عقوبات مجلس الأمن هل تردع كوريا الشمالية؟

عبد العزيز محمود –
بعد أقل من 24 ساعة من قرار مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات جديدة علي كوريا الشمالية ردا على تحديها لقرار حظر التجارب الصاروخية هددت بيونج يانج بتحويل هذه العقوبات إلى بحر من النار لا يمكن تخيله سوف يبتلع الولايات المتحدة.

وأصبح السؤال الذي يتردد في كل أنحاء العالم هل تنجح العقوبات الجديدة في إقناع كوريا الشمالية بوقف تجاربها الصاروخية، أم أن الموقف يتطلب مزيدا من الوقت حتى تقبل بيونج يانج بصفقة لتجميد برنامجها النووي والصاروخي؟!
من الصعب وضع إجابة محددة لهذا السؤال، لكن رد الفعل الأولي يؤكد عدم اكتراث بيونج يانج بقرار العقوبات الذي أصدره مجلس الأمن ووافقت عليه الصين وروسيا اللتان تمثلان أهم حليفين لكوريا الشمالية.
القرار الدولي لذي يحمل رقم 2371 يقضي بحظر صادرات كوريا الشمالية من الفحم والحديد والرصاص والمأكولات البحرية، وأيضا منعها من زيادة عدد العمال الذين ترسلهم للعمل في الخارج، وتمثل تحويلاتهم مصدرا مهما للعملة الأجنبية.
وبموجب القرار أصبح محظورا على الشركات الأجنبية الدخول في أي مشروعات جديدة مشتركة أو استثمارات جديدة في المشاريع المشتركة القائمة وتقييد نشاط بنك التجارة الخارجية لكوريا الشمالية.
ويستهدف القرار وقف ثلث صادرات كوريا الشمالية إلى الخارج أي خسارتها نحو مليار دولار سنويا من إجمالي قيمة صادراتها التي تقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار سنويا لكن ذلك يتوقف بالطبع على التزام كافة الدول بقرار مجلس الأمن.
ويمكن اعتبار هذا القرار بمثابة رد فعل واضح من المجتمع الدولي علي اختبارين أجرتهما كوريا الشمالية الشهر الماضي لصواريخ باليستية عابرة للقارات يمكنها بلوغ الأراضي الأمريكية، من مجموع 10 تجارب صاروخية أجرتها منذ بداية العام الحالي.
وجاء قرار مجلس الأمن في وقت أعطت فيه الولايات المتحدة إشارات متضاربة حول كيفية تعاملها مع تطوير كوريا الشمالية لترسانتها الصاروخية، في ظل الصراع المشتعل بينهما منذ توقف الحرب في شبه الجزيرة الكورية بموجب هدنة وقعت في عام ١٩٥٣
وتراهن إدارة الرئيس ترامب في الوقت الراهن على العقوبات باعتبارها الخيار الأمثل لإقناع بيونج يانج بوقف تطوير ترسانتها الصاروخية والنووية، فيما يمثل استمرار لنهج واشنطن في التعامل مع روسيا وإيران بهدف الضغط عليهما للقبول بوجهات النظر الأمريكية.
وبهذا الخيار تحاول واشنطن تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية، تجنبا لكلفتها الهائلة، حيث تشير التقديرات إلى أن هذه المواجهة يمكن أن تتسبب في سقوط ملايين القتلى في الكوريتين الشمالية والجنوبية واليابان، فضلا عن احتمال امتداد المعارك إلى منطقة جنوب شرق آسيا.
وهذا ما دفع الخارجية الأمريكية للتأكيد على أن واشنطن ليست راغبة في تغيير النظام في بيونج يانج، لكن ذلك لم يمنع وزارة الدفاع الأمريكية من إجراء اختبار للتصدي لصاروخ باليستي عابر للقارات، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية.
وجاءت موافقة الصين وروسيا علي قرار مجلس الأمن لتمثل انتصارا دبلوماسيا لإدارة الرئيس ترامب، التي أبدت ترحيبها بموقف البلدين من العقوبات، خاصة وأنهما يمثلان أهم شريكين تجاريين لبيونج يانج مما يجعل تأثير العقوبات موجعا.
والحقيقة أن موافقة بكين على العقوبات لم تكن سهلة، وجاءت بعد مفاوضات شاقة استغرقت شهرا مع الولايات المتحدة، ووجهت لها اللوم ، وطالبتها بتفكيك نظام الدفاع الصاروخي الذي أقامته في كوريا الجنوبية باعتباره هو الآخر مصدرا للتوتر في المنطقة
وترى بكين أن العقوبات وحدها لا تمثل حلا، بل إنها وسيلة وليست هدفا، لإعادة الأزمة الكورية إلى مائدة المفاوضات، بهدف نزع السلاح النووي وتحقيق استقرار طويل الأجل بين الكوريتين.
يذكر أن الصين وروسيا أيدتا عقوبات أصدرها مجلس الأمن الدولي ضد كوريا الشمالية في العام الماضي إلا أنهما لم يقوما بما يكفي للحد من شراكتهما الاقتصادية معها، فقد استغرق الأمر أشهرا لإقناع الصين بوقف اعتمادها على واردات الفحم الكورية الشمالية، بينما وسعت روسيا من استخدامها للعمالة الكورية الشمالية، وترى موسكو أن العقوبات الجديدة لا يجب أن تستخدم في خنق بيونج يانج اقتصاديا.
والحقيقة أن العقوبات لا تحظر واردات كوريا الشمالية من النفط الخام، والتي تمثل جزءا أساسيا من علاقتها الاقتصادية مع الصين.
وبالرغم من إعلان بكين وموسكو التزامهما بتطبيق عقوبات مجلس الأمن، إلا أن واشنطن أعلنت أنها ستراقب عن كثب كيفية تصرف البلدين خلال المرحلة المقبلة، لضمان التزامهما بتطبيق العقوبات.
لكن الشكوك لا تتوقف حول مدى فعالية العقوبات الجديدة، خاصة وأن مجلس الأمن الدولي فرض ثماني عقوبات سابقة علي كوريا الشمالية خلال الأحد عشر عاما الماضية ، وتحديدا
منذ إجراء أولى تجاربها النووية في عام ٢٠٠٦، كما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية عقوبات مماثلة،
ولم تنجح كل هذه العقوبات في إقناع بيونج يانج بوقف تطوير برنامجها النووي والصاروخي، والذي يعتبره الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون ضرورة حيوية لمواجهة تهديدات الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية
كما يرى الرئيس أون أن تجارب بلاده الصاروخية لا تمثل انتهاكا لقرارات الأمم المتحدة، ولا تمثل استفزازا للمجتمع الدولي، لأنها تأتي في إطار الدفاع عن النفس حسبما يرى .
ولا شك أن استمرار نظام بيونج يانج على المدى البعيد مرهون بتطوير هذه البرامج، كما أنها تستخدم العقوبات الدولية كذريعة لتبرير لتخصيص الجزء الأكبر من مواردها الشحيحة لتطوير ترسانتها العسكرية.
ولا خلاف على أن بيونج يانج نجحت رغم الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها في السابق في تخطي كل العقوبات السابقة، كما ابتكرت طرقا لتخطي القيود التجارية المفروضة عليها.
مما ساعدها على تطوير برامجها العسكرية التي حققت قفزات كبيرة خلال العام الماضي، وطبقا لتقديرات واشنطن فان بيونج يانج سوف تصبح قادرة خلال عام ٢٠١٨ علي إنتاج صاروخ باليستي عابر للقارات يمكنه حمل رؤوس نووية.
هذا النجاح يفسر بوضوح لجوء بيونج يانج لمزيد من التشدد في مواجهة قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات جديدة ضدها، حيث أصدرت بيانا هددت فيه الولايات المتحدة بأنها سوف
تدفع ثمن هذه العقوبات أضعافا مضاعفة.
وأكدت بيونج يانج في بيانها استمرارها في تطوير ترسانتها الصاروخية والنووية، ورفضها إجراء أية مفاوضات بشأنها، كما رفضت اقتراحا من كوريا الجنوبية بإجراء جولة جديدة من المحادثات حول لم شمل الأسر الكورية المنقسمة بسبب ما وصفته بتعاون سول مع الولايات المتحدة.
وبينما ترفض بيونج يانج الدخول في أية مفاوضات بشأن برنامجها النووي أو الصاروخي، ترفض واشنطن أيضا الدخول في مفاوضات مع بيونج يانج قبل إعلان تخليها صراحة عن برنامجها النووي.
وهكذا يمكن التعاطي مع العقوبات الجديدة التي فرضها مجلس الأمن الدولي باعتبارها محاولة جديدة للضغط علي بيونج يانج، لكن من غير المحتمل أن تحقق نتائج سريعة على المدى القريب، وهو ما يعني نجاح بيونج يانج في كسب مزيد من الوقت لإنتاج صاروخ باليستي عابر للقارات يمكنه حمل رؤوس نووية العام القادم .
وفي حالة تحقيق هذا الهدف سوف يكون من الصعب على واشنطن أو أي دولة أخرى مستقبلا ردع كوريا الشمالية.