الرجل قد أعلن عن تبرعه بـ99% من ثروته التي تبلغ 44 مليار دولار لمنظمات خيرية، وقد صرح بأنه يعيش حياة طبيعية ومعتدلة رغم المليارات التي يمتلكها…
هنا يحق لنا أن نتساءل هل نحن أمام فصل غير معروف من فصول الرأسمالية الأمريكية تحديدا؟
قد يكون ذلك كذلك بالفعل فالولايات المتحدة الزاخرة بالتناقضات، نجد فيها أمثلة سيئة للرأسمالية المتوحشة التي حجمت وقزمت الإنسان، وجعلت منه «ترس» في ماكينة عمل عملاقة، لا هم له سوي إنتاج الدولارات صباح مساء كل يوم، وتاليا إنفاقها لتضحي أموال أمريكا داخلها، وليست بعيدة عنها، ورغم ذلك تظل الولايات المتحدة أكبر دولة مدينة حول العالم بإجمالي ديون خارجية تصل إلي ما نحو 18 تريليون دولار.
غير أن أمريكا عينها حافلة بالملايين من الأمريكيين من العوام البسطاء محدودي الدخل ، ومن النخبة المالية المهيمنة علي المشهد المالي هناك، هؤلاء وأولئك لهم دالة كبيرة جدا علي التبرع لأعمال الخير، سواء في داخل أمريكا أو في خارجها، وهي ظاهرة في واقع الحال تستحق الدراسة الجادة، لتبيان ما وراء هذا المشهد، وكيف يمكن أن يقوم مثل هذا التناقض في قلب الرأسمالية الأمريكية، والمعروف عنها ميلها الطبيعي لتحقيق أعلي الأرباح بأقل التكاليف.
يلفت الانتباه في الرأسمالية الأمريكية أمر مهم للغاية والذين قدر لهم العيش في بلاد العم سام يدركونه تمام الإدراك وهو الاستفادة من روح التجربة الدينية سواء المسيحية أو الإسلامية في كثير من المعاملات المالية، وفي المقدمة منها فكرة بيت مال المسلمين أو نظرية الحواريين في التعاطي مع أتباعهم… ماذا عن هذا الطرح؟
أبدأ ودوما تقوم التجربة الإيمانية الدينية علي التواد وعلي التراحم، ومن ثم علي التواصل والتعاطف الإنساني، إذ لا يسمح للأغنياء بأن يستأثروا بخيرات الأرض، فيما الفقراء يعانون من شظف العيش وقرص الجوع والفقر.
التجربة الضريبية الأمريكية بديعة في هذا السياق من جهتين، الجهة الأولي تتصل بالقوانين الضريبية، سيما وأن كل تبرع كبر شأنه أم صغر، يخصم من إجمالي الدخل، في تشجيع واضح ومرحب به من الدولة للحث علي عمل الخير، ومساعدة الفقراء، وتعزيز سبيكة المجتمع الأهلي هناك، وكذلك دعم الأبحاث العلمية، وغيرها من المؤسسات المدنية والأهلية، والتي تقوم علي تبرعات الأغنياء والشركات وأصحاب رؤوس الأموال.
الأمر الآخر في النظام الرأسمالي الأمريكي والمسألة الضريبية منه بنوع خاص يتصل بمفاهيم الربح والعطاء، فأنت هناك مسموح لك بأن تعمل كيفما تشاء، وأن تربح ما شاء لك أن تربح بالطرق المشروعة، ودون أي احتكار أو شبهة احتكار، لكن في الوقت عينه أنت مطالب بأن تدفع الضرائب على ما تكسب، وهي ضرائب تصاعدية تصل في حالة مثل هؤلاء المليارديرات إلى شرائح بنسبة 60% من إجمالي الدخل. وهنا فإن المردودات الضريبية يستخدم منها جزء بالغ لإقامة ما نسميه «العدالة الاجتماعية»، ذلك أن المشرع الأمريكي يضع حدا أدنى للدخل لكل أسرة ومن يقل دخله السنوي عن هذا الحد، يتلقى في نهاية العام تحويلا ماليا من الدولة يساعده علي الوصول إلى هذا الحد، ما يعني أن الجميع يعيش في مستوى مقبول ومعقول من الكرامة الإنسانية.
هل يمكننا القطع إذن بأن هناك بعض الجوانب المستنيرة في الرأسمالية الغربية عامة والأمريكية خاصة؟
على الرغم من العيوب الظاهرة في النظام الرأسمالي وفي أمريكا خاصة، وقد كان آخر وأخطر تلك العيوب، هروب كثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج أمريكا، وإلى آسيا الشرقية تحديدا، حيث الأيدي العاملة أرخص كثيرا، ما اضر إضرارا بالغا بالعمالة الأمريكية.
إلا أن النظام نفسه يحاول حماية هؤلاء من خلال ما يعرف بـ «راتب البطالة» الذي يوفر له الحد الأدنى من الحياة، عطفا على كثير من المؤسسات الصحية التي تقدم خدماتها لغير القادرين مجانا.
هل نحن أمام مفهوم العطاء يسود الولايات المتحدة والعديد من الدول الرأسمالية في واقع الأمر؟
كثيرا ما توجه انتقادات للسياسات الأمريكية من جهات عدة ولأسباب مختلفة، غير أن مفهوم العطاء عند الشعب الأمريكي يستحق نوعا من أنواع الثناء الإيجابي الصادق والخلاق، فهناك إيمان كبير جدا لدى الأمريكيين أنفسهم بأن العطاء قادر على تحقيق المنجزات والمعجزات، كما أن مشاركة الأفكار والمهارات والموارد من حولنا من شأنها أن تحسن العالم الذي نعيش فيه وتغيره تغييرا جذريا، وأنه مهما كانت ظروفنا فإنه في مقدورنا التأثير بصورة إيجابية علي حياة الآخرين..
هل من معركة عطاء حديثة تعيشها الولايات المتحدة حاليا ويتوقف معها الأمريكيون طويلا وبصورة إيجابية خلاقة؟
يبدو أن الجواب يأخذنا في طريق بعيد عن العطاء للأفراد والبشر، إلي العطاء لكوكب الأرض بصفة عامة، والحديث دائر هناك الآن عن العطاء لكوكب الأرض، سيما في ضوء انسحاب الرئيس ترامب من اتفاقية المناخ العالمية والتي يري أنها تؤثر بالسلب على أعمال وصناعات الأمريكيين… هل يمكن أن يكون هناك عطاء لكوكب الأرض عينه؟
المؤكد أنه حان الوقت للتوقف أمام الأضرار القاتلة التي سببتها الرأسمالية المنفلتة لمناخ كوكب الأرض إلى الدرجة التي جعلته قابلا للانفجار، إذ يقول العالم الرائد «ديفيد سوزوكي» لقد لوثنا الهواء والماء والتربة وتسببنا في انقراض الكائنات البرية، وقطعنا الغابات القديمة،، وفي النهاية انعكس هذا الازدهار الاقتصادي والصناعي الذي حققناه على مستقبل أبنائنا.
العطاء الأحدث في أمريكا اليوم يقوم به أفراد وعلماء وجمعيات أهلية ترى أنه حان الوقت لتصبح قضية حماية البيئة قضية جميع البشر، وليست قضية تخص حزبا يمينيا أو حزبا يساريا، وعليه فإنه عندما يقدم البعض على تدمير البيئة، يجب أن يكون هناك من يتصدى لهم ولأفعالهم ويتأكد من تحملهم لمسؤولية ما اقترفوه.
السؤال قبل الانصراف هل لنا في العالم العربي الاستفادة من تجارب جيتس وبافيت وزوكربيرج بصورة تخدم الإنسان العربي في حاضره ومستقبله، سيما في ضوء ما عرف تاريخيا عن العرب من الكرم والنخوة والشهامة ونجدة الملهوف ومساعدة المحتاج؟ .