المخاوف والتحديات لن تختفي

العزب الطيب الطاهر –

«باتت نذر القضاء على الوجود العسكري العلني للتنظيم الإرهابي – داعش – واضحة القسمات،غير أن ذلك لا يؤشر إلى غياب كامل له من المشهدين العراقي والسوري بل والمشهد الإقليمي بوجه عام.»

المؤكد أن تنظيم داعش تعرض لهزيمة قاسية في الموصل، ومن قبل في المدن العراقية الأخرى التي وقعت في قبضته منذ ثلاث سنوات (يونيو 2014 ) وفي الوقت ذاته تعرض – وما زال – لضربات موجعة في الرقة وغيرها من المناطق السورية من شأنها أن تمهد لإلحاق الهزيمة به، وإن كان الأمر سيستغرق متسعا من الوقت بفعل تعقيدات إقليمية ودولية ما زالت أطرافها عصية على التوافق فيما بينها.
ولم يختلف الأمر كثيرا في حال تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والذي تم إنهاكه بفعل الضربات الأمريكية المتوالية، فضلا عن ضربات الجيش العراقي، فقد قتل قائد التنظيم أبو مصعب الزرقاوي وتشتت كوادره وعناصره، بيد أنه سرعان ما تخلق في رحم العراق تنظيم داعش، والذي امتد إلى سوريا صانعا لأول مرة خرائط لدولته المزعومة، والتي اتخذت من الموصل عاصمة ومن الرقة في سوريا مركزا رئيسيا مجسدا بذلك أشواقه لإعادة إنتاج الخلافة الإسلامية .
في ضوء هذه المعطيات، فإنه من الصعوبة بمكان القول إن التطورات الأخيرة والقاسية التي تعرض لها التنظيم في العراق وسوريا تؤشر إلى قرب نهايته، أي أن يختفي تماما من جغرافيا البلدين، على الرغم مما يبدو من رمزية ذلك، على صعيد الحرب المشتعلة ضد التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية ككل، والتي بدا أنها في طريقها إلى التآكل وليس الاختفاء، ما سيقود إلى بروز جملة من التحديات أمام القوى التي تحارب داعش في البلدين، بل وفي المنطقة العربية التي تمدد فيها التنظيم الإرهابي معلنا تأسيس ولاياته سواء في ليبيا أو اليمن أو لبنان، بما في ذلك شمال سيناء بمصر، على الرغم من مما تلقاه في الأشهر الأخيرة من هزائم شديدة الوطء، لم تتوقف عند حدود العراق وسوريا، ولكنها امتدت الى ليبيا بعد خسارته مناطق سرت ودرنة ثم أخيرا بنغازي التي اكتملت سيطرة الجيش الوطني عليها، بقيادة خليفة حفتر مساء الأربعاء المنصرم.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات من نوعية، هل طويت صفحة الحرب الدائمة لنشهد عالما جديدًا، بلا إرهاب ولنرى دولا مستقرة وموحدة، ومغايرة للدول التي شهدت الصراعات الطائفية التي غذت كل أشكال التطرف، وصنعت لكل مكوّن من المكونات الوطنية في هذه الدول «داعشة» الخاص والمتطرفين؟ أم أن ما رسم قد رسم، والمعركة الحالية ليست إلا فصلا من فصول تتجدد في انتظار الآتي الأعظم لحشود عسكرية تتدفق من كل حدب وصوب نحو الموصل والرقّة تحت شعار القضاء على الإرهاب في أبرز معاقله ، ولكن لكل حشد قضيّته ومراميه، وتكاد التناقضات بين المحتشدين والتنافس على تصدر المواجهة، أن تفجر صراعا بينها أشد هولا من الصراع مع المقاتلين المتمترسين في الداخل، فهل ينتظر من يسمّون انفسهم «مجاهدين» في جحورهم انبثاقا جديدا لمعادلة دموية تعيدهم إلى صدارة المشهد، لا سيما أنه بالنسبة اليهم، خسارة الأرض ليست هزيمة! هذه الخشية مبررة لأن المعركتين في الموصل والرقة تجريان وسط انشطار مذهبي واتنيّ خطير يغذّيه تسابق خارجي على النفوذ وابتلاع ما بقي من العراق وسوريا. والوحدات المحتشدة هناك لا تحمل فقط السلاح بل أيضا المشاريع المتناقضة والمتعارضة.
وثمة من يطرح عدة سيناريوهات لمرحلة ما بعد هزيمة داعش في كل من العراق وسوريا أولها. أن يختفي التنظيم ثم يعود وذلك على خلفية أن «داعش» في إمكانه إعادة تشكيل نفسه من جديد لبسط النفوذ والسيطرة على مناطق أخرى، بل هو موجود بكثافة في بعض المناطق ويشبه ويُرجِع المحللون العسكريون الأسباب المؤدية إلى بروز هذا السيناريو، إلى الحرب الأهلية المستمرة في سوريا، والنتائج المترتبة على هذه الحرب وهذا الصراع خلال السنوات المقبلة. كما يرون أن التعاون الحالي القائم بين الحكومة العراقية، والقوات العسكرية المختلفة المكوّنة من الأكراد والسنّة، ربما لا تصمد خلال السنوات المقبلة وسط التغييرات السياسية، ما يجعل المناخ مهيئا لعودة التشكيلات الإرهابية مثل «داعش» وأخواته.
وأما السيناريو الثاني وفق محللين استراتيجيين فيكمن في نزوع التنظيم الى بناء تجمعات جديدة له في مناطق خارج الدولتين لاسيما أنه يمتلك خبرة جيدة في هذا الصدد تجلت في نجاحه في إنشاء فروع له على مدار السنوات الماضية كوّن «داعش» تجمعات له في غرب أفريقيا وشمالها، وليبيا، واليمن، وأجزاء في سيناء المصرية، وفي ليبيا تحديدا استقدم «داعش» مقاتلين من سوريا والعراق، بهدف توحيد واندماج المقاتلين تحت لواء الخلافة المزعومة. كما عمل التنظيم على ضمّ مقاتلين من تنظيمات إرهابية منفصلة لصفوفه مثل تنظيم «بوكو حرام» بهدف إيجاد امتداد أكبر لفكر التنظيم الإرهابي في مناطق مختلفة بالعالم . ويطلق المراقبون على هذه الخطة استراتيجية «بقعة الحبر» لأن كل فرع سيتسع مثل بقعة الحبر على ورق نشاف، غير أن هذا السيناريو قد يواجه صعوبات في مناطق مثل اليمن، وغرب أفريقيا، بينما يسهل حدوثه في دول اخرى مثل ليبيا. ولكن يرى المحللون أن إصرار«داعش» على تكوين خلافة والاستحواذ على مناطق أكثر، والرغبة في الانفراد في قيادة المشروع الإرهابي، يجعل كل الاحتمالات قائمة لتنفيذ عملية التحالف والتعاون مع الأعداء والمنافسين للتنظيم.
أما السيناريو الثالث فيتجلى في استمرار المقاتلين في سوريا والعراق ويشبه هذا الاحتمال حال حركة «طالبان» في أفغانستان بعد عام 2001، وحال تنظيم «القاعدة» بعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق، واستمرار مقاتلي «القاعدة» في العراق وهو سيناريو أقرب إلى الواقع عن سابقيه، نظرًا لأن القتال هو الخطوة التالية لعملية تأسيس التنظيم، بينما تصبح عملية توسع «داعش» وتمدده، بعيدة كل البعد عن طبيعة التنظيمات الإرهابية المماثلة للتنظيم في ظروف التشكيل والتأسيس وربما يستمر مقاتلو «داعش» في العملية القتالية، التي تمنح عناصر التنظيم دعما شكليا، وتظهر رؤية جديدة مستمدة من الجبهات القتالية الصغيرة مثل جبهة النصرة»، و«جبهة فتح الشام» في سوريا.
ويشير المحللون الى أن السيناريو الرابع يتمثل في اختفاء التنظيم ماذا يحدث لو قرر المقاتلون في صفوف داعش التخلي عن التنظيم، أو الانتقال والتحرك لخلايا إرهابية بعيدة، ويصدق البعض أن فكرة الدفاع عن الخلافة المزعومة يؤدي إلى اتجاه معاكس عن الهدف المحدد للتنظيم، ليتعرض داعش لضربات عدة في أكثر من جهة، ولا يستطيع مواجهة كل الأهداف، ويعد هذا السيناريو واردًا، لاعتماده على رصد تعاملات الحكومات مع مواطنيها الذين انضموا إلى صفوف «داعش»، ومثال على ذلك ما عرضته الحكومة الدنماركية على مواطنيها الذين انضموا إلى «داعش» للعودة لوطنهم من دون محاسبة، ليفقد التنظيم العناصر القديمة الأساسية، ويتحول داعش لكيان منعزل لا يجذب الشباب الأوروبي للالتحاق به، أما السيناريو الأخير فيتجسد فيما يطلق عليه المحللون الاستراتيجيون« الذئاب المنفردة» وهو سيناريو مرجح الحدوث أيضًا، وفي حالة مراجعة كل العمليات الإرهابية المنفردة لـ«الذئاب المنفردة»، نجد أن الأعداد في تزايد مثل هجمات كاليفورنيا، وسان برناردو، التي وقعت دون علم «داعش»، وأعلن منفّذو الهجمات انضمامهم للتنظيم وقتها ويتوقع هؤلاء المحللون أن المشهد يصبح كالتالي، انحسار «داعش» من مناطق السيطرة، مع انخفاض الترويج والدعاية الدائمة للتنظيم، واختفاء اسم التنظيم فترة من الوقت عن وسائل الإعلام،غير أنه في الوقت نفسه تستمرّ الذئاب المنفردة في القيام بهجمات فردية تثير مخاوف بعض الدول. وهكذا فإن تحرير الموصل والرقة لا يعني بالضرورة حفلة الوداع الأخيرة للتنظيم، ولا يعني وأد الإرهاب، فالخشية ان يكون السياق السياسي والأمني الذي أحيا التطرف وأنعشه وسيّده على مناطق شاسعة، لا يزال هو نفسه، لا بل يجري إمداده وتغذيته بكل المقويات والذرائع ليبقى على قيد الحياة، أو ليخرج برداء آخر فور توافر الشروط والمناخات، وهي أصلا لا تزال صالحة وملائمة وما أكثرها. والأمر برمته له علاقة بأسباب داخلية وأخرى خارجية، وله أبعاد فكرية ودينية وطائفية وسياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية وتاريخية وتربوية ونفسية، أي أنه يتعلق بمجمل الأوضاع التي أدت إلى نشوء التنظيمات الإرهابية، ابتداء من تنظيم القاعدة ووصولاً إلى تنظيم «داعش». وبقدر ما هناك بيئة ساعدت على نشوئه، في كل من العراق وسوريا فإن هناك فضاء إقليمي ساهم في انتشار فيروسه، وتأمين حركته وانتقاله، مستفيداً من أوضاع دولية وإقليمية وفقا لما قاله المفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان لكاتب هذه السطور.