تفكيك أهداف السياسة الخارجية لروسيا

ديمتري ترينين –
ترجمة قاسم مكي – موسكو تايمز –

في أثناء أزمة أوكرانيا عام 2014، خرجت روسيا من نظام ما بعد الحرب الباردة وتحدت علنا هيمنة الولايات المتحدة. أنهى هذا عمليا 25 عاما من التعاون بين القوتين العظميين وافتتح عهد تنافس حاد بينهما. وبعد 3 أعوام من ذلك لا تزال موسكو سادرة في تمنعها. الهدف الفوري للسياسة الخارجية التي تتبعها موسكو هو الصمود في وجه الضغوطات التي فرضت عليها بواسطة واشنطن وحلفائها. فبعد أن عدلت اقتصادها ليتواءم مع أوضاع العقوبات وانخفاض أسعار النفط، تواصل روسيا البحث عن سبل التقليل من عزلتها السياسية. وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم في فضاء المعلومات. فمنذ فبراير 2014، ظل الرئيس فلاديمير بوتين يلعب دورا يماثل دور القائد الذي يخوض حربا. والكرملين حتى الآن يصمد بقوة ولا يتراجع أمام الخصوم. لقد خابت آمال روسيا في أن تنتهج إدارة ترامب مقاربة أكثر تفهما تجاه موسكو. كما فوجئت أيضا بالهزيمة المبكرة في الانتخابات الفرنسية لمرشحها المفضل فرانسوا فيون. وقللت سياسة دونالد ترامب المتشددة تجاه روسيا (إلى جانب الإجماع داخل المؤسسة السياسية الألمانية بوجوب مواصلة الغرب ضغطه على روسيا وانتصار إيمانويل ماكرون المؤيد للاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي في فرنسا) من فرص احتمال تلطيف الولايات المتحدة أو أوروبا مواقفها تجاه موسكو في الأعوام الأربعة أو الخمسة القادمة. ليست لدى الكرملين نية للتراجع أو مصالحة نفسه مع الغرب من خلال تقديم تنازلات أو وعود بتحسين السلوك. وكما جاء على لسان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف فقد انتهى عهد إرضاء الغرب على حساب المصالح الوطنية الروسية. بل على العكس من ذلك. فعملية روسيا في سوريا التي بدأت في خريف عام 2015 تشكل تحديا جديدا للنظام الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة. لقد كسرت روسيا احتكار الولايات المتحدة لاستخدام القوة في السياسة الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة وحققت عودة جيوسياسية مثيرة في منطقة تخلت عنها خلال الأيام الأخيرة للاتحاد السوفييتي. تتمثل الأولويات الرئيسية للسياسة الخارجية لروسيا، قياسا على تصرفاتها في أوكرانيا وسوريا، في وقف أي تقدم للناتو في أوروبا الشرقية وتأكيد مكانة روسيا كقوة عظمى خارج «المجال ما بعد السوفييتي». أما استراتيجية موسكو فهي إجبار شركائها السابقين الذين تحولوا إلى منافسين (أساسا الولايات المتحدة) على الاعتراف بالمصالح الأمنية لروسيا والقبول بأهميتها كقوة يحسب لها حساب دوليا. فتعامل روسيا مع الغرب حول قضايا مثل أوكرانيا وسوريا أو المسائل النووية الإيرانية والكورية الشمالية موجه نحو هذه الأولويات. كما تهدف موسكو من وراء اتفاق «مينسك 2» في فبراير 2015 إلى إيجاد عائق دستوري لا يمكن التغلب عليه في أوكرانيا لعرقلة انضمام كييف إلى حلف الناتو وإدراج عنصر موال لموسكو في الجسم السياسي الأوكراني. وتريد روسيا بوسيلة التسوية السلمية السورية في آخر المطاف الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بمكانة مساوية لها واستعادة دور القوة الخارجية الكبرى في المنطقة والاحتفاظ بسوريا كمعقل جيوسياسي وعسكري لها. يرتبط استعداد روسيا للتباحث مع أوروبا حول أوكرانيا وعرضها تحالفا ضد جماعة داعش في سوريا بآمال موسكو في التخفيف المطرد للعقوبات المفروضة عليها واستعادة شيء من العلاقات الاقتصادية مع أوروبا الغربية. كما كانت روسيا تأمل أيضا في أن تقود التطورات في الاتحاد الأوروبي بما في ذلك خروج بريطانيا من الاتحاد والانتخابات في فرنسا إلى اتحاد «أقل أطلنطية» وأقل ارتيابا من روسيا. ولكن هذه الآمال راحت هباء أيضا. لقد زاد شقاق روسيا مع الغرب من أهمية شركائها غير الغربيين. فتعزيز الروابط مع الصين والمحافظة على علاقات ودية معها يمثلان أولوية رئيسية. ولكن صياغة تحالف مع بيجينج تكون فيه موسكو الشريك الصغر ليس أولوية. ولم تتسع كثيرا علاقات موسكو مع الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا رغم دفئها وذلك أساسا لضعف اقتصاد روسيا. فتدهور أسعار النفط قاد إلى انكماش الصادرات الروسية بحوالي الثلث. ولم يعوض التوسع في صادرات الأسلحة الروسية هذا النقص. لقد دفع تدخل روسيا في سوريا موسكو إلى الدخول في تحالف ظرفي مع إيران وإلى تفاعل وثيق ولكنه ليس وديا مع تركيا. ويعتبر تعزيز التكامل الاقتصادي لمنطقة «آسيا الأوروبية» إحدى الأولويات الكبرى لموسكو ولكن قولا فقط وليس فعلا. فالأزمة الاقتصادية التي أثرت على كل بلدان آسيا الأوروبية بعد الحقبة السوفييتية أجلت الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي. أما الحفاظ على علاقات ثنائية وثيقة مع الشريكين المفتاحيين روسيا البيضاء وكازاخستان فيشكل أولوية وذلك فيما تؤكد كل من مينسك وآستانة على استقلالهما من موسكو. ومن جهة أخرى، لا يوجد ضمن قائمة المهام المدرجة في قائمة مطلوبات السياسة الخارجية لروسيا الاستيلاء على دول البلطيق أو تأسيس جيوب لها هناك. وحتى دمج إقليم دونباس الأوكراني الذي سيطر عليه الانفصاليون المعادون لحركة «ميدان» سيمثل مشكلة كبرى لروسيا اقتصاديا وقانونيا. وبدخولها الحرب المعلوماتية مع وسائل الإعلام الرئيسية في الغرب في أعقاب أزمة أوكرانيا، زادت روسيا بوتيرة عالية من أنشطتها في الداخل والخارج. فالدعاية الروسية تسعى دوليا لإبراز واستغلال مشاكل وصراعات خصومها وتقويض ثقة الشعوب الغربية في الديموقراطية وفي زعامة الولايات المتحدة. ويمكن القول أن «حراك» روسيا لا يقف عند ذلك الحد. فقد صارت تشارك بهمة في الجدل السياسي الغربي بما في ذلك أثناء الحملات الانتخابية. ففي الانتخابات الرئاسية عام 2016 في الولايات المتحدة وعام 2017 في فرنسا، أفصحت روسيا بجلاء عن تفضيلاتها. ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه مما يوسع من ساحة المعركة بين روسيا والغرب. لقد ذكر على نطاق واسع أن «الحراك السياسي» لروسيا في الغرب يملك أيضا بعدا سريا. ولكن من المفهوم أن الدلائل على ذلك مبعثرة وغير موثوقة. وبناء على المعلومات المتاحة بشكل علني، من الصعب الاستنتاج بأن روسيا كان بمقدورها التلاعب بالانتخابات الأمريكية وفرض خيارها على الشعب الأمريكي. أيضا يصعب افتراض أن الغرب نفسه كان سلبيا. فبالنسبة لبوتين ثمة نتيجة إيجابية غير مقصودة للعقوبات تتمثل في الحد من تعرض المسؤولين الروس لقدرات الغرب والحكومات الغربية في التأثير والضغط عليهم. ولكن من الواضح أن كبار الشخصيات الروسية لديهم العديد من المعاملات مع الغرب التي يمكن نظريا استغلالها ضد الكرملين.
وهذا يجعله أكثر قابلية للتأثر بهذا النوع من الاستغلال بدلا من العكس. كما يوجد في روسيا أيضا ساسة معارضون مثل ميخائيل خودوركوفوسكي وآخرين. أيضا يدخل بث وسائل الإعلام الغربية إلى غرف معيشة الروس. وستتضاعف الأنشطة الإعلامية في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية الروسية في مارس 2018. ولكنها لن تقتصر على تلك الفترة. وعلى الرغم من أن بوتين، كما هو مرجح، سيدخل فترته الرئاسية الرابعة رسميا والخامسة فعليا في عام 2018 إلا أن مستقبل ما بعد حقبة بوتين يزداد وضوحا مع كل عام يمر. وستكون الرهانات عالية جدا لكل الأطراف المعنية في كل من روسيا والغرب.
• الكاتب مدير مركز كارنيجي موسكو