مساحة محبة

حمدة بنت سعيد الشامسية –
hamdahus@yahoo.com –

لكونها كانت المرة الأولى التي أزور فيها المستشفى ذاك، لم أكن معتادة على الإجراءات فيه، وعلى كل أصاب بالتوتر بشكل عام من أجواء المستشفيات، زاد جهلي بالإجراءات من ربكتي وحدة التوتر عندي، استاءت رفيقتي التي اصطحبتها معي من المعاملة غير المرضية التي كنت أتلقاها بترددي على عدة أشخاص فثارت ثائرتها وفشلت محاولاتي في تهدئتها، فجأة ومن حيث لا أدري ظهرت إحدى ملائكة الرحمة بزيها الأبيض، وبنيتها الضخمة وبابتسامة اتسعت لتغطي وجهها كله، ساد المكان هدوء غريب لدخولها، اتجهت مباشرة لرفيقتي الثائرة مهدئة، مستفسرة عن سبب كل هذا الاستياء، وجدتهما تنظران باتجاهي فعرفت أنها كانت تشرح لها (سوء المعاملة) التي تلقيتها، رغم أنني لم أتذمر صراحة وكنت أحاول تهدئة رفيقتي وأشرح لها بأن أحدا لم يتعمد مضايقتي، أنا كنت جاهلة بالإجراءات وهم يحاولون شرحها لي..
تفاجأت بها تفتح ذراعيها على مصراعيهما لي، محتضنة إياي بحنان منقطع النظير، في محاولة لتهدئة روعي، الذي هو في الواقع لم يكن بحاجة إلى تهدئة بقدر ما كان يحتاجها روع رفيقتي، نظرت إلى الورقة التي حوت بياناتي الشخصية، ولفت نظرها تاريخ ميلادي على ما يبدو فبادرت مازحة، أيعقل أن تكوني أكبر مني؟ إنني أبدو كجدة لك رغم أنني أصغر منك سنا في الواقع، كانت هذه العبارة وحدها كفيلة بأن تجعل أية امرأة مكاني أن تغفر أية جريمة ارتكبت في حقها فما بالكم بسوء تفاهم بسيط كهذا، ومحو كل غضب آني ومستقبلي فلا إطراء يعادل إطراء يتعلق بعمر المرأة إلا ربما الإطراء بشأن وزنها.
من أين جاءت تلك المرأة بكل ذلك الحب وبكل تلك الإيجابية، كيف لها أن تبتسم في تلك الزحمة، كيف لذلك الحضن أن يكون بذلك الدفء لإنسانة لم تلتق بها يوما..
من عجائب الصدف أنني خرجت من المستشفى لمتنزه الصحوة مباشرة من أجل تنفيذ برنامجي الرياضي ذلك المساء، مرت بي امرأة فاضلة لكوني كنت أتقدمها أسرعت الخطى حتى وقفت بمحاذاتي، حيتني ومنحتني ابتسامة شعرت بأن تأثيرها السحري سرى في كل ذرة من كياني، فقد كانت ابتسامة صافية وصادقة، ثم همست في أذني بنصيحة، وجدت على ما يبدو أنني كنت أستحقها منها، بادلتها الابتسام الذي حرصت أن لا أكون أقل منها كرما بها، وشكرتها صادقة، للوهلة الأولى فكرت ماذا لو أن كل نصيحة أعطيت بذلك الأسلوب، كيف سيكون شكل هذا العالم، وكيف سنكون لو أننا تعاملنا مع بعضنا البعض بتلك المحبة التي تعاملت فيها تلك الممرضة مع المراجعين.
إلا أن رتم الحياة السريع وانشغالاتنا الدائمة يجعلنا نؤدي المهام بسرعة وبشكل آلي، لا نتوقف للحظات لنسمح بذلك التواصل البصري الذي تذوب معه كل الفوارق، أو تلك الابتسامة الصافية التي نراها عند كبار السن وهم يؤدون أصعب المهام و أيسرها بالرضا ذاته، فقد باتت المهام تؤدى بروح الواجب البحت، ففقدت تلك البهجة.