الدبلوماسية أولا في كوريا الشمالية

ريتشارد هاس –
ترجمة قاسم مكي –
يو إس توداي –
حاول كل رؤساء الولايات المتحدة منذ عهد كلنتون إبطاء أو وقف التقدم النووي لكوريا الشمالية. وكان ذلك يتم في الغالب من خلال العقوبات الاقتصادية والمفاوضات. لكن من الواضح أن هذه السياسة المعروفة باسم «سياسة الصبر الاستراتيجي» قد فشلت. فالاختبار الذي أجرته كوريا الشمالية مؤخرا لما بدا أنه صاروخ باليستي بعيد المدى حسم الجدل. والآن يحتاج هذا البلد، المعزول «والمفرط في العسكرة» والذي يقوده حفيد أول زعيم له ، إلى شهور أو على الأكثر إلى عامين لاكتساب القدرة على «تصغير» القنابل النووية وتحميلها على صواريخ بمدى ودقة تمكنها من ضرب الولايات المتحدة في هجوم يحتمل أن يقتل مئات الآلاف من الأمريكيين إن لم نَقُل الملايين منهم. السؤال هو ما الذي يجب علينا أن نفعله؟ توجد 3 خيارات أو بدائل. أولها القبول على مضض بما حققته كوريا الشمالية. وسيكون بمقدور الولايات المتحدة في هذه الحال الركون بقدر كبير إلى الردع . ويمكننا أن نوضح لكوريا الشمالية أن أي استخدام لأسلحتها سَيُواجَه بِرَدٍّ يمكن أن يكون نوويا. وحتى إذا لم يكن كذلك فقد يضع مثل هذا الرد حال القيام به نهايةً لكوريا الشمالية كبلد مستقل ولقيادتها. كما سيتم أيضا في هذا الخيار نشر الدفاعات الصاروخية كبوليصة تأمين إذا فشل الردع. لكن المشكلة هنا هي استحالة معرفة ما إذا كان التفكير العقلاني (وهو جزء جوهري من الردع) هو الذي ستكون له الغلبة في بلد كثيرا ما خالف العقلانية. لم يعد التدمير المتبادل المؤكد جذابا الآن بأكثر مما كان مع الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة. علاوة على ذلك، لا يمكن افتراض أن أداء الأنظمة الصاروخية سيكون مثاليا. أيضا ما يشكل حجة ضد هذا الخيار أن بلدانا أخرى قد تتأسَّى بالمثال الكوري الشمالي.
ويوجد احتمال أيضا في أن تتجه كوريا الشمالية إلى بيع السلاح النووي لجماعة إرهابية. ثاني الخيارات هو استخدام القوة العسكرية لتدمير جزء كبير من الترسانة النووية في كوريا الشمالية. أحد عيوبه عدم إمكانية ضمان نجاح أية ضربة من هذا النوع. فالعديد من هذه الأسلحة مخفي ومحمي في أعماق الأرض. بل هناك مشكلة أكبر وهي أن كوريا الشمالية سترد في الغالب بمهاجمة كوريا الجنوبية وستستخدم في ذلك قواتها التقليدية (غير النووية) الكبيرة التي تشمل المدفعية ووحدات العمليات الخاصة والصواريخ قصيرة المدى. وفي هذا السيناريو يرجح أن يفقد مئات الآلاف أرواحهم في العاصمة سول. كما سيتعرض للخطر 28 ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية بالإضافة إلى أكثر من 100 ألف أمريكي مدني مقيم هناك. كما أن الولايات المتحدة ملتزمة أيضا بأمن كوريا الجنوبية مما قد يستدعي إرسال المزيد من القوات والمعدات العسكرية.
لقد انتهت الحرب الكورية الأولى التي أشعلها الغزو الكوري الشمالي للجنوب في عام 1950 بفقدان أرواح الملايين من الكوريين خلال 3 أعوام. كما قتل أكثر من 30 ألف جندي أمريكي في الحرب التي أدت إلى تقسيم شبه الجزيرة الكورية عند خط العرض 38.
لذلك فالحديث عن توجيه ضربات جراحية أو محدودة لا يزيد في الغالب عن كونه مجرد كلام.
أما الخيار الثالث فيتمثل في محاولة التفاوض لبلوغ نتيجة مقبولة للبلدان الأكثر ارتباطا بالمسألة الكورية وهي الكوريتان واليابان والصين وروسيا والولايات المتحدة. (وفقا لهذا السيناريو) تقبل كوريا الشمالية بتجميد إنتاج واختبار أسلحتها النووية وصواريخها وتوافق على إجراء تفتيشات تؤكد التزامها بالجانب الذي يليها من الصفقة. وفي مقابل ذلك قد تحصل على اعتراف دبلوماسي وإعفاء جزئي من العقوبات وبعض الخفض في حجم وعدد التمارين العسكرية المشتركة الأمريكية – الكورية الجنوبية. إن اتفاقا كهذا لن يحل مشكلة كوريا الشمالية. (فهي لن توافق أبدا على التخلي عن قواتها النووية والصاروخية التي تعتبرها مركزية في بقائها.) ولكن قد تَحِدُّ المفاوضات من حجم التهديد. يشك العديدون في إمكانية نجاح الدبلوماسية بالنظر إلى تاريخها المليء بالإخفاقات. ثمة عامل كبير هنا وهو استعداد الصين لاستخدام نفوذها الذي تستمده من حقيقة أن اقتصاد كوريا الشمالية يعتمد بشدة على الدعم الصيني. ولكن الصين غير متحمسة لممارسة ضغط زائد عن الحد على كوريا الشمالية خشية من أن يؤدي ذلك إلى انهيارها مما سيحرم الصين من وجود دولة عازلة على حدودها. كما يشكل استحداث عقوبات أمريكية أقسى ضد الصين لإقناعها بالضغط على كوريا الشمالية استراتيجية خطرة بالنظر إلى الطرائق العديدة التي يعتمد بها الاقتصاد الأمريكي على العلاقات الطيبة مع الصين. كل هذا يعني أن الدبلوماسية قد تفشل مرة أخرى. ولكن هذا لا يشكل حجة ضد عدم المحاولة لأن من المهم إثبات أنه قد جرى استكشاف لجدوى الخيار الدبلوماسي قبل الانتقال إلى البدائل الأخرى. من المؤكد أن كلا البديلين الرئيسيين أقل جاذبية ولو لأسباب مختلفة. هذان البديلان هما التعايش مع كوريا الشمالية التي تشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة أو مهاجمتها مع إدراك أن مثل هذا الهجوم ستعقبه حرب واسعة وباهظة الكلفة. ولكن من الممكن جدا أن يكون (البديل الدبلوماسي) هو الذي يتحتم علينا اختياره. فالواقع يدعو إلى التفكير فيه أولا، على الأقل.

• الكاتب رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب «عالم في فوضى».