من ذكريات هذا اليوم التاريخي …!!

عبدالله بن علي العليان –

قبل أذان المغرب بدقائق معدودة إذا بأحد الأشخاص يأتي من منطقة الحصن التي عاشت أحداث الساعات التاريخية في ميلاد عماننا الحديثة ووجهه باسم مستبشر وهو يتجه إلى الجموع المحتشدة بالميدان (البشارة.. البشارة..قابوس تولى مقاليد الحكم)

في هذا اليوم التاريخي في ذاكرة عُمان والعمانيون، يوم 23 يوليو 1970 الذي نستذكره دائما، ونتذكر ما قبل هذا اليوم،وما تحقق بعده بعد 47 عاما، وبحكم أنني ولدت في مدينة صلالة، فقد عايشت التجربة العمانية قبل النهضة وبعدها،فإن تسجيل هذه المعايشة بكل جوانبها تحتاج مئات الصفحات إذا ما أردنا أن نوفي هذه الملحمة حقها لسرد أحداث ووقائع خلت بكل أحلامها وآمالها في عمر هذه النهضة الغالية على قلوبنا. كانت محافظة ظفار تعيش كبقية المدن والمحافظات العمانية، نفس الظروف القاسية من افتقارها لكثير من أسباب العيش الكريم والحياة العصرية، والنقص في الخدمات العامة وغيرها، ناهيك عن المعاناة الشاملة لأبناء عمان، وهجرة أغلبهم الى الخارج للبحث عن العمل والتعليم وغيرها. كانت السنوات الثلاث قبل النهضة المباركة من أصعب الفترات التي عاشها العمانيون نتيجة تراكم السنوات القاسية في الجانب المعيشي والاجتماعي، لتضاف إليها جملة من الظروف هي محصلة هذه العزلة والتخلف لتساهم في إرباك تطلعات المستقبل إلى آفاق رحبة،كانت أبسط الأشياء غير متاحة،وربما دخلت في قائمة الممنوعات الكثيرة، والمشكلات تتفاقم بصورة مطردة لأسباب عديدة. كانت قراءة الصحف في تلك الفترة الصعبة بكل افرازاتها المتعددة والحصول عليها ضربا من المحال، أو هي أشبه بأحلام اليقظة، لكننا لكثرة ما يراودنا هذا الحلم اليقظ فإن برنامج صوت العرب الشهير (شارع الصحافة)،كان دائم التردد على مسامعنا كل صباح، ولذلك كنا نتلهف لقراءة هذه الصحف،حتى وان كانت قصاصات ورقية، المهم معرفة شكلها وموضوعاتها، وأتذكر أنه في أواخر الستينات وقد بدأت مداركنا تتفتح على أحداث العالم وقضاياه مع ما يحظى به المد القومي آنذاك من زخم كبير في تشكيل الوعي العربي، كان جلالة السلطان قابوس ـ قد وصل من المملكة المتحدة في عام 1966 ، بعد أن أكمل دراسته النظامية والعسكرية، وكان يتابع أحوال عمان ويتابع القضايا العربية التي عاشها الوطن العربي في مرحلة الستينات لا سيما كارثة 67م،ولن أذيع سراً أن مكان إقامة جلالته قبل النهضة كان يغص بمختلف الصحف والمجلات والدوريات العربية المختلفة في تلك الفترة، فأثناء تجديد مكان إقامة جلالته السابق وجد الموظفون العمانيون الذين يقومون ببعض الأعمال الفنية في بعض الغرف محل إقامة جلالته بمنطقة الحصن ، كميات هائلة من المطبوعات المختلفة تبرز جوانب المتابعة الفكرية والسياسية من جانب جلالته – حفظه الله ورعاه – لقضايا الوطن العربي والدولي من منتصف الستينات إلى فجر النهضة، وهذا بلا شك أحد دلائل الاهتمام الفكري والسياسي من جانب جلالته بمختلف التطورات ، وأتذكر أننا حصلنا على بعض المطبوعات وكنا نسهـر أياماً عديدة بنـادي ظفـــار (الشعب سابقاً)،لقراءة هذه المطبوعات المختلفة لتعطشنا للصحافة المكتوبة لكونها غائبة عنا أو على الأصح نحن مغيبون عنها للظروف السائدة قبل النهضة المباركة، ولا يخفى على المتابع الحصيف أن جلالة السلطان المعظم موسوعي في نظرته إلى الثقافة بتفرعاتها الفكرية والسياسية والأدبية والتاريخية، وكان اهتمامه بالسياسة لا يغلب اهتماماته الأخرى في المعارف الإنسانية المتعددة .
وفي بداية 1970 ترددت بعض الأخبار بأن هناك شأنا ما سيحدث في عمان، وبعدها حملت الأخبار بأن السلطان قابوس بن سعيد سيتولى مقاليد الحكم في البلاد، لكن هذه الأخبار والأنباء المتناقلة بين الحين والآخر ، اعتبرها البعض بأنها مجرد تمنيات لما تعيشه البلاد في تلك الفترة، ربما نتيجة التراكم السلبي لأوضاع البلاد حتى اعتقد الكثيرون أن لا فكاك من هذا الوضع الأليم، وربما بمخاض عسير. كان كثيرون من ابناء الشعب العماني خارج البلاد والحرب الداخلية على أشدها، والظروف الأهلية في الداخل تتفاقم وتزداد ، ونعرف الكثير من الأصدقاء الذين هم في زهرة أعمارهم وفي ريعان شبابهم ماتوا غرقاً في البحر عندما أرادوا السفر إلى الخارج وكان السفر آنذاك ممنوعاً تماماً .. ضمن قائمة الممنوعات التي رزح تحتها الشعب العماني ردحاً من الزمن.
في ذلك اليوم الخريفي البديع الذي يتفرس وجوهنا وملامحنا الشاحبة بأجواء الطقس الجميل ومع فرحة الإجازة الأسبوعية لبعضنا، حيث ستصادف اليوم التالي من تلك الليلة التاريخية كانت الساعة لا تتجاوز الثالثة ظهراً عندما كنا مجموعة من الشباب لا تتجاوز أعمارنا الثالثة عشرة من العمر ، وفي غمرة الهوس الكروي بالنسبة لأعمارنا لكونها المتنفس الوحيد في ذلك الوقت الذي لا تشمله قائمة الممنوعات لاحظنا أن الأجواء الملبدة بالغيوم في ذلك اليوم الخريفي أن هناك أجواء أخرى غير طبيعية من خلال حركة السيارات المتواصلة من قاعدة صلالة الجوية إلى منطقة الحصن بصورة تلفت النظر أو الأصح تستدعي الانتباه لكننا مع ذلك لم نكن نعطي الأمر أهمية لكون الظروف في ذلك الوقت ربما تكون أقرب إلى تلك التحركات، وبعد حوالي نصف ساعة من الوقت لاحظنا تحليق بعض الطيران في أجواء روتينية بالمقاييس العسكرية إلا أننا توقفنا عن متابعة الحماس الكروي وبدأ بعضنا في نقاش جانبي والبعض الآخر واصل اللعب غير مكترث لعدم يقينه بحصول أي شيء يثير الاهتمام ويستدعي التوجس، وما هي إلا دقائق فإذا بأحد موظفي الجهاز الحكومي في ذلك الوقت وعددهم قليل جداً يعود مرة أخرى لعدم تمكنه من الوصول إلى مقر عمله حيث الدوام آنذاك لفترتين مسائية وصباحية وعندما سألناه عن الأسباب كان رده مقتضباً وهامساً «يبدو أن هناك تحركات غير عادية وحركة الدخول والخروج بمنطقة الحصن شبه ممنوعة».توقف النشاط الكروي تماماً فإذا بنا نركض كل في اتجاه وان كان أغلبنا اتجه إلى ميدان الجامع بصلالة حيث الطريق الرئيسي إلى منطقة الحصن فإذا بجموع المواطنين واقفة في الميدان ترقب التحرك بما يشبه الترقب بحدوث أمر ما قد يكون مدعاة للخروج من حالة العزلة وألم التخلف ومتاعب التشتت ، ولم يطل الانتظار في الترقب الذي أتى بهواجس ووساوس كثيرة بعضها كان أقرب للتوقع بما حدث .
وقبل أذان المغرب بدقائق معدودة إذا بأحد الأشخاص يأتي من منطقة الحصن التي عاشت أحداث الساعات التاريخية في ميلاد عماننا الحديثة ووجهه باسم مستبشر وهو يتجه إلى الجموع المحتشدة بالميدان (البشارة.. البشارة..قابوس تولى مقاليد الحكم ) وقد خرج جلالته ماشياً في المنطقة السكنية المحاذية لقصر الحصن يحيي جموع المواطنين الذين خرجوا بتلقائية لتحيته بتوليه الحكم وتحمد الله وتشكره، وارتفعت أصوات الجموع بالتكبير والدعاء وسمعنا بعدها بدقائق مدينة صلالة ترتج بالزغاريد من البيوت ورأيت بنفسي الدموع تنهمر بعفوية من العشرات الواقفين ..إنها دموع الفرح والفرج الذي طال انتظاره وتحقق على يد جلالة القائد الباني قابوس المعظم .
إن الحدث فاجأنا حتى أن بعضنا لم يكن يصدق ما حدث، انه أشبه بحالة استثنائية غير متوقعة، إنها ولادة جديدة بكل معاني الكلمة لوطن عانى الكثير من ويلات الحرب والتمزق والشتات. وزحف الليل على مدينة صلالة ، وعلى الرغم من سدوله المعتم، إلا أن نور الفرج قد لاح منذ ساعات بخبر تولي جلالة السلطان قابوس الحكم وعاشت المدينة وبقية القرى ليلة سعيدة لم تعرفها منذ سنين كثيرة في أحاديث وتوقعات وأحلام، ولم نستطع أن نقسط الحلم أو نطرده لأننا عشنا أوقاتاً نبحث عن حلم يزيح ما يجيش في النفس وعن خواطر وطن أضحى يتراجع ويتقلص بعدما كانت شهرته في فترات سابقة تضرب بها الأمثال، قوة وتاريخاً ومجداً، فتحية لجلالة القائد المعظم – اعزه الله – في هذا اليوم العظيم في تاريخ عمان والعمانيين.