ليس مجرد «مهرجان».. بل «موسم سياحي» طويل

محمد حسن داود –

,, تكاد نسمات الربيع الأوروبي العذبة وأجواؤه الصافية أن تملأ جنبات المكان وأركانه لحظة كتابة تلك الكلمات عن صلالة ومهرجانها السياحي المفعم بعبق التاريخ وعراقته والحاضر بحداثته ورونقه ,,

فبينما تنوء دول شرق أوسطية عديدة، بل ومناطق مختلفة على خريطة العالم من ظاهرة فريدة من نوعها اسمها ( جمرة القيظ ) تصل خلالها درجة الحرارة إلى أكثر من السبعين مئوية مما قد يؤدي إلى اشتعال حرائق تلقائية، وبينما تمتص الرطوبة التي تتجاوز التسعين في المائة الهواء والأوكسجين الذي يمثل رئة البشرية، حبا الله محافظة ظفار بطقس فريد من نوعه في هذا التوقيت من العام قد لا نجد له مثيلا في أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها على أقل تقدير، ما يجعلها قبلة للباحثين عن الراحة النفسية والسعادة العائلية بطقس شديد التميز، والاسترخاء والاستشفاء معا دون التضحية بالمتعة الروحية من خلال الفعاليات الثقافية والرياضية والفنية والتراثية والترفيهية الحديثة والتاريخية، وممارسة التسوق في أجمل صوره الهادئة والممتعة وسط أجواء تكسوها المحبة وثقافة التسامح التي باتت سمة بارزة ومميزة للمجتمع العماني في مختلف أرجائه.
وللباحثين عن السياحة الموسمية المتميزة، قلما تجتمع كل تلك المقومات والمظاهر في مكان واحد من حيث جمال الطقس وروعة الطبيعة والبيئة الخلابة وتنوع المشاهد والمواقع السياحية والتاريخية والحديثة والمعمارية والنباتية التي لسنا في حاجة إلى إعادة رصدها وتسميتها من جديد كونها بالفعل أشهر «من نار على علم» ، كما يقال، ولتكرار الحديث عنها في أكثر من موقع وأكثر من مناسبة، تدفع الكاتب أو السائح أو الزائر إلى التأكيد على أن نحو عشرين عاما من الحفاظ على دورية إقامة وتنظيم مهرجان صلالة السياحي قد رسخت أقدامه وثبتت مكانته محليا وإقليميا وعالميا وأنه من الظلم البين الحديث عن «فعاليات مهرجان صلالة» السنوية باعتبارها مجرد «مهرجان» سنوي عادي، فالمهرجانات عادة قد تستمر يوما أو أسبوعا أو حتى شهرا، أما أن يستمر مهرجانا لفترة قد تتجاوز الشهرين من عمر الزمن فذلك يعني أننا بصدد شيء مختلف أقرب ما يكون إلى «الموسم أو الفصل السياحي» الكامل بمفهوم « السيزون»، فعندما يكون الحديث عن «مصيف» أو « مشتى» في أي دولة من دول العالم فنحن بصدد حديث عن موسم سياحي طويل، وعندما نتحدث عن « مهرجان صلالة » فإننا بذلك بصدد الحديث عن موسم سياحي طويل يمكن استغلاله بطاقته القصوى أفضل استغلال ممكن.
ولعل القائمين على الأمر يأخذون ذلك في اعتبارهم ويخضعونه لدراسة طويلة ودقيقة لبحث إمكانية التغيير والتطوير، لأن تغير المفهوم أو الرؤية من شأنها تبديل وتطوير استراتيجيات طويلة المدى وبرامج متوسطة وقصيرة المدى ستساعد بكل تأكيد على تعظيم القيمة المضافة المتحققة من النهج الجديد أو الرؤية الشاملة المطروحة بأن تتحول صلالة ومحافظة ظفار بوجه عام، وكل ما يرتبط بها من أنشطة إلى قبلة سياحية عالمية متكاملة بحسن استغلال ما تمتلك من مقومات وعناصر تميز سياحية وبيئية وتراثية وتاريخية كما سبق الذكر، ومن ثم فإنه لا يمكن التعامل مع الحدث باعتباره مجرد مهرجان سنوي يضيف إلى الاقتصاد الوطني فحسب، ولكن باعتباره « موسما متكاملا » يضيف الأشياء الكثيرة للسلطنة في مختلف المجالات التي ستنعكس إيجابا بالقطع على المواطن العماني في الداخل وعلى الوضعية العمانية – الممتازة من الأساس- في الخارج، بعدما شكل المهرجان وسيلة مهمة من وسائل الترويج السياحي الداخلي والخارجي للسلطنة، ومقصدا لمختلف العائلات والأسر العمانية والجاليات العربية والأجنبية المقيمة، بالإضافة إلى استقطابه العديد من مواطني دول المنطقة، الأمر الذي هيأ جوا صحيا وممتازا لإعطاء دفعة اقتصادية متقدمة تعود بالنفع على الوطن وأبنائه.
وما من شك في أن المهرجان يكرس بالفعل مفهوم «السياحة العائلية» ولها أهمية كبيرة على الصعيد الخليجي بشكل خاص والعربي بشكل عام، إلا أن ذلك لا يحول دون توسيع مفهوم السياحة العائلية التي يكرسها المهرجان لترويجها وتسويقها في كل أنحاء العالم، فقد تمكن المهرجان وعلى مدار السنوات الماضية من تجاوز مفهوم المحلية إلى الإقليمية، وأغلب الظن أنه بحاجة إلى مزيد من الجهود لتكريس مكانته العالمية، ولن يتحقق ذلك بالتأكيد إلا من خلال جملة من العوامل والخطوات من بينها الذهاب إلى أقصى مدى ممكن واستغلال كل الوسائط والوسائل المتاحة داخليا وخارجيا لإبراز قيمة الكنوز الحقيقية والمقومات الفريدة التي تحتويها محافظة ظفار وفي القلب منها «صلالة»، فحسن عرض «البضاعة» وتسويق جودتها، هو الضامن الأكبر لتحقيق أعظم قيمة مضافة من ورائها، وليس خافيا أن القائمين على الأمر يبذلون أضخم مجهود لتحقيق ذلك وهو ما يتبدى في حوارات وأحاديث كبار المسؤولين عن المهرجان في السلطنة .
وأكثر ما يطمئن في الأمر إيمانهم بأن مهرجان صلالة السياحي يسهم في إثراء الحركة السياحية والتعريف بأهم المعالم الحضارية والتاريخية والطبيعية للسلطنة بشكل عام ، وظفار على وجه الخصوص، ما يدعو إلى مواصلة النهج الذي يحقق التطور النوعي والكمي مع زيادة أعداد الزائرين، وكشفهم عن أن هناك لجانا تقوم بوضع تصورات ومرئيات تحقق الطابع الحضاري والعصري في جميع أروقة المهرجان وفق الإمكانات المتاحة وبتعاون كافة القطاعات والمؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة والجهات الأمنية التي تقوم بدور ملموس لتحقيق النجاح للمهرجان الذي بات – وفقا لرؤيتهم الدقيقة – ذا جدوى اقتصادية مهمة إلى جانب الأنشطة الثقافية والاجتماعية والترفيهية التي يقدمها، من خلال الترويج والتسويق الناجح للمهرجان، واستقطاب مختلف المؤسسات والشركات التي هيأت جوا اقتصاديا وقوة شرائية واستهلاكية من قبل زوار المهرجان فضلا عن إظهاره البعد الاقتصادي للمهرجان في توفير فرص عمل للشباب العمانيين في مختلف المجالات والتخصصات، وشكل لهم فرصة سانحة لكسب الخبرة وصقل مهاراتهم للانطلاق إلى ما هو أفضل، وهذا بحد ذاته – ووفقا لتأكيداتهم – مكسب وطني مهم حيث يوفر المهرجان فرص توظيف كبيرة بلغت حوالي 6500 فرصة عمل للعديد من شرائح المجتمع المختلفة وكانت الأولوية للأسر ذات الدخل المحدود بالإضافة إلى استفادة أصحاب سيارات الأجرة، وأصحاب المقاهي والمطاعم، والفنادق والعقارات، والمؤسسات والمراكز التجارية وغيرهم الكثير، بالإضافة إلى زيادة حركة الأشغال في الفنادق حيث تصل إلى 100 % وزيادة حركة التسوق.
هذا الحس الوطني المسؤول بأهمية المهرجان ومكانته الحالية والمستقبلية هو في حد ذاته منصة انطلاق قوية نحو مزيد من التطوير والتحديث والاستغلال الأمثل للمقومات الزمانية – المكانية في صلالة، وبالتأكيد الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهود، ليس للحفاظ على ما تحقق بالفعل ولكن بمزيد من البناء عليه من خلال وسائل متعددة ومتنوعة، على رأسها الحرص على تنويع وترويج المنتج السياحي المتميز الذي تحظى به صلالة وطرحها كوجهة سياحية موسمية وليست مجرد مهرجان سنوي، وضخ وجذب الاستثمارات السياحية الداخلية والخارجية وإشراك القطاع الخاص بأكبر قدر ممكن لبناء وتشييد القرى السياحية المتكاملة حيث من شأنها رفع الطاقات الفندقية الاستيعابية لأكبر عدد من الزائرين والعائلات وجذب الشركات العالمية الكبرى المتخصصة في المجال السياحي والفندقي، على أن تقدم الجهات المعنية رؤيتها فيما يتعلق بالمشروعات السياحية المرجوة وتقديم التسهيلات الكفيلة بجذب المزيد من الاستثمارات لهذا القطاع.

أضف إلى ذلك ضرورة المشاركة في الفعاليات العالمية، حيث باتت بالفعل المعارض والأسواق السياحية المتخصصة ذات أهمية كبرى في التسويق السياحي وتكوين علاقات ضخمة مع الشركات السياحية الكبرى لوضع صلالة على رأس المقاصد السياحية العمانية وعلى خريطة السياحة العالمية من خلال برامج طويلة المدى وكذلك دعم الطيران العارض، فسياحة المجاميع أصبحت مهمة في إحداث طفرة حقيقية في أعداد السائحين وباتت رحلات الطيران العارض مهمة في هذا السياق بحكم ارتباطها بخفض التكاليف مع ضمان التشغيل الاقتصادي الكامل، ومن ثم يجب العمل على دعم هذا النوع من الطيران مباشرة إلى محافظة ظفار.
وفي السياق ذاته من المهم تطبيق وتوظيف التقنيات الحديثة في الترويج لمهرجان صلالة السياحي، سواء في إعداد ونشر المعلومات السياحية المرتبطة به وبفاعلياته، وترتيب وتنفيذ البرامج السياحية وإعداد وتأهيل الكوادر السياحية والعمل على رفع كفاءة العنصر البشري من خلال التعليم والتدريب والاهتمام بوعي المجتمع في مجال السياحة، وذلك من أجل إيجاد صناعة سياحية راقية والاستفادة من الإمكانيات الهائلة لشبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) في العمل على زيادة معدل نمو الاستثمار السياحي والفندقي لتحويل صلالة إلى مقصد سياحي عالمي يكرس ثقافة السياحة العائلية بدلا من اعتباره مجرد مهرجان سنوي.