السياقات التاريخية والسياسية لانتفاضات الأقصى

د. صلاح ابونار –
في الرابع عشر من يوليو قرر نتانياهو، تنصيب بوابات حديدية كاشفة للأسلحة على أبواب الحرم القدسي الشريف، ردا على عملية قتل جنديين إسرائيليين جرت في نفس اليوم في المنطقة المحيطة به.

وعلى الفور اشتعلت أزمة جديدة، في سلسلة الأزمات المتواصلة التي أضحى الأقصى يواجهها، منذ انطلاقة المشروع الاستيطاني الصهيوني أعقاب الحرب العالمية الأولى. أزمات جعلت منه بؤرة مركزية متأججة، من بؤر الصراع العربي- الإسرائيلي، ما ان تخمد حدة العواصف المنطلقة منها حتى تنطلق من جديد.
يحتوي هذا المكان المقدس على رمزية دينية قوية عاتية ومركبة. ورغم قوة تلك الرمزية، لم تستمد الأزمات الكبرى التي ارتبطت به، سوى قدر محدود من قوتها وعصفها من عالم القداسة الدينية، أما القدر الجوهري فكان يتدفق إليها، من السياق الاستعماري الصراعي الذي فرضه المشروع الصهيوني. وسنجد دليلا على ذلك في كل الانتفاضات الفلسطينية الكبرى، التي ارتبطت باسم الأقصى. من أول ثورة البراق 1929، إلى هبة النفق 1996، إلى انتفاضة الأقصى 2000، إلى انتفاضة الأقصى 2015.
في كل الانتفاضات سنلاحظ – أولا- ضخامة عدد الشهداء الفلسطينيين، الذي وصل في انتفاضة 2000 إلى 4412. وثانيا: استمرار بعضها لفترات طويلة وصلت لخمس سنوات في انتفاضة 2000. وثالثا: أنها جميعا كانت تبدأ باستفزاز إسرائيلي، يتخذ صورة اقتحام بعض كبار المسؤولين للمسجد يصحبهم جنود مدججون بالسلاح، والنموذج الأشهر اقتحام شارون الذي فجر انتفاضة 2000. ولكن هذا الاستفزاز لم يشكل سوى الشرارة، التي أطلقت عاصفة مقاومة واسعة وممتدة، مصدرها المشروع الصهيوني وتوسعاته. يدل على ذلك عنف المقاومة، واتساع نطاقها الجغرافي. ورابعا: ان اغلب تلك الانتفاضات، تركز في الفترة من منتصف التسعينيات حتى الآن، أي سنوات ما بعد أوسلو 1993. كيف نفسر ذلك؟
كان الأقصى منذ 1967 حتى هذا التاريخ موضعا لانتهاكات مستمرة، لا تقل جسامة عن التي أثارت الانتفاضات. لكن سنوات ما بعد أوسلو، كانت هي ذاتها سنوات تصاعد الاستيطان الإسرائيلي. ووفقا لأرقام حركة السلام الآن، ارتفع عدد المستوطنين من 100000( مائة ألف ) في 1993 ، إلى 400000 ( أربعمائة ألف ) في 2016. تصاعد استيطاني، مقرونا بتدهور في الأوضاع الاجتماعية، وتصاعد واتساع خيبة الأمل الفلسطينية تجاه عملية السلام، ووجد هذا الغضب لنفسه متنفسا في حوادث اقتحام الأقصى، لينفجر في صورة انتفاضات واسعة ممتدة.
ويبدو تراجع السلطات الإسرائيلية وإزالة البوابات الحديدية في 24 يوليو الماضي ، وكأنها نهاية لازمة الأقصى الجديدة. والأرجح ان الأزمة ستستمر، وإن خمدت حدتها مؤقتا. وان الشرارة ستتلوها حرائق، وإن اتسعت الفترة الفاصلة بينهما.
يحتشد الواقع الفلسطيني بعناصر تجعله مهيأ لانفجار جديد ، ليس فقط داخليا بل أيضا في السياقين الإقليمي والدولي.
داخليا تصاعد عبر السنوات الماضية الضغط الاستيطاني. بالنظر إلى الضفة الغربية عامة، تصاعد عدد المستوطنين وفقا لأرقام حركة السلام الآن، من 3200 في 1976 إلى 385900 عام 2014، يسكنون 131 مستوطنة و97 موقعا استيطانيا. وفي القدس الشرقية وصل عدد المستوطنين إلى 220000، يسكنون 12 مستوطنة و13 بؤرة استيطانية داخل الأحياء الفلسطينية. ووصلت مساحة الأراضي المصادرة إلى 43.5% من أراضي القدس الشرقية. وبالتوازي مع ذلك اتبعت السلطات، سياسة هدم البيوت العربية وإخلاء بعضها ليحل اليهود فيها، وعزل الأحياء العربية عالية الكثافة عبر الجدار الفاصل، وتقييد حق الفلسطينيين في البناء في حدود 12.1% من مساحة المدينة، وسحب هويات الإقامة بدعوى تغيير محل الإقامة.
إلا أن التأثير الاجتماعي والاقتصادي المدمر للسياسات الإسرائيلية، أوسع وأعمق من مجرد الاستيطان ومصادرة الأرض.
في القدس الشرقية وفقا للاونكتاد، وصلت نسبه الأسر الفلسطينية تحت خط الفقر الي77.1% ونسبه الأفراد إلى 78%عام 2010، بينما كانت نسبة الأسر اليهودية 25.4% والأفراد 32.6% . وذكرت مصادر إحصائية إسرائيلية، ان نسبة الفلسطينيين تحت الفقر وصلت عام 2014 إلى 81.6%، وكانت بين اليهود 28.4%.
ووفقا لتقرير لمنظمة العمل الدولية عام 2017، عانى اكثر من ربع القوى العاملة في الأراضي المحتلة البطالة، التي وصلت نسبتها بين الشباب إلى 40%. وأوردت أرقام البنك الدولي، ان نسبة نمو إجمالي الناتج القومي كانت14.04% عام2003، وانخفضت عبر السنوات التالية لتصل في 2016 إلى 4.12%.
وأورد تقرير للاونكتاد اعلن عنه في اغسطس2016، مؤشرات سلبية عديدة عن حالة الاقتصاد الفلسطيني، وعلق عليها:( لا يمكن وضع تقييم نقدي للمحن الناجمة عن الموت وتدمير الحياة والمجتمع المحلي والثقافة والمأوى للفلسطينيين. يستخدم الاحتلال قنوات عديدة لحرمان الشعب الفلسطيني، من حقه في التنمية وتقويض دعائم الاقتصاد الوطني. من بينها الاستيلاء على الأرض والمياه، وتضييق الحيز المتاح لاختيار وتنفيذ السياسات العامة، وفرض القيود علي حركات الأشخاص والسلع، وتدمير الأصول والقاعدة الإنتاجية، وتفتيت الأسواق المحلية، وعزل الاقتصاد الفلسطيني عن الأسواق الدولية، وتبعيته القصرية للاقتصاد الإسرائيلي).
وعلى مدى عقود ممتدة شكل السياق العربي، قوة قادرة على دعم جذري للفلسطينيين. كانت القضية الفلسطينية على رأس أولويات السياسة الخارجية العربية، والآن تراجعت كثيرا. والإجماع القديم على مقاطعة اسرائيل أصابه التفكك. وبعض النظم التي كانت تشكل حائط صد، ومصدر دعم مادي، مشغولة بنفسها في خضم حروبها الداخلية الممتدة.
وشيء من هذا التحول جرى على المستوى الدولي. فلم تعد القضية الفلسطينية تحظى بنفس الاهتمام، حتى وإن لم تتراجع المواقف الرسمية. والمنظمات الدولية التي كانت ساحة لادانة إسرائيل، سنجدها الآن متورطة في إصدار قرارات تبيض وجه سياساتها. والولايات المتحدة التي حاصرت خلال سنوات اوباما قدرا من التوسعية الإسرائيلية ، أضحت الآن مهيأة لنقل سفارتها إلى القدس، واصبح ترامب أول رئيس أول رئيس أمريكي يزور المدينة، وباتت تتحدث بفتور عن حل الدولتين، وتغض النظر عن مشاريع الاستيطان الإسرائيلي التي انطلقت من عقالها.
وفي مواجهة التدهور الداخلي، والضغوط والتراجعات الخارجية، تقف المؤسسات السياسية الفلسطينية التقليدية عاجزة عن المواجهة. تبدو السلطة الوطنية في وضع صعب. خياراتها الاستراتيجية انتهت بالفشل، وتقف عاجزة عن إيجاد بدائل. وتحولات توازنات القوى أدى إلى حالة تنسيق ما مع اسرائيل.أما الحركات السياسية، التي شكلت طويلا المجال السياسي الفلسطيني، فأصبح كل منها يعاني قصوره الخاص والمزمن. وبالتوازي مع ذلك انتهت استراتيجية حل الدولتين، التي سيطرت على الخيارات السياسية الفلسطينية الشعبية والمؤسسية، إلى طريق مسدود واصبح الاستمرار فيها نوعا من الوهم الواعي !!.
وثمة بديل يتشكل في الأعماق الآن ويصعد. قوى جديدة تبتعد عن الخيار السياسي الكبير: الدولة المستقلة، ليس لأنها لا تؤمن بها، بل لأن التوازنات الراهنة وتراكمات الفشل الفلسطيني، لا تسمح بالمضي في طريق هذا الوهم الشرعي الجميل. وفي المقابل تطرح بدائل صغيرة لكنها قادرة على تقديم نقلة نوعية في حياة شعبها. مثل المساواة في الحقوق، ومناهضة الاستيطان، واستعادة الأراضي المصادرة، ومحاصرة اسرائيل دوليا بالدعوة لمقاطعتها، والبناء المؤسسي للمجال المدني، وإنهاء الجدار العازل. باختصار: نمو مؤسسي مدني وحقوقي، في إطار السلطة الراهنة، حتى تأتي لحظة تغير في موازين القوى. ويبدو هذا الاتجاه قادرا على شغل الفراغ الراهن، وتقديم سياسات قادرة على التأثير في الحياة اليومية. إلا ان مشكلته انه بلا أنياب سياسية، في مواجهة عدو كله أنياب ومخالب، ويبتعد عن السياسات المنظمة، وعاجز عن تكوين قيادة بديلة. الأمر الذي يجعله قويا على المدى المتوسط، لكنه سيقف عاجزا في مواجهة الانفجارات العشوائية كانفجار الأقصى.
وفي مواجهة هذا الوضع سيتقدم الدين، ليطلق شرارات الغضب الوطني ويمنح هذا الغضب شيئا من لغته، ومساحة من قضاياه. في صحيفة هاآرتس الإسرائيلية استشهد جدعون ليفي بجزء من وصية «عمر العبد» مرتكب مذبحة حلميش: « أنا شاب صغير لم ابلغ العشرين من عمري بعد، كانت لي أحلام وطموحات كبيرة، ولكن ما هذه الحياة التي نعيشها، وشبابنا يقتلون بلا عدل.» في نفس الصحيفة كتب روني شكيد وكأنه يعلق على الوصية:» اليأس والإحباط، الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية، وعدم قدرة الفلسطينيين على تحدي الاحتلال الإسرائيلي لغياب توازن القوي، كل هذا يوجههم إلى الملجأ الديني. وهكذا يصبح المسجد الأقصى رمزا ملموسا لوطنية دينية، تحل محل شعارات حق تقرير المصير الوطنية».