صحوة الأقصى.. تحشر إسرائيل في الزاوية

د. عبد العاطي محمد –

عندما تمنع إسرائيل الصلاة في المسجد الأقصى، ثم تضع بوابات إلكترونية لتفتيش المصلين، فإنها تفجر طاقة غضب إسلامية تتجاوز الفلسطينيين والعرب ليصبح التصدي لهذا الموقف الإسرائيلي الخطير قضية المسلمين جميعا في كل العالم باعتبار الأقصى قاسما مشتركا لهم برغم تنوع انتماءاتهم الوطنية.

لقد تعرض الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين لانتهاكات عديدة من جانب كل الحكومات الإسرائيلية منذ احتلاله في 10 يونيو 1967، وفي كل مرة ظلت المقاومة الفلسطينية والعربية والإسلامية بصورها المختلفة حائط صد تحطمت عليه كل محاولات تهويد حرمه المقدس بل وتهويد القدس ذاتها. ولكن هذه المرة ذهبت إسرائيل إلى أقصى المحرمات عندما أغلقت الأبواب في وجه المصلين وقررت تفتيشهم عبر بوابات إلكترونية، في توجه ليس له إلا تفسير واحد هو تغيير الأوضاع تماما في حرم المسجد الأقصى وفرض السيطرة والسيادة المطلقة على القدس الشرقية، بما يقصى قضيتها من أية تسوية سياسية محتملة.
الصحافة الإسرائيلية لم تكشف بوضوح تطورات اتخاذ هذا القرار ولماذا وافق عليه بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي ومجلس الوزراء المصغر، ولكنها تشير إلى انه اتخذ على عهدة الشرطة بناء على طلب غامض من نتانياهو بتكثيف الإجراءات الأمنية في محيط الحرم دون أن يشير إلى الآلية لذلك، استنادا من جانبه للتعامل مع تردى الأوضاع الأمنية في الأسابيع الأخيرة في القدس والمدن القريبة بسبب الاشتباكات المتكررة بين المستوطنين والفلسطينيين بمن فيهم عرب 48 والتي شهدت ضحايا من الجانبين. ولكن نفس الصحافة الإسرائيلية تلوم نتانياهو وفريقه على هذا التصرف خصوصا مع النتائج التي ترتبت عليه حيث ارتفع مؤشر التصعيد في الموقف سواء من جانب السلطات الإسرائيلية أو الفلسطينيين، ومع التصعيد ازدادت حوادث القتل من الجانبين كان من أقربها ما حدث في مستوطنة حلميش قرب رام الله عندما نجح شاب فلسطيني في اختراق المستوطنة برغم الكاميرات والحراسة المشددة وقتل ثلاثة مستوطنين ردا على هذه الإجراءات غير المسبوقة في تاريخ الأقصى. وتشدد الصحف ذات الانتشار مثل يديعوت أحرونوت على أن نتانياهو وفريقه أصبحوا في موقف لا يحسدون عليه كمن اعتلى الشجرة ويريد النزول ولكنه بين نارين، فإذا تراجع وألغى البوابات الإلكترونية سيبدو ضعيفا متراجعا وإذا استمر على موقفه سيواجه المزيد من رد الفعل العنيف من الفلسطينيين أي وقوع المزيد من القتلى الإسرائيليين سواء كانوا من الجنود أو المستوطنين.

التفسير الراجح هو أن الحكومة الإسرائيلية ذهبت إلى ما بعد الخطوط الحمراء في تصرف غير محسوب العواقب، وذلك بأن وضعت قضية الأقصى والقدس في موضع الصراع الديني المحض على خلاف ما كان قائما من قبل وهو السياق السياسي. فكل الاعتداءات السابقة كانت بفعل إجراءات من إفرازات الصراع السياسي القائم منذ بداية التسويات السلمية التي منيت كلها بالطبع بالفشل، كالقيام بأعمال استفزازية من جانب القوات الإسرائيلية أو المتطرفين اليهود أو مواجهة فعاليات تضامنية مع تحرير القدس والتصدي لمحاولات تهويد القدس، ولكنها هذه المرة انحصرت في تصعيد الصراع الديني حول المدينة. وعزز ذلك صور المصلين وهم يؤدون الصلوات على رصيف الأبواب الخاصة بالمسجد وفي الشوارع القريبة، وكذلك مشهد تفتيش المصلين وهو أمر فيه استفزاز ومس بكرامة المتجه لأداء العبادة. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تتزايد حملات الحشد والتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي من جانب الفلسطينيين والمقدسيين بوجه خاص وحتى عرب 48 سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين للاعتراض على هذه الإجراءات. كما شارك في حملات التصدي والمواجهة دائرة الأوقاف الإسلامية التي تعبر عن حقوق الأردن في الإشراف على المسجد الأقصى وفقا للاتفاقات الموقعة بهذا الشأن، إضافة إلى ما تبذله حماس والمنظمات الأخرى من صور المقاومة للسياسات الإسرائيلية.
ولم تتوقف المخاوف الفلسطينية والعربية والإسلامية عند حد نقل الصراع على القدس من الطابع السياسي إلى الديني، بل ترسخ الانطباع من اللحظة الأولى لاتخاذ هذه الإجراءات بأن الحكومة الإسرائيلية تريد توجيه رسالة منها مؤداها أنها ماضية بلا رجعة في تغيير الأوضاع في الحرم المقدسي وأنها تفرض فعليا سيادتها المطلقة على القدس الشرقية وكلاهما لم يردا منذ 67 بحكم أن المدينة واقعة تحت الاحتلال الذي هو مؤقت بطبعه ولا يسمح بتغيير الأوضاع. ومن هنا مثلا كان إصرار الفلسطينيين بكل طوائفهم ومعهم عرب 48 على رفض التعامل مع البوابات الإلكترونية لأن الموافقة على ذلك تعني الانصياع والتسليم لما تريد إسرائيل فرضه كأمر واقع. ولا أحد لا على المستوى السياسي أو الشعبي سواء في المنطقة العربية أو على صعيد العالم الإسلامي يقبل بالموافقة على هذا التحول الخطير في الموقف الإسرائيلي من الصراع العربي الإسرائيلي ككل وليس فقط النزاع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ففي العقائد لا يمكن التساهل أو المساومة تحت أي ظرف من الظروف.
لا يمكن لإسرائيل السيطرة على ردود الفعل الغاضبة من الفلسطينيين ولا يمكن أيضا أن يتحقق ذلك على مستوى السلطة الفلسطينية ذاتها ولا حتى على مستوى حماس، ولا من جانب السلطات عربيا وإسلاميا، حيث يصبح التحريض والغضب ضد السياسات الإسرائيلية طاقة كبيرة من كل حدب وصوب، تنفجر بأشكال مختلفة ويصعب التكهن بطبيعتها، لأن الواقعة قد حدثت وكان لها تداعياتها التي لن تتوقف حتى لو تراجعت حكومة نتانياهو وألغت البوابات الإلكترونية. لقد وصلت الرسالة الخطيرة للفلسطينيين والعرب والمسلمين بأن الرغبة الإسرائيلية في تغيير الأوضاع حقيقة وليست مجرد احتمال يحدث أو لا يحدث. والتفاعل مع هذه الرسالة لا يخرج عن التصعيد مما يعنى أن التوقعات بازدياد أعمال العنف المتبادلة أقوى من التهدئة. ولن يكون مفاجئا أن تندلع انتفاضة ثالثة في الأغلب مسلحة لا سلمية وسط عدم القدرة على احتوائها.
المسألة لم تعد التمكن من الصلاة في المسجد الأقصى، وإنما في اجتثاث هذه الرغبة الإسرائيلية المدمرة من الأساس، ولذلك فإن المشهد يتركز في الصمود والرفض والمقاومة لا فقط في العودة للصلاة داخل المسجد، يمكن أداؤها على الأرصفة والشوارع وتحمل قنابل الغاز لتفريق المصلين عقب أدائهم الصلاة، ولكن لا يمكن الاستسلام للإجراءات الإسرائيلية.
موقف السلطة الفلسطينية بتجميد الاتصالات مع دولة الاحتلال لا يكفي – من وجهة نظر البعض – خصوصا أنه جاء من منطلق مجاراة الغضب الشعبي، وموقف الدول العربية والإسلامية يجب أن يتعدى الإدانة والتنديد إلى مستوى الضغط الفعال لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.
وهنا تصبح العلاقات العربية الإسلامية مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على المحك. فالمسألة لا يصح حصرها في مجرد خلاف حول إجراءات أمنية من المعتاد اللجوء إليها كوضع بوابات إلكترونية، وإنما حول ما تمثله هذه الإجراءات من تعبير عن سياسة هدفها الواضح هو تغيير الأوضاع في الحرم القدسي بما يجعل لإسرائيل السيادة والسيطرة المطلقة بينما قضية كهذه هي جزء من قضايا الحل النهائي الذي من المفترض أنه يتأتى غبر المفاوضات. وإذا كانت الولايات المتحدة وأوروبا حريصتين حقا على استعادة مسيرة السلام فإن عليهما أن تساعدا حكومة نتانياهو على الخروج من الفخ الذي وقعت فيه بحماقتها السياسية والنزول من أعلى الشجرة. إسرائيل اليوم لا تواجه الفلسطينيين أو العرب وحدهم بل تواجه عالما إسلاميا كبيرا في قدراته. وهنا تتعدد صور المواجهة ولكنها تبقى دائما في اتجاه التصعيد. وعند الوصول بالمشهد إلى وضع التصعيد فإن احتمالات العنف تتزايد، وليس بعيدا أن ما كانت تتجنبه هذه الأطراف الغربية في سوريا والعراق أن ينتقل إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. التصعيد يؤدى إلى قتلى بكل تأكيد من الجانبين، ووقوع القتلى يؤدى إلى المزيد من التصعيد. وبما أن خبرة الماضي تشير دائما إلى أن الآلة العسكرية الإسرائيلية متعطشة دائما إلى إراقة الدماء الفلسطينية، فإن الوضع الفلسطيني مرشح لأن يتعدى نطاقه المحلي ليتسع ويشمل العالم الإسلامي كله. ولكي يتم تجنب كل هذه التداعيات المقلقة للغاية فإن الموقفين الأمريكي والأوروبي حاسمان في تجنيب الجميع هذه التداعيات، وذلك بممارسة أقوى الضغوط على دولة الاحتلال للعدول عن سياستها بتغيير الأوضاع في القدس.