دروس من الحرب ضد داعش

سمير عواد –
أسفرت معركة استعادة مدينة الموصل، ثاني أكبر مدينة عراقية، عن خسارة ما يُسمى تنظيم داعش  في العراق وبلاد الشام، أهم معقل له منذ أن خلف تنظيم «القاعدة» وأصبح التنظيم الإرهابي الأبرز في المنطقة.

ويتعلق الأمر بالوقت فقط حتى يبدأ الائتلاف الدولي المناهض للتنظيم، معركته الحاسمة ضد «داعش» في معقله الأخير في مدينة «الرقة» السورية، حيث يُعتقد أن المدعو أبو بكر البغدادي، الذي نصب نفسه خليفة في منتصف يونيو 2014 وتم الإعلان مرارا أنه قد قُتل، لجأ إلى «الرقة». غير أن جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي، يشك بمقتل البغدادي، وصرح ردا على معلومات نشرها موقع المرصد السوري لحقوق الإنسان في لندن، والذي أصبح يعاني من الشك في المعلومات التي ينشرها وتنقلها عنها مختلف وسائل الإعلام العربية والدولية.
وبعد الدمار الهائل الذي لحق بمدينة «الموصل»، وخصوصا في المناطق والأحياء التي كان يقيم فيها المسلمون السنة، وبحسب «جو لانديس»، الخبير السياسي في جامعة «أوكلاهوما» الأمريكية ، فإن مستقبل العراق، يعتمد إلى حد كبير، على نجاح جميع العرقيات والطوائف العراقية في العيش مجددا مع بعضهم البعض في أمن وسلام، والتغلب على أحقاد الماضي والنزاعات والأزمات التي خلفتها النزاعات المسلحة التي واجهها العراق خلال السنوات الطويلة الماضية، وأكد أن الكثير يعتمد على استعداد الجانب المنتصر في معركة «الموصل» لتحقيق الوحدة الوطنية في العراق.
وما يشير إليه الخبير السياسي الأمريكي، يعكس رأي الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين من مختلف أنحاء العالم، الذين يرون مثل السابق، أن المشكلات الأساسية للعراق بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في عام 2003، والتي تؤجج النعرات والتوترات والنزاعات المسلحة والإرهاب، تنبع من استثناء المسلمين السنة من العملية السياسية في العراق، وعزلهم واضطهادهم. كما أن تسريحهم من الجيش بعد الغزو الأمريكي ومن المؤسسات الحكومية، وحصرهم في مناطقهم، كان وما يزال السبب الرئيسي في انضمام الكثيرين منهم لصفوف «داعش»، وكانت منظمة العفو الدولية والمنظمة الحقوقية الأمريكية «هيومان رايتس ووتش»، قد قامتا بتوثيق جرائم الإعدام والتنكيل والتعذيب التي تعرض لها معتقلون متهمون بأنهم ينتمون إلى التنظيم، ومعهم أفراد من عائلاتهم، واعتبرت منظمات حقوق الإنسان أن هذه كانت عمليات انتقام، وتشكل حجر عثرة أمام المصالحة، علاوة على أنها تشجع الكثيرين من الناجين من معركة «الموصل» على الانضمام لصفوف «داعش»، الذي يفترض أنه يلعق جراحه بسبب خسارته المدينة التي كان فخورا بسيطرته عليها.
ويستفيد «داعش» من ضعف الدولة التي ينشط فيها، مثل ظهوره أولا في العراق، بعد الإطاحة بنظام صدام، وفشل الحكومات المتعاقبة على السلطة بعد ذلك، في تحقيق الوحدة الوطنية، ومعاملة المواطنين العراقيين بالتساوي بغض النظر عن عرقياتهم وانتماءاتهم الدينية والسياسية، ثم وسع «داعش» نفوذه إلى سوريا، بعد اندلاع الحرب الأهلية فيها.
ويرى يزيد صايغ، الخبير السياسي العراقي المقيم في بيروت، أنه بالإضافة إلى ما سبق من أسباب حول فشل السلام الداخلي في العراق، يلعب انتشار الفساد دورا بارزا في فشل الحكومة العراقية، أضف إلى ذلك، فشلها الذريع في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين العراقيين، حسبما يرى البعض على الأقل، والتقاعس عن الاستثمار في مجال النفط، لكي يستعيد عافيته ويشكل المورد الرئيسي لموازنات الدولة، بدلا من الاعتماد على الدعم الخارجي.
ويؤيده في هذا الرأي، (د. جيدو شتاينبيرج)، الباحث الألماني المعروف في قضايا الإرهاب، الذي قال مؤخرا أنه متأكد من أن إيديولوجية «داعش» سوف تبقى قائمة بعد خسارته مدينة «الموصل»، وسوف يستعيد قوته حالما يلملم جراحه ويتمكن مجددا من تمويل نشاطاته، علاوة على أن كل خطأ ترتكبه قوات «الحشد الشعبي» العراقية، بقتل مواطن عراقي بريء، يُعتبر خدمة إعلامية مجانية لصالح تنظيم «داعش» بشكل أو بآخر.
ويرى «لؤي المدهون»، المعلق في إذاعة وتلفزيون «صوت ألمانيا»، أن ما تم الترويج له من انتصار كبير للقوات العراقية والحكومة العراقية، في استعادة مدينة «الموصل»، قد يتبخر في الهواء، إذا لم يتم تعزيزه على الأرض، فليس معنى فقدان «داعش» السيطرة على «الموصل»، أنه تم القضاء على التنظيم بشكل تام أو نهائي، فالكثيرين من مقاتلي التنظيم تمكنوا من الفرار، استعدادا على الأرجح، لمواصلة نشاطاتهم العسكرية ضد أنظمة المنطقة حالما يتمكنون من ذلك.
كما يشير الهولندي «توماس أوليفر»، خبير الإرهاب، إلى أن «داعش» ما زال يسيطر على مناطق في العراق وسوريا، كما تمكن من الانتشار في مناطق خارج المنطقة، في شمال وغرب وشرق إفريقيا، وفي جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، وأضاف «أوليفر» أيضا أن ما يثير قلقه، هي قدرة التنظيم على القيام باعتداءات مباغتة في كثير من الأماكن، وفي أي وقت تقريبا، مثلا أنه يدعو عبر الشبكة العنكبوتية المؤيدين له للقيام باعتداءات من خلال استخدام أدوات في المطبخ تتحول إلى سلاح بأيديهم، مثل السكاكين، لتنفيذ أعمال قتل، كما نجح في اجتذاب المتعاطفين معه من شباب وشابات للسفر إلى سوريا والعراق والانضمام لصفوفه، وأكدت وزارة الخارجية الألمانية مؤخرا أن خمسة نساء ألمانيات على الأقل، تم اعتقالهن خلال معركة استعادة «الموصل»، ويعتقد وزير الخارجية الألماني توماس دوميزيير، أن هناك المئات من المقاتلين في صفوف التنظيم، يحملون الجنسية الألمانية. ويرى «توماس أوليفر»، أن «داعش» سوف يركز بعد خسارته «الموصل» على ما يسمون بـ«الذئاب المنفردة» و«الخلايا النائمة» في الغرب، للقيام باعتداءات في المدن الأوروبية، وقال: إن السبيل الكفيل بتفادي هذه الاعتداءات، هو الكشف المبكر عن المتعاطفين مع «داعش»، ومحاولة إبطال عمل الاتصالات بينهم، التي تتم عبر الشبكة العنكبوتية لقطع الطريق على انتشار إديولوجية التنظيم في أرجاء العالم.