نار منزلية.. رواية جديدة لـ«كاملة شمسي»

إعداد: أحمد شافعي –
تمثل رواية كاملة شمسي الجديدة التي وصلت للقائمة القصيرة في جائزة مان بوكر – تناولا جديدا وجريئا لمسرحية أنتيجون لسوفوكليس، مفتتحها يقول «أولئك الذين نحبهم … هم أعداء الدولة» وهو مأخوذ من ترجمة شيمس هيني الصادرة سنة 2004 للمسرحية الكلاسيكية، تبدأ الرواية باستجواب في مطار.
فتاة لندنية من أصل باكستاني تدعى اسمة، معها تأشيرة دراسية، تسافر بها لدراسة علم الاجتماع في كلية أمهرست، ولأنها مسلمة، وترتدي الحجاب، فهي على علم بأنها ينبغي أن تتوقع بعض التعطيل الأمني.
ثمة من وراء ذعرها كوميديا سوداء. فقد استعدت لهذه اللحظة مع أخواتها. قالت لها أختها، لو سألوك عن الملكة قولي «بوصفي آسيوية فإنني معجبة بمجموعة ألوانها».

ولكن الاستجواب ليس مزحة، بل إنه يستمر لساعات، والتفتيش لا يستهدف البحث عن جيوب في ثيابها «بقدر ما يبدو تقييما لخامة القماش»، يتحققون من تاريخها على الإنترنت. فتستعرض هذه الرواية بالتفصيل ما تطلق عليه شمسي الـ«جي دبليو إن» أو «استعمال المسلمين لجوجول». يريد الضابط أن «يعرف أفكارها عن الشيعة، والمثليين، والملكة، والديمقراطية، والدعم البريطاني الكبير لغزو العراق، وعن إسرائيل، والانتحاريين، والمواعدات الغرامية من خلال الإنترنت»، ولا يبدو أن القائمة تفتقر إلا شيئا باستثناء ديم إيدنا Dame Edna والبريكسيت.
يحدِّد هذا المشهد نغمة الرواية البديعة. ولحظة السماح لاسمه بالإقلاع، هي لحظة انطلاق النار المنزلية أيضا.
قد يبدو أن هذه الرواية تهتز في الدقائق التالية لهبوطها، إذ يبدو أن ثمة بعض الاضطرابات والتحولات في النغمة مع تقدم الرواية بين الشؤون الغرامية والشؤون الدولية.
تجري أحداث «نار منزلية» في لندن المعاصرة، وفي أمهرست بولاية ماساتشوستس، وفي الشرق الأوسط. وتلعب بحرية مع مسرحية سوفوكليس متقاطعة مع ثيماتها: العصيان المدني والولاء والقانون، لا سيما ما يتعلق بحقوق الدفن.
تترك اسمه في لندن أخويها التوأم أنيكا وبرفيز، وهما في التاسعة عشرة، وقد أنشأتهما اسمه بعد وفاة أمهم.
لا يكادون يعرفون أباهم الجهادي الذي مات تحت وطأة التعذيب في قاعدة بجرام الجوية بأفغانستان. لوثت شهرته حياتهم في الغرب. غير أن برفيز مسكون بتركة أبيه.
تجنِّده داعش، وتضمه إلى قسمها الإعلامي في سوريا، وسرعان ما يكتشف أنه ارتكب خطأ، «نار منزلية» في الجزء الأكبر منها تتعلق بمحاولات أنيكا استرداد أخيها وإعادته إلى الوطن.
ومن أبرع إبداعات شمسي في هذه الرواية شخصية لون وزير الداخلية البريطاني الذي يظهر في الرواية مرغما على شق طريقه العصيب في غابة السياسة البريطانية، ويتعرض للسخرية فيوصف بـ «مستر قِيَم بريطانيا، ومستر تشديد أمني، ومستر البعد عن المسلمين».
ولكن شمسي تحرص على أن تؤنسنه. فتكتب عن «غطيطه الزاعق الذي يندهش أبناؤه من قدرته على إخفائه عن الحياة العامة». ولعل أفضل قصة تحكى عن لون هي قصة حزنه على حبيبة فقدها بعد أن رأى أبوه أنها غير ملائمة، فنقرأ هنا لحظة شبيهة بـ«العراب»:
«انفتح باب غرفة نومه بعنف ودخل أبوه، بركبتين لا تكادان تقويان على حمل سمكة الهلبوت الضخمة بين ذراعيه، وقطع الثلج اللامعة على جسمها، ألقى السمكة العملاقة على سرير ابنه ولم يقل غير كلمة واحدة: «بديل» حبيبته المفقودة.
نشأت كاملة شمسي في كراتشي بباكستان، وشهرتها في إنجلترا أكبر بكثير من شهرتها في الولايات المتحدة، وهذه هي روايتها السابعة. وصلت مرتين إلى نهائيات جائزة أورانج، واختارتها مجلة جرانتا أحد أفضل الروائيين البريطانيين الشبان سنة 2013، فضلا عن كتابتها المقالات والقراءات النقدية في صحيفة الجارديان.
وفي «نار منزلية» هفواتها أيضا، ومنها لحظة تأمل الحزن على سبيل المثال «يبسط الحزن جناحين كبيرين كالنسر، والحزن صغير كالشيهم. الحزن بحاجة إلى رفقة، والحزن يتوق إلى عزلة. الحزن يلزمه التذكر، ويلزمه النسيان» في حين أن ما يلزم الحزن حقا هو أن يترك وشأنه.
غير أن هذه اللحظات نادرة، فشمسي تمزج طرافتها بثقافتها في سلاسة. فنجد تقريرا مفصلا عن «اللحى البيئية» التي سمِّيت بذلك الاسم من فرط ضخامتها بحيث أنها تحتوي على عوالم صغيرة.
وتخفت الطرافة إلى تأملات في الحياة إذ تعاش على الحدود بين العوالم. فأنيكا تتوصل إلى خطة لإرجاع أخيها إلى الوطن، وهي خطة سوف يكون لها عواقبها على كل من في الرواية.
خطة شديدة الجسارة لدرجة أن يطرح على أنيكا سؤال عما إذا كانت هي أو أو شقيقها قد توقفا لحظة «ليفكرا فينا نحن حملة جوازات السفر التي لا تزيد قيمتها في أنظار العالم عن قيمة ورق المراحيض فننفق أعمارنا كلها في حذر شديد لكي لا نعطي سببا لأحد أن يرفض الطلبات التي نتقدم بها للحصول على التأشيرة؟ فلا نقف بجوار هذا الرجل، ولا نتابع تويتات ذلك، ولا نحاول تنزيل كتاب لنعوم تشومسكي»، وتنتهي «نار منزلية» بمشهد من أعصى ما قرأته من مشاهد ختامية على النسيان في هذا القرن. تجري أحداثه على شاشة دولية، ولن أحكي ما يجري، ولكن فيه ما ذكرني بمشهد في فيلم لساتياجيت راي كتب عنه سلمان رشدي في كتاب مقالاته «أوطان متخيلة»، كتب رشدي:
«عندما يري زوجته الساري الذي اشتراه للفتاة الميتة، تبدأ في البكاء، فيفهم، ويبكي هو الآخر، ولكن بدلا من صوت بكائهما، بعبقرية من المخرج، يعلو صوت موسيقى، زاعق، حاد، كأنه صراخ الروح».
في نهاية «نار منزلية» أيضا موسيقى، موسيقى حادة.