أوراق: مجالس للعزاء أم للولائم؟

علي بن خلفان الحبسي –
mudhabi@gmail.com –

برز على سطح مجتمعنا المحلي خلال الآونة الأخيرة مناقشة ظاهرة ما يدور في مجالس وبيوت العزاء وما آلت إليها من موائد البذخ والإسراف وتنامي أحجام الصواني، وطول مدة العزاء، وما يترتب عليها من إرهاق لأصحاب العزاء مالًا وجسدًا، وربما الكثير من التفاصيل التي لم يدركها البعض تخفيها كواليس العزاء التي تحولت إلى مباهاة ومنافسة لدى البعض، حتى أن بعضها يظل لأكثر من ثلاثة أيام، وهي السنة المتعارف عليها منذ القدم في مجتمعنا العماني تصحبها بعض حبات التمر أو الرطب والقهوة، حتى أن بعض المعزين كانوا عند حضورهم للسبلة يحضرون شيئا من القهوة لإعانة المعزي على نفقاته، فيما اليوم قل التكافل الاجتماعي وأصبح أصحاب العزاء يجابهون تكاليف العزاء، وعزاؤنا لمن لا يقدرون على مجابهه هذا التيار، وأسفنا على المقتدرين، ونكثر من أسفنا على ما يترتب من عقوبة على من يرمون صواني العيش في موائد القمامة متخمة بما لذ وطالب من اللحوم وغيرها في مشاهد تتكرر طيلة أيام العزاء في السبلة، أما في بيت المعزين فحدث ولا حرج ماذا تفعل النسوة طيلة العزاء من نبش للسير والتاريخ والحضارة للمتوفى وأهله، لماذا وكيف مات وما السبب؟ فهل أنتم مخلدون في هذه الأرض؟
ونحن في صدد الحديث عن ظاهرة الإسراف في موائد العزاء يأتيك متحدث كأنه يوصل إلينا رسالة ليذكرنا بالنخوة والكرم والشجاعة وأن هذه الموائد عرفت منذ الأزل ويجب أن نتمسك بها وهي من العادات والتقاليد والكرم العماني الذي عرفنا به ويجب أن لا يتغير.
إذا تحدثنا عن العادات والتقاليد فهناك عادات يجب أن نتمسك بها أكثر من غيرها واندثرت، فلماذا نتمسك بالعادات والتقاليد التي نرغب بها ونتناسى عادات أخرى؟ نعم كمجتمع عماني عرفنا بالتكافل الاجتماعي والنخوة والكرم ويشيد بنا الكثير خارج الوطن قبل داخله، ولكن يجب أن يكون التمسك بالعادات والتقاليد في حدود المعقول وأن لا يخرج عن نطاق اللامحمود؛ لأننا بذلك نخرج عن الشريعة والسنة، ويجب أن يدرك الجميع بمراعاة لمن لا يستطيع في تحمل مثل هذه الأعباء.
في الوقت نفسه لا تستطيع الجهات المشرعة اليوم أن تسن قانونا بالمنع مما يحدث في مجالسنا في العزاء، بل علينا نحن أنفسنا من يشرع هذا القانون فيما بيننا ويوصله عبر مختلف الوسائل المتاحة، وعلى الواعظ والمعلم والمرشد والأب والأم وغيرهم أن يوجهون وينصحون بأن تكون السبلة والبيت لمواساة المعزي، وأن نتقبل هذا الأمر بروح حضارية، وأن يشترك الجميع في الدعوة لمثل هذا التوجه، ونبذ هذه الظواهر وغيرها من الظواهر التي تؤرق المجتمعات والأسر.