دلالات الأرقام في الكتاب الإحصائي السنوي

أ.د. حسني نصر –

يُعد الكتاب الإحصائي السنوي الذي صدر مطلع الشهر الحالي عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ثروة معلوماتية هائلة تغطي بالأرقام الموثقة كل مجالات الحياة في السلطنة، وتحلل أداء قطاعات العمل الوطني من الإسكان إلى الزراعة ومن التجارة والصناعة إلى الإعلام والثقافة والسياحة. وحسنا فعل المركز بإتاحة نسخة رقمية كاملة من الكتاب على موقعه على شبكة المعلومات العالمية، وإن كان الأمر يتطلب ما هو أكثر من ذلك، وأعني به إتاحته في نسخ ورقية ترسل بشكل رسمي لمراكز صنع القرار في جميع المؤسسات العامة والخاصة، وكذلك للجامعات ومراكز البحوث.
إن استعراض ما يحتويه الكتاب الإحصائي السنوي للسلطنة يكشف حجم الجهد الكبير الذي بذله الباحثون في المركز من جانب، والمهمة النبيلة التي يؤديها المركز منذ تأسيسه في العام 2012 في تعزيز المعرفة، بما يسهم في فهم الواقع ويزيد من القدرة على استشراف المستقبل. إنه ثروة معلوماتية بحق لا يمكن لباحث أو جهة الاستغناء عنه، إذ يمكن من خلال البيانات التي يحويها أن تتم مراجعة السياسات القائمة وتقويمها بطريقة علمية، كما يمكن رسم السياسات الجديدة على أساس من المعرفة الصحيحة.
إن الجهد الذي قام به المركز في إعداد هذا الكتاب الذي يعتمد على أرقام العام 2016، يجب أن يواكبه جهد مماثل من جانب أطراف أخرى عديدة على رأسها الوزارات والمؤسسات الحكومية بوجه عام، وكذلك الباحثين ورجال الإعلام لقراءة البيانات الرقمية كل في مجاله، واستخلاص الرؤى والأفكار التي من شأنها تمهيد الطريق لتحقيق المزيد من التقدم والازدهار للمجتمع العماني. ويبدو من الضروري في هذه المرحلة أن يسعى الإعلاميون والكُتاب والصحفيون إلى تقديم ما يحتويه هذا الكتاب من بيانات قيمة إلى المواطنين بلغة سهلة وبسيطة حتى يدركوا- بعيدا عن لغة العواطف- حجم الإنجاز الذي تحقق في مختلف مجالات العمل الوطني، وحث المؤسسات والهيئات ومراكز البحوث العاملة في السلطنة على مراجعة سياساتها بناء على هذه الحقائق الرقمية ووضع الخطط الكفيلة بعلاج أي خلل كشف عنه هذا الكتاب المهم.
يقع الكتاب في 459 صفحة ويتضمن 10 فصول تبدأ بفصل المعلومات العامة عن السلطنة كالمعالم الجغرافية والمحافظات والولايات، ثم المناخ، والسكان والإسكان، والعمالة، والزراعة والثروة السمكية، والطاقة والتعدين، والتجارة، والنقل والاتصالات، والاقتصاد والمال، والخدمات التي تشمل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية والإعلام والثقافة والسياحة. وتعتمد منهجية الكتاب على تقديم مؤشرات عامة موجزة في بداية كل فصل، ثم عرض الجداول التفصيلية المزودة بالأشكال الإحصائية والمعلوماتية الملونة. والواقع أن كل فصل من هذه الفصول يحتاج إلى مقالات وليس مقالا واحدا لقراءة البيانات والأرقام واستخلاص الدلالات منها. ولذلك فإنني اكتفي في هذا المقال من منطلق تخصصي بإعادة قراءة الجزء الخاص بالإعلام والثقافة والوقوف أمام بعض الأرقام التي وردت فيه واستخلاص بعض من دلالاتها.
بداية يجب الإشارة إلى أن ما ورد بالكتاب حول الإعلام قد اقتصر على وسائل الإعلام التقليدية كالصحف والمجلات ومحطات الراديو والتلفزيون ولم يشمل وسائل الإعلام الجديد، ربما بسبب صعوبات في جمع البيانات الموثقة حول هذه الوسائل. المؤشر الإعلامي الأول الذي ورد بالكتاب يبدو للناظر من بعيد صادما، إذ أكد انخفاض عدد الصحف والمجلات التي تصدر في السلطنة في العام 2016 بنسبة 14% عن العدد الذي كان يصدر في العام 2015. والواقع أن هذا الانخفاض يبدو طبيعيا من وجهة نظري في ظل تراجع الصحافة الورقية في العالم بوجه عام لصالح الصحافة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية ذات المحتوى الإخباري. وقد أحصى الكتاب 75 صحيفة ومجلة تصدر في السلطنة، موزعة على 8 صحف يومية و10 أسبوعية، و6 صحف نصف شهرية و18 مجلة شهرية، بالإضافة إلى ثلاث مجلات تصدر كل شهرين، و25 مجلة فصلية واثنتان نصف سنوية وثلاثة سنوية. والواقع أن هذا الرقم يبدو متناسبا إلى حد كبير مع عدد السكان الذي بلغ نحو أربعة ملايين ونصف المليون نسمة، إذ يعنى أن هناك 17 صحيفة أو مجلة بوجه عام لكل مليون من سكان السلطنة، ونحو صحيفتين يوميتين لكل مليون من السكان، وهي نسبة مشابهة أو قريبة لنسبة الصحف اليومية إلى السكان في العديد من دول العالم مثل النمسا وبلاروسيا وأندونيسيا والمملكة المتحدة. ما يمكن استخلاصه من هذه الأرقام المستمدة من وزاراتي الإعلام والتراث والثقافة أن سوق الصحافة العمانية ما زالت تسيطر عليه من ناحية العدد المجلات الفصلية والشهرية، وإذا أضفنا إلى ذلك معلومة مؤكدة لم يشر إليها الكتاب بأن كل هذه الصحف والمجلات تقريبا تصدر من العاصمة مسقط، فإن الأمر يستحق أن تولي الجهات المعنية بالصحافة اهتماما أكبر بزيادة حصة الصحافة اليومية من جانب، وتشجيع مبادرات تأسيس وإصدار صحف ومجلات من محافظات وولايات السلطنة المختلفة من جانب آخر .
المؤشرات الخاصة بالإذاعة والتلفزيون تبدو هي الأخرى جديرة بالاهتمام، كونها جاءت أكثر تفصيلا من البيانات الخاصة بالصحافة. من هذه المؤشرات أن في السلطنة سبع محطات تلفزيونية 4 منها حكومية وثلاثة خاصة، أي بواقع محطة تلفزيونية لكل 600 ألف من السكان تقريبا، وتسع محطات إذاعية منها 5 حكومية وأربعة خاصة بواقع محطة واحدة لكل نصف مليون تقريبا من السكان. وفي تقديري فإن عدد هذه المحطات ما زال دون العدد المطلوب الذي يحقق السيادة الإعلامية للدولة ويزيد من قدرتها على الوصول برسالتها إلى كل الداخل والخارج. ومع تزايد أهمية الإذاعة المسموعة في العالم وانتشار المحطات الإقليمية يبقى من الضروري التفكير جديا في مد انتشار محطات الراديو الحكومية والخاصة إلى بعض محافظات السلطنة ذات الكثافة السكانية العالية لتقديم خدمات مباشرة لهذه المحافظات. المؤشر الثاني المهم على صعيد الإذاعة والتلفزيون أن البرامج الترفيهية والفنية تستحوذ على النسبة الأكبر من إجمالي عدد ساعات الإرسال التلفزيوني والإذاعي الحكومي والخاص، إذ بلغت نسبتها 43.4% في مقابل انخفاض واضح في برامج الشباب والأطفال وغياب لبرامج المرأة في محطات الراديو والتلفزيون الحكومية، وهو ما يطرح أسئلة عديدة يجب على الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الإجابة عنها خاصة وان هذه البيانات الواردة في الكتاب مستمدة منها.