مقاطعة الكتاب محزنة

عادل محمود –

ـ 1 ـ

حتى بأجنحته المحلية… معرض الكتاب في دمشق يستحق المديح. فهو مكان له خصوصيته وجمالياته…خاصة هذه الأيام حيث البشر يلتقون في ظلال السيوف.ففي ظل المقاطعة العربية والأجنبية لم يعد المعرض (إقليمي ـ عربي، ولا دولي – عالمي). المقاطعة التي تقول لدمشق: حتى لو لم نأت لأسباب المقاطعة، فإننا لا نتمكن من الحضور لأسباب النقل. ولاعتبارات الربح والخسارة. ثمة دول ستعاقب الناشر المشترك في المعرض يستحق المديح… لأن قذيفة هاون تسقط ممكن أن تلغي، ليس المعرض، وإنما خروج الناس من البيت.
ويستحق
ويستحق المديح… لأن المعرض أتاح للناس فرصة النزهة الثقافية والاجتماعية. ولقد جاء الناس على نحو متزايد، متزايد يومياً. وكانوا قليلي المال… كثيري الشراء.
يستحق المديح …لأن عدداً من الكتّاب حضروا حفلات توقيع كتبهم، ولأن الكتاب التقوا بالناس وتعرفوا إليهم، ولأن القسم المعرفي من فضول القراء كان حاضراً في رفوف المعرض وحقائب الناس.صحيح أن غياباً ملموساً لعدد كبير من الكتاب كان واضحاً لمن يعرف، ولكنه لم يكن ملموساً بصورة تجعل القراء يتساءلون عمن غابوا. ولكن ذاكرة هذا الفضاء مازالت مليئة بالأسماء التي رحل معظمها عن هذه الدنيا. حنا مينه، آخر نجوم الكتابة، لا يستطيع الحضور بسبب المرض، ونجوم الكتابة السورية الشبان والفرسان لا يحضرون فهم في المهجر والمنفى. والمؤسف أن عاصمة النشر العربية، بيروت لم تأت، وغياب دور نشرها لا يسد فراغه أحد، وهي التي تزودنا بكتب خارج الرقابة، وبمنوعات من ثقافة العالم. لكن ثمة ذكريات عن تلك المواسم المزدحمة ترفرف في هواء الأجنحة.معرض دمشق يغيب عنه الكتّاب الذين ذهبوا إلى الخارج ليكتبوا من هناك… من المنافي ما لم يكتب في الأوطان. وليقودوا، من شرفات بلاد الآخرين، شمس بلادهم القادمة. وليكونوا شهوداً على ما لم يشاهدوه.الكتابة في المنفى ضرورية كالكتابة في الوطن، ولكن الاثنين شرطهما الإبداع، وليس صرخة المتألم…شرط الجمال، وليس بشاعة الآخر. ترميم النقصان وليس إنقاص المتوفر.

ـ 2 ـ

هذه القصاصة…قرأتها في كتاب، في المعرض، وجدتها صدفة، وأنا أقلب صفحاته:عندما تمكن الجاسوس المصري الأسطورة «رأفت الهجان» من اختراق المجتمع الإسرائيلي،طلبت منه المخابرات المصرية أن يقوم بتجنيد جواسيس يهود يثق بهم للعمل لصالح المخابرات المصرية. فاقترح رأفت الهجان اسم «استربولينسكي» سأله ضابط المخابرات: ولماذا اقترحت هذا الاسم بالذات؟ فأجابهم الهجان بأن «استر» يهودية متمردة على مجتمعها، ودائمة الانتقاد للمجتمع الإسرائيلي، ولا يعجبها السياسة ولا الحكومة الإسرائيلية. وهذا ما يجعلها هدفاً للتجنيد.صرخ به الضابط. وأمره أن يتجنب هذه الفتاة بالذات، وأن يكون شديد الحذر في التعامل معها، وألا
يرتكب خطأ أو هفوة أمامها هي بالذات.
استغرب الهجان. وسألهم: لماذا؟
فأجابه الضابط: إن الشخص دائم الانتقاد لمجتمعه وحكومته وسياسة بلاده… هو أكثر الأشخاص
وطنية وحباً لبلده.
ـ 3 ـ
رأيت حلماً مزعجاً:
كان كتاب «دون كيشوت» يحرق في هذا الحلم.
وكنت أتساءل: أية قوة، أو نظام أرضي، أو ما فوق أرضي يمكنه أن يبرر فعلة كهذه؟
الشعور نفسه سينتابني، لو كنت عربياً وسمعت بحرق كتاب «ألف ليلة وليلة» ـ «خوان غويتسيلو».
ـ 4 ـ
في اليوم الأخير لمعرض الكتاب… انتشرت، في أروقة ورفوف المكان، رائحة وداع احتفالي
للأشخاص، وللكتب، و… للزمن !
لقد غدا كل شيء، في بلادنا، وداعاً مؤلماً.