تحـولات في مـــلف النازحين الأفارقــة بالجزائر

مختار بوروينة –
Mokhtarbourouina @yahoo.fr –

لم تتأخر رئيسة الهلال الأحمر الجزائري، سعيدة بن حبيلس، خلال وقوفها على مخيم عشوائي لنازحين أفارقة على مشارف الجزائر العاصمة، تم تداول صور يومياته عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، وتقارير بثتها القنوات الجزائرية الخاصة تحت عنوان «أفريكا تاون»، بتأكيد مسؤولية القوى الكبرى عن المآسي الانسانية في العالم ، وضرورة تحمل مسؤولياتها ، وتقاسم الحمل مع الجزائر التي تتكفل بآلاف اللاجئين القادمين أساسا من سوريا والدول الافريقية الواقعة ما وراء الصحراء الجزائرية.

كما لم يتأخر وزير الشؤون الخارجية ، عبد القادر مساهل ، في الكشف عما تم تسجيله في المدة الأخيرة من تدفق قوي وغير عادي ، بالآلاف وليس بالعشرات ، لأفارقة قادمين من بلدان مجاورة ، انتشروا بحجم لافت عبر ولايات الجزائر ودوائرها ، وبشكل قد يهدد الأمن الوطني ، بحسب معطيات تفيد أن من ورائه شبكات منظمة ، وبالتنبيه إلى تحول قضية الهجرة غير الشرعية إلى مقدمة اهتمامات دول العالم ، بعدما أصبحت شبكات إرهابية ومافيوية تقف وراءها ، وأن من بين المقاتلين الأجانب في التنظيمات الإرهابية يوجد 5 آلاف إفريقي وهو رقم كبير جدا ، مثلما تفيد إحصائيات الأمم المتحدة أن قيمة عائدات التهريب في إفريقيا تقدر سنويا بـ 800 مليون دولار وهي أموال تستخدم في تمويل الإرهاب ، وأن 20 مليون مهاجر يتنقلون في القارة الإفريقية بطريقة غير شرعية بسبب قسوة المناخ والبطالة والنزاعات المسلحة ، ويجدون صعوبة في العبور إلى أوروبا بعد أن أغلق الأوروبيون كل المنافذ ، موضحا أن ارتفاع العدد بصورة كبيرة يأتي بعد غلق المعبر الرابط بين تلك الدول وليبيا، وتنصيب نقطة مراقبة دولية ، وبالتالي أصبحت الجزائر الملاذ الوحيد للأفارقة.

وجاءت تصريحات رئيس الدبلوماسية الجزائرية متطابقة مع موقف الأمين العام للقوة السياسية الثانية، أحمد أويحيى، حول رفضه تحويل أوروبا بلاده وجيرانها إلى معسكرات للاجئين، ما فجر غضبا عارما بسبب ما اعتبر”عنصرية وتمييزا” ضدهم ، غير أنه واصل بالتعبير عن استيائه من تدفق الرعايا الأفارقة بطريقة غير شرعية قائلا ” لا نقول للسلطات الجزائرية قوموا برمي الأفارقة إلى البحر أو الصحراء، لكن يجب أن تكون إقامتهم في الجزائر بضوابط وبطريقة قانونية كي لا يعيش الشعب الجزائري في الفوضى”، مشيرًا إلى أن هذا التدفق غير المتحكم فيه ينجم عنه تفاقم ظاهرة الجريمة والمواد المخدرة وآفات اجتماعية كثيرة وجديدة عن المجتمع الجزائري.

رد أويحيى، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس ديوان الرئاسة، على الأصوات التي تعاطفت مع الأفارقة تحت بند (حقوق الإنسان) جاء بلغة صريحة وواضحة: ”نحن أسياد في بيتنا، فهناك دول كبيرة في العالم تبني جدرانا لمنع دخول الغرباء إلى أراضيها”.

وتسجل مثل هذه التصريحات أن الجزائر في حالة استنفار بناء على تحولات في التعاطي والمعالجة ، وبدأت تشعر بثقل ملف النزوح الافريقي على أراضيها ، وتداعيات الاستغلال السياسي التي ظهرت ملامحها . كما أنها ، أيضا ، بصدد انتقاد الأخطاء الاستراتيجية للقوى العظمى المسؤولة عن العديد من المآسي الانسانية ، مما جعلها تؤكد عبر مختلف المنابر أنه يتعين على المسؤولين عن هذا الوضع تقاسم الحمل معها من خلال المفوضية السامية للاجئين التي تتولى التكفل بانشغالات اللاجئين ، وأن هذا المسعى لا يجب أن يقتصر على تسخير الوسائل وترك بلد الاستقبال يتصرف كما يحلو له ، و إبداء التأسف لإغلاق أوروبا – التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان – حدودها في وجه اللاجئين .

الجزائر، التي أعلنت ان من حقها اتخاذ إجراءات لحماية أمنها أمام هذا النزوح غير العادي للأفارقة على ترابها، كانت قد دعت خلال أشغال قمة التضامن مع اللاجئين التي انعقدت مؤخرا في العاصمة الاوغندية «كامبالا» إلى ضرورة إيجاد حل لإشكالية اللاجئين وتدفق المهاجرين في أقرب الآجال، حيث تستقبل على ترابها حوالي 40.000 لاجئ سوري وعدة آلاف لاجئين صحراويين وآلاف المهاجرين من إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء.

بالمــــوازاة مع ذلك ، تداولت الصحافة الجزائرية ما كشفت عنه الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان، من وجود أكثر من نصف مليون لاجئ بالجزائر، منهم 165 ألف لاجئ صحراوي في مخيمات تندوف، و 4040 لاجئا فلسطينيا، إضافة إلى 40 ألف لاجئ ليبي ، في حين تؤكد مفوضية الأمم المتحدة للاجئين بالجزائر بأن عددهم نحو 32 ألفا، فيما بلغ عدد اللاجئين السوريين السنة الماضية 18 ألف شخص، علما أن الجزائر قد استقبلت 30 ألف لاجئ منذ العام 2011، فيما يتواجد 230 الف لاجئ من جنسيات مختلفة.
وفيما يخص عدد المهاجرين غير الشرعيين، فقدرت الرابطة، تواجد أكثر من 29 ألف مهاجر غير شرعي قادمين من 23 دولة إفريقية، مع تواجد لمهاجرين غير شرعيين من المغرب، يشتغل أغلبيتهم في زخرفة الجبس والفلاحة.

أمام التباين في الكشف عن الارقام ، اخذا بالاعتبار مستجدات التدفق الكبير مؤخرا ، أوضحت الخارجية الجزائرية في سياق ذي صــــــلة بأن الجزائر تمتلك ملفا مفصلا حول عدد اللاجئين عكس الكثير من البلدان التي لا تمتلك إحصائيات حول عدد اللاجئين الموجودين على أراضيها.

وتتولى وزارة الداخلية حاليا عبر مصالح الشرطة والدرك بإحصاء تام لكل النازحين، وسيتم منح بطاقة لكل نازح يكون تواجده في الجزائر مقبولا حيث تتيح له فرص العمل، أما الآخرون فسيتم التفاهم مع دولهم قصد إعادتهم إلى مواطنهم بنفس الطريقة التي تم التعامل بها مع دولتي النيجر ومالي، مع الإقرار أن التعامل مع ملف النازحين الأفارقة لا يجب أن تتغلب فيه العاطفة على الجانب الأمني.

وحسب أرقام ، لرابطة حقوق الانسان ، فإن جملة ما أنفقته الجزائر على اللاجئين المتواجدين فيها ، قد بلغ السنة الماضية أكثر من 33 مليون دولار، في حين أن دعم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لم يتجاوز 28 مليون دولار سنويا.

وفي مواجهة حملة شنت مؤخرا عبر بعض الوسائط الاجتماعية وبعض وسائل الاعلام الموجهة، ردت الجزائر بأنها لن تسمح لأي كان تلطيخ سمعتها وتشويه صورتها ووصفها بأنها دولة عنصرية على أساس أن الجزائر الافريقية تضطهد الأفارقة، وهو ما ستحاربه بكل الوسائل وستقنن تواجد النازحين الأفارقة على أراضيها لاعتبارات أمنية.

ولم يتوان المسؤولون ، على رأسهم الوزير الأول ، في التأكيد أن القارة الإفريقية والوطن العربي يشكلان الامتداد الطبيعي للجزائر وحيز نموها وتطورها كما أن الواجبات الأخلاقية والإنسانية تفرض عليها مد يد العون والمساعدة لهؤلاء الأشقاء الذين هجرتهم ويلات الفقر والحروب ، وعدم التنكر لـلأيادي التي امتدت لها حين كانت الجزائر في ويلات الحروب والدماء، سواء خلال ثورة التحرير المجيدة أو خلال الأزمة الأمنية التي شهدتها في تسعينات القرن الماضي ، وهي وفية لمختلف الالتزامات التي تبنتها منذ الاستقلال في مسعاها للانضمام إلى مسار حماية اللاجئين، حيث وقعت عقب الاستقلال مباشرة على اتفاقية اللاجئين لسنة 1951 والتي تعد من أولى المعاهدات التي صادقت عليها، وقامت في هذا الإطار بإصدار المرسوم المتعلق بتطبيق الاتفاقية المذكورة والذي تم بموجبه إنشاء المكتب الجزائري للاجئين ومنعدمي الجنسية، تلتها المصادقة على اتفاقية الوحدة الإفريقية بشأن الجوانب الذاتية لمشاكل اللاجئين سنة 1969.

وفق ذلك ، أفادت الخارجية الجزائرية أن الرعايا السوريين بالجزائر يعتبرون ضيوفا وليسوا لاجئين، الأمر نفسه بالنسبة للأفارقة الذين تتعامل معهم على هذا الأساس من خلال توفير الرعاية الصحية لهم وضمان حق التعليم لأبنائهم ، بالرغم من أن الكثير من الأفارقة المنحدرين من دول افريقيا الواقعة ما وراء الصحراء يقومون بالترحال ويتمركزون بشكل كبير في تمنراست كمحطة أولى ، ويتنقلون من مركز لآخر حيث يجدون كل المرافق الضرورية ، وبعد تلقيهم العلاج واستعادة قواهم يغادرون المركز نحو ولاية أخرى ، وهو ما صار يقلق السلطات الجزائرية بعد رصد انتشارهم عبر التراب الجزائري ، ويستوجب وقوفها بين الواجب التضامني السياسي والأخلاقي في التفريق بين اللجوء والهجرة غير الشرعية عبر التهريب واتخاذ إجراءات جديدة وقصوى لإيقاف الزحف غير العادي للأفارقة إلى الجزائر .. ملف تتعاطى معه السلطات الجزائرية بحكمة سياسية وتغليب الاعتبارات الأمنية.