عـوائـق الاقتبـاس الثقـافي وتحدّيـات الانبعـاث الحضـاري

المهدي مستقيم –
لم تتمكّن الدولة العربيّة من تشييد التحديث المزعوم بتوظيفها شعارات التنمية، ذلك أنّ هذه التنمية اقتصرت ثمارها على رجالات الدّولة وزبائنها، ولم تشمل القاعدة المجتمعيّة التي ظلّت غارقة في أنهار التخلّف والجهل الراكدة والموحلة، إذ لا يُمكن للحداثة أن تنمو خارج قاعدة اجتماعيّة تحقِّق لها الدفء. إنّ وضعًا كهذا لن يؤدّي بشباب مجتمعاتنا سوى إلى الانغماس في أتون الدّين السياسيّ ومُمارسة التشدّد باسمه، وبناء أبراج الخلاص داخله.

«إنّ فشل الدَّولة السلطوية في تحقيق تنميتها المزعومة نتج عنه نوعان من ردّ الفعل: الأوّل ذهب إلى أنّه لا تنمية حقيقية بغير تنمية سياسية ديمقراطية أساسها حقوق الإنسان، واعتُبرت باطلة الأطروحة التي تقول إنّه لا بدّ أوّلاً من تنمية اقتصادية حتّى تتحقق الشروط الموضوعية للديمقراطية، وأنّ النضج الديمقراطي لا بدّ من أن يسبقه نضج اقتصادي. فكانت النتيجة أنَّ حرّيات الناس وحقوقهم الإنسانية وقعت التضحية بها من أجل تنمية اقتصادية لم تتحقّق. ولذلك لا بدّ من وضع الأمور في سياقها الصحيح، وهو أنّ التنمية إنّما هي بالناس ومن أجل الناس، فلا يجوز أن يُستعملَ الناس وسائل من أجل غايات أخرى حتّى لو كانت باسم التنمية، ذلك أنّ الإنسان غاية لا وسيلة. وهناك ردّ فعل ثانٍ ناتج هو أيضًا عن فشل الدّولة السلطوية في إنجاز تنميتها المزعومة: وهو رفض الحداثة بما فيها الحداثة السياسية والتي أساسها الديمقراطية. هذا هو موقف ما سمّي بالإسلام السياسي الذي تمثّله «الأصوليّة». فما دامت التنمية -نظريًّا- هي طريق إلى الحداثة، وما دامت الدَّولة السلطوية قد فشلت في تحديث المجتمع، فقد كفر «الإسلام السياسي» بالتنمية وبالحداثة جميعاً» (علي أومليل، سؤال الثقافة،2005).
لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال أن يقبل الأصولي الحداثة ولا حتّى الإصغاء لصوتها الحيويّ، ذلك أنّ منطق الحداثة قائم على التغيير، في حين نجد الأصولي يعطِّل حركة النصّ ويجمِّد أصوات معانيه المتعدّدة ويحيطها بأسلاك دوغمائية شائكة، تفرض القراءة الواحدة والمعنى الواحد، الذي يحوِّل النصّ إلى بركة آسنة راكدة، وبالتالي يظلّ النصّ مجمَّدًا تحيطه أسوار صلدة تعزله عن الزمان.
ولعلّ ما يدفع الأصولي من وجهة نظر علي أومليل، إلى رفض الحداثة بما هي تغريب، اختزاله لها في معنيَيْن:
أوّلاً: لأنّها تغريبٌ للإسلام إذ يصبح غريبًا بين أهله.
ثانيًا: لأنّها اقتداء بالغرب. فإذا كان الإصلاحيون المسلمون منذ القرن التاسع عشر قد دعوا إلى الاقتداء بما هو صالح نافع للمسلمين من تنظيمات وقيَم غربية، فإنّهم لم يرفضوا الغرب برمّته. فقد قبلوا بمبادئ وتنظيمات، وهذا ما يدخل في صلب الحداثة السياسية. فدعوا مثلاً إلى الديمقراطية بحجّة أنّ الإسلام نفسه أمر بالشورى. أمّا «الأصوليّون» اليوم فيرفضون الديمقراطية؛ لأنّها في اعتبارهم شرك بالله في حكمه وشرعه. من هنا نجد روّاد التشدّد الأصولي، يرفضون المفهوم الديمقراطيّ للسيادة بأن تكون للشعب أو للأمّة، يمارسها مباشرة بالاستفتاء أو على نحو غير مباشر بالانتخاب، فالسيادة لله وحده ، فالمجلس التشريعي (البرلمان) حرام لأنّ البشر لا يشرّعون لأنّ الله قد شرّع شريعته نهائيّاً وإلى الأبد.
يرفض الأصولي إذن أيّ إمكانية للحوار والتقابس مع الحضارات الأخرى، والأخطر من ذلك أنّه يدعو إلى ضرورة فرض الإسلام ليس بالدعوة فقط، وإنما بالجهاد أيضًا، أي بالعنف وإسالة الدماء. يؤدّي هذا الانغلاق اللّاهوتي الذي يطبع الفكر الإسلامي إلى تشكيل إكليروس ديني مضمر يتحكّم بالإسلام ويرفض أيّ تأويلية مُستجدّة له، بل ويُظهِر عداوة مقيتة للعلوم الحديثة التي ليس له أدنى دراية بتخصّصاتها؛ وعلى الرّغم من ذلك نجد الشيخ الهمّام يفتي في كلّ المجالات، بدءًا من السياسة والاقتصاد وصولًا إلى الفنّ والاستنساخ… ويظهر فهمه على أنّه حُكم القرآن والإسلام. فالأمر يتعلّق بأرثوذكسية عقائدية تؤدّي إلى تشكيل سياج سميك حول نفسها، وحول عقيدتها وأفكارها ويقينيّاتها ومسلّماتها، وتعمل على حصرها وحصر أتباعها في تلك المنطقة المسوَّرة والمسيَّجة والمُغلَقة من كلّ الجهات، الشيء الذي يؤدّي إلى الانقطاع والانعزال. السياج الدوجمائي يضع حدودًا بين المفكَّر فيه والمستحيل التفكير فيه، ومن جهة أخرى يؤدّي إلى الاعتقاد بامتلاك الحقيقة دون الغير واتّخاذ مواقف مسبقة وإصدار أحكام جاهزة تؤدّي إلى تكفيره، وبالتالي إلى استباحة دمه. لكن أليس كلّ مجتمع عقائدي يحيط نفسه بسياج رمزي؟ إنّ الأمر يتعلّق إذن بعائقٍ فكريّ، (هو المعارضة الغبيّة الجاهلة أو التفنيد الماكر. القول إنّ الحداثة كانت مروقًا، تنطّعًا، جهالةً، ندم عليها أصحابها فلزمت التوبة على القائمين عليها والقائلين بها والداعين إليها. هذا عائق لا سبيل إلى استئصاله، فأمره موكول إلى الحداثة ذاتها، تقهره وإمّا يتلفها، وإذا كان التلف فكلّنا خاسرون) (عبدالله العروي،عوائق التحديث، 2008).
فضلًا عن العوامل المذكورة أعلاه، هناك عامل آخر يحول دون قيام حوار حضاري مع الغرب من شأنه أن يحقِّق إمكانات الاقتباس والتقابس، ويتجلّى في أزمة منظومتنا التعليمية، الراجعة بالدرجة الأولى إلى ألفة المدرِّس بمحيطه المجتمعي البئيس، إذ لم يتمكّن هذا الأخير من القطع مع منظومة القيَم البالية الماحقة السائدة في حقله الاجتماعي، بل إنّه لا يتوانى في نقلها وتسريبها بوعي أو بدونه إلى محيط المدرسة، لتترسَّخ من ثمّة في أذهان المتعلّمين، وكأن المدرِّس أصبح ماكينة في يد المجتمع، تُعيد إنتاج قيمه ومعاييره التقليدية البدوية، وتحفظها. بيد أنّ مستوى التعليم اليوم أو بالأحرى مستوى المدرِّس، يتأثّر بمستوى الثقافة العامّة، فمن «أهداف التعليم تمكين الأذهان والقدرات على الانفتاح على المحيط الخارجي. وهذا المحيط قد اتّسع الآن بسعة العالَم، نظرًا لانفتاح عالَم اليوم وتشابكه بفضل تطوّر تكنولوجيا الاتّصال والمعلومات. إلّا أنّ تعليمنا أصبح يدور حول نفسه فيُكرِّر إنتاج معرفة محلّية نظرًا لعدم مسايرته تطوّر المعرفة في العالَم المتقدّم. فقد تضاءلَ احتكاك الجامعات العربية بالجامعات المتطوّرة، كما أصبح هزيلاً أو منعدماً اقتناء الدوريّات والكُتب العلميّة، وكلّ هذا لأسباب مالية، أو إيديولوجية (بدعوى تحصين العقول من الغزو الثقافي الأجنبي!). وإذا أضفنا إلى هذا كلّه تضاؤل -أو انقراض – المعرفة باللّغات الأجنبية، فإنّ النتيجة أنّ المعارف التي تُعطى في المدارس والمعاهد والجامعات معرفة محلّية تكرِّر نفسها ولا تُساير مستويات المعرفة المتقدّمة في عالَم اليوم»(علي أومليل، سؤال الثقافة).
فضلاً عن هذه العوائق، هناك عائق آخر يُعرقل إمكانات الاقتباس والتقابس مع الغرب ، وهو المتمثِّل في العرقية الثقافية الغربية التي أرجع إليها علي بن مخلوف في كتابه «لِما قراءة الفلاسفة العرب، الإرث المنسيّ»(منشورات ألبان ميشال الفرنسية،2015)، تهميش إسهام الفلسفة العربية في تشكيل التراث الإنساني، والتي روَّجت لأفكار نمطية أُلصقت بالفلسفة العربية، كونها تنطلق من أُسس دينية إسلامية من جهة، وكونها تكراراً للفلسفة اليونانية من جهة أخرى، وهذا ما نجده حاضرًا بقوّة لدى أرنست رينان، الذي يُقصي إسهام الفلسفة العربية في تشكيل التراث الإنساني، إذ ليس لدينا، بحسب رأيه، ما نتعلّمه لا من ابن رشد ولا من العرب ولا من العصر الوسيط.
هذه العرقية الثقافية الغربية تروِّج لإيديولوجيا ليبيرالية جديدة مفادها أنّ الثقافة الغربية بقيمها هي مصدر الحداثة الاقتصادية والديمقراطية اللّيبرالية، على أنّ هذا التفوّق على مستوى القيَم الثقافية هو دافع الانبعاث الحضاري، ومن ثمّة يُصبح التغريب على الطريقة الغربية هو الطريق الملكي نحو الحداثة. «وهكذا تكوَّن الاعتقاد باستثناء الغرب، والذي ليس معناه تفوّق الحضارة الغربية على غيرها من الحضارات فحسب، وإنما يعني أيضًا أنَّ الغرب قد ابتكر قيمًا غير مسبوقة تأسَّس عليها نظام السياسة، وتدبير الاقتصاد، وعلمانية الدولة، ومدنية القانون، ونظام التربية المدنية، ومفهوم حقوق الإنسان ومبادئها. لكنّ هذه اللّيبرالية الجديدة تُبرِّر التفاوت الهائل في عالَم اليوم وداخل المجتمع الواحد، وذلك باسم إنصاف أصحاب المبادرة الفردية، وروح الابتكار وقبول المغامرة، والجهد الخاصّ، والذكاء الفردي على قيَم التضامن، والعدالة الاجتماعية. ويقولون أيضاً إنّ العلاقات الدولية لا ينبغي أن تقوم على مكافأة العاجزين والكسالى والطامعين في اقتطاف ثمار جهود الآخرين وتقاسم ثرواتهم باسم التضامن والتكافل» (علي أومليل، سؤال الثقافة).
ومن أجل تجاوز كلّ هذه العوائق لا بدّ من التسليم بأنّ التقدّم التاريخي يتأسَّس على قوانين لا يحيد عنها، ويسير في اتّجاه واحد، ولا يختلف من جنس لآخر، ما يتيح لكلّ ثقافة إمكانات استيعابه، كما يتيح للمثقّف وللسياسي على السواء الشروط الكفيلة بتقمّص دورهما بشكل إيجابي (عبدالله العروي، العرب والفكر التاريخي، 1973). إنّ هذا المسلك هو الذي سيفضي بنا بحسب العروي تجاه التمييز بين «الخصوصية والأصالة، فالأولى حركية متطوّرة، والثانية سكونية متحجّرة ملتفتة إلى الماضي». فلا يمكن أن نختزل الغرب في سياساته الإيديولوجية اللّئيمة، ونتخلّف بذلك عن استيعاب مكاسبه التاريخية التي بإمكانها وحدها أن تتيح لنا سُبل مباشرة العالَم والتاريخ بشكل أفضل، مباشرة لن تتأتّى لنا من دون اقتباس ثقافة الأغيار؛ لأنّ النظام العالمي الجديد كما سبق وأشرنا يفرض علينا ذلك، بعد أن مكَّنت ذواتنا هؤلاء الأغيار من احتلال مساحات كبرى داخلها، إذ لم يَعُد الأغيار يقعون خارج الذّات، بل إنّهم أصبحوا جزءًا من الذّات.

*أستاذ‏‏ وباحث من المغرب