ملفات الزهور

عادل محمود –

بحثًا عن ورقة في ملفاتي، تتعلق بحركة مثقفي سوريا عام 1979 من أجل الإصلاح، وفي
ظلال الدماء التي سالت في ساحات المعركة بين الدولة والإخوان المسلمين… وجدت أوراقًا
أخرى من بينها بطاقات بريد بالعبرية، كنت قد وجدتها في مواقع إسرائيلية في جبهة الجولان، أثناء
حرب أكتوبر 1973. وددت لو أفهم ما المكتوب فيها. كما وجدت عملة شيكل مكتوب عليها، بخط
باهت عبر الزمن. «ذكرى موقع تل أحمر». كما عثرت على ورقة باهتة أيضا هي قرار وزارة
الثقافة السورية بنشر أول كتاب لي، ديوان «قمصان زرقاء للجثث الفاخرة» وفي القرار تحديد
المكافأة، التي كانت تُحسب، تلك الأيام، على عدد الكلمات، وبما أن الشعر قليل الكلام كانت
مكافأتي 900 ليرة سورية (أقل من دولارين ـ اليوم).
ثم وجدت مسودة خطاب قصير ألقيته في اجتماع الأدباء والمثقفين السوريين مع الجبهة الوطنية،
قلت فيه: إن سوريا اليوم بعد ستة عشر عاما (من حكم البعث) لم تجد بعد حلا لمشكلة الخبز،
فكيف نتوقع عبقرية إيجاد الحرية والخبز في وقت واحد؟ وكدت أصفق لنفسي، لأن الجملة اللاحقة
كانت شجاعة بمقاييس تلك الأيام: دققوا بمصير الشعارات: في الوحدة حدث التفكك الناجز وتقسيم المقسم. في الحرية: شيدت سجون جديدة
في الاشتراكية: ازداد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا.
انتصرنا لفلسطين فحصلنا على كامب ديفيد.
كان إغراء التفتيش في غبار أوراق الماضي يتزايد، وسعلت كثيرا:
عثرت على شذرات في صفحات بلا تاريخ، والأرجح أنها تعود إلى الثمانينات من القرن الماضي.
«تعني الكتابة إزالة الالتباس بين الواقع والحلم. إن جمالها يساهم في تقصير أمد الاستبداد»
ضحكت مما آلت إليه الكتابة، ومما وصل إليه الاستبداد في عصرها. وفي صفحة أخرى لا يقرأ ما فيها إلا بصعوبة:
«لاشيء يجعل الإنسان يهرم سوى الانتظار. أو أن يكون الأمل على حافة هاوية». «المعادلات الشاقة هي: أن
تدع لغيرك فرصة أن ينبذك، تماما كفرصة أن يحبك».
إحساس عميق جديد بالوداد تجاه نفسي، كان ينمو، وكنت أحس بصوت الأزمنة، وهي تتلاطم فوق صخرتي.
كنت على أهبة أن أنبش في أوراق الأزمنة الحديثة، باحثا عما هو بالٍ ومعيق لانتباه الإنسان في تقريره لمصيره.
الإنسان الذي يجعل الغائبين طيورًا وزهورًا. فهم يغرّدون ويفوحون في أعماقنا لكي نعود إليهم ويعودوا إلينا
من السفر».
ثمة كارثة النسيان. فأنا في الذروة من الحماسة لاكتشاف الأوراق المنسية.
وجدت هذا النص الموجّه، ونسيت أسباب كتابته، وعنوان رسالته:
«وحدك من بين خمسين ذكرى ذاهبة إلى النسيان… تنبتين كالوشم اليانع فوق يدي. ولأنك ناعمة كغبار
الزهور تشبهين نمشًا على الخدين.
في الذروة، هناك، صمت معتم، تمر الظلال، كفكرة، ويولد الحب بلا ألم. صمت في كهوف رومانية
منتشرة في الفجر، كماعز على السفوح. هناك في الأرخبيل المطل على المدينة، وعلى نعاس أهل المدينة
رمموا منعطفا للحب وآخر للتوبة…
ولأنك ناعمة مثل غبار الزهور…تختفين وتظهرين، كنعاس الغيوم، فوق سفوح الأزمنة القديمة».
ثمة ذواكر أخرى…غرقت فيها، قلّبتها بين يدي المرتجف سابقا، وفي عصر هذا اليوم، تستحق الذكريات
غسلها بحفاوتها ومائها القديم. إنها مؤلفتنا نحن البشر كنصوص، وقد لا تفنى الحاجة لاستعمالها. نصوص
ما زالت تصنع الوداع اللائق الذي لا يحتاج، ليؤكد لياقته وحفاوته، إلى كثرة التلويح في برزخ الرحيل.
…………………………………….
طويت الغبار، مع الحبر، مع فتنة تواضع الأوراق… وفكّرت: كم يستطيع قلب الإنسان تحمل الكمية
الباهظة من الأحداث التي حدثت… مرة أخرى، باستعادتها في مذكرات وسيرة حياة؟