نوافـذ: رمزيات المعاني ودلالاتها

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يحفل التراث الإنساني الفكري بالكثير من الأمثلة والأقوال المعبرة عن رمزيات معينة قصد بها واضعوها التوجيه، والإرشاد، والحكمة والموعظة الحسنة، وهذه الرمزيات عندما تأتي على شكل قصة على لسان إحدى الحيوانات، فهي تلقى قبول قراءتها أكثر، ومن ثم تأخذ طريقها نحو العظة وأخذ الحكمة منها؛ لأن النصيحة المجردة والمباشرة، في كثير من مناخاتها منفرة، والنص الكريم يوحي بذلك في قوله تعالى: (ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن) فالإنسان بطبيعته لا يقبل أن يملي عليه أي أحد كان من كان، وأن يبصره بالمسالك التي يجب أن يأخذ بها في طريقه، أو أن يبعده عن أخرى، فهو في قرارة نفسه يتحرك بقناعاته، وما تمليه عليه نفسه، ولذلك يستثقل كل الناس، بلا استثناء أن تملى عليهم النصائح والإرشادات، وأن قبل بها البعض في لحظة المواجهة المباشرة، فإنها سوف تأخذ طريقًا طويلًا حتى تترسخ على شكل قناعات، ولذلك يحتال الحكماء وأصحاب البصيرة على هذه المواقف من خلال الإتيان بمثل هذه المواعظ على ألسنة الحيوانات، ويترك للحكمة الناتجة من القصة، أوالموعظة تأخذ طريقها دون هذا الصدام المباشر مع المتلقي، وهناك اليوم برامج للأطفال تذهب هذا المذهب.
ومن أشهر الكتب التي اعتنت بهذه المسألة؛ كتاب «كليلة ودمنة» الذي ترجمه الأديب العربي عبدالله بن المقفع عن أحد فلاسفة الهند، كما هو المصدر، وكما جاء جزء من النص: «وقد استخدم المؤلف الحيوانات والطيور كشخصيات رئيسية فيه، وهي ترمز في الأساس إلىشخصيات بشرية، وتتضمن القصص عدة موضوعات من أبرزها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بالإضافة إلى عدد من الحكم والمواعظ «قبل يومين انتشر، من خلال «الواتس آب» النص التالي – مكتوب باللهجة المحلية الدارجة -«من قوة الملل عندي أخذت سكر وكبيته على الأرض، وانتظرت لين جاء «سقاط» وشافه وبعدين: راح يعلم ربعه فرحت ولميت السكر كله: عشان يطلع كذاب وللحين: هو يحلف لهم، وهم ما يصدقونه»- انتهى النص.
هذه الصورة التي تظهرها القصة، ربما قصد منها واضعها، كما هو الظاهر، على أنها نوع من الفكاهة، والتندر، ولكنها في الحقيقية تخرج عن إطارها الظاهري البسيط -مجرد نكتة- إلى عمقها الموضوعي الكبير، وهو السلوك الإنساني المستمر، حيث المكائد الشيطانية، وحالات التخوين والكذب والافتراء، والالتفاف الدائم نحو المصلحة الذاتية، وإن كانت على حساب القيم الإنسانية المهذبة للكثير من سلوكيات الإنسان، ومحاولتها إعادته كل مرة إلى السلوك القويم.
ومما يحز في النفس أكثر، أن هذه الالتواءات الخلقية التي يمارسها الإنسان على أخيه الإنسان، تتناقض بصورة مباشرة مع قيم الدين وممارسات أعماله اليومية، فجميعنا يصلي في اليوم خمس مرات بلا استثناء، وموكول على هذه الصلاة أن تجبر هذه الكسور والنتوءات الخلقية التي يأتي بها الإنسان، ولكن الواقع لا يسجل مناخات آمنة للممارسات الدينية وأثرها في تقويم السلوك، إلا اللهم من هو سلوكه، في الأصل، متوافقة وما تدعو إليه التعاليم الدينية، وما يظهر أثر ذلك على واقع الحياة اليومية في سلوكيات الناس، فالذي يصلي ويكذب، ويصوم ويكذب، ويؤتي الزكاة ويكذب، ويحج بيت الله ويكذب، فما هي القناعات التي يخرج به المراقب لسلوك هذا الإنسان، إلا الابتعاد أكثر وأكثر عن قيم الدين، أو أن قناعاته تتعزز أكثر وأكثر من أن القيم الدينية ليس لها أثر على سلوكيات الفرد، إلا بالقدر الذي توهبه الفطرة لهذا الإنسان أو ذاك، ولذلك بقي الصدام قائما بين من يرى أن الدين غاية، وبين من يرى الدين وسيلة، ولا يزال الناس مختلفين.