مخاطر التشرذم والعودة.. خلايا نائمة وذئاب منفردة

محمد حسن داود –

,, هزيمة «داعش» الواضحة في الآفاق بعد المعارك الضارية في الموصل والرقة سوف تؤدي بالتأكيد إلى سحق التنظيم وتشرذمه ولكنها لا تعني بالتأكيد اختفاءه تماما من على الساحة العالمية، فهذا التشرذم على الطريقة العنقودية سيؤدي لبروز مشاكل أخرى أشد خطورة ترتبط باحتمالات تزايد ظاهرتي الخلايا النائمة والذئاب المنفردة بعد عودة العناصر الإرهابية لبلادهم الأصلية. ,,
لقد تزايدت في الفترة الأخيرة المطالب من جانب قادة غربيين بإرسال الشرق أوسطيين والعناصر الأجنبية الأخرى المشتبه بهم إلى بلادهم الأصلية خوفا من تسلل مجموعات وخلايا إرهابية جديدة إلى الأراضي الأوروبية والغربية عموما بعد اندحار داعش، ولا شك في أن تلك المطالب تنطلق من مصالح ذاتية بحتة بغض النظر عن الأطراف التي يجب أن تتحمل الثمن وكذلك بغض النظر عن المآسي البشرية التي قد تنجم عنها، وتتزايد وتيرة الخوف والقلق والضغوط من جانب أوروبا جراء التأكيدات المتزايدة على هزيمة« داعش» في بلاد الرافدين واحتمالات عودة جماعية للكوادر «الأوروبية الجنسية» كذلك والمنخرطة في القتال بصفوف التنظيم الإرهابي، وهي ظاهرة متكررة في كل حالة «جهادية» سابقة وكان أبرز عناوينها «العائدون من أفغانستان والعائدون من الشيشان والعائدون من البلقان» ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى ما حذر منه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من أن هناك أكثر من خمسة آلاف إفريقي ينشطون في صفوف الجماعات المتطرفة داخل القارة الإفريقية وخارجها وأصبحوا يشكلون تهديدا يستدعي التنسيق لمواجهته.
أوضح الرئيس الجزائري في مذكرة تم عرضها خلال أعمال القمة الـ29 للاتحاد الإفريقي في الأسبوع الماضي أنه لمواجهة هذا التهديد فإن أفريقيا مطالبة بتطوير تعاونها في مجالات عديدة، بما في ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية عن المقاتلين الأجانب، وتحسين المعرفة بملامحهم، ومنع تنقلهم عبر مختلف وسائل النقل ونقاط الدخول والعبور، فضلا عن تحسين إدارة الحدود، وأشار التقرير المعد من قبل الرئيس الجزائري كذلك إلى إعلان جماعات متطرفة عدة، تنشط في شمال مالي والساحل الإفريقي، التوحد تحت راية واحدة، مبينا أن المحاولات التي تقوم بها الجماعات المتطرفة للتجمع أو التوحد في منطقة الساحل، ليست غريبة على حركات العودة، والتوقعات المستقبلية للأعمال المتطرفة في هذه المنطقة، ومن ثم أمرت السلطات الجزائرية، سفاراتها ومبعوثيها الأمنيين لتركيا وسوريا والعراق، والموجودين في لبنان وتونس ومصر، وكل الدول التي لها علاقة بالحرب التي يشنها تنظيم «داعش»، بضرورة وضع رقابة صارمة على المقاتلين الأجانب، ورصد كل تحركاتهم، وإرسال تقارير بشأنهم، كما كثفت اتصالاتها مع أجهزة الحكومة السورية لرصد حراك الخلايا النائمة في كل من الجزائر وتونس.
ولا شك في أن رؤية الرئيس الجزائري لها أهميتها الكبرى في هذا الصدد نظرا للتجربة الكبرى التي عاشتها الجزائر في مكافحة الإرهاب من ناحية، وللخبرة السياسية الطويلة للرئيس بوتفليقة والتي تجعل من رؤيته منهج عمل وبرنامج مكافحة مهما حيث يعتمد تنظيم «داعش» على استراتيجية خاصة لزرع الفوضى في الدول التي تشهد استقرارا، ويحاول تكوين جماعات محلية موالية له من العائدين، إذ يشكلون جسورا بين تنظيمات الخارج وجماعات الداخل، كما أثبتت تحقيقات جهاز الأمن الجزائري محاولة التنظيم اختراق الجزائر وتأسيس أكبر فرع موازٍ له في البلاد، من خلال تجنيد الشباب المغرر بهم في بعض المناطق التي ما زالت تعيش الفقر والحرمان، واعتمد في ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي. ونتيجة لذلك يزداد الاهتمام الرئيسي على المستويات السياسية والإعلامية عبر ضفتي البحر المتوسط على وجه الخصوص لمتابعة قضية عودة «الجهاديين» المغاربيين والشرق أوسطيين تحديدا من جبهات القتال بسوريا والعراق، وليس خافيا أن الحديث في وسائل الإعلام التونسية على سبيل المثال يعكس منذ فترة ليست بالقليلة وبشكل متكرر المخاوف من عودة هؤلاء «الإرهابيين» الذين تشكل تونس مصدرا رئيسيا لهم ويصل عددهم إلى حوالي خمسة آلاف شخص(!) وقد أثارت هذه المسألة والمطالب القائمة في دول أوروبية بإعادة إرسالهم إلى دولهم الأصلية جدلا غاضبا متصاعدا في تونس إلى حد إطلاق الانتقادات الحادة لتلك التوجهات التي اعتبرت سياسات غير مسؤولة.
ولا تقف الممارسات الأوروبية التي تحاول هي الأخري تحجيم المخاطر المحتملة للتشرذم الداعشي المقبل عند هذا الحد، بل تدفع الحكومة الألمانية مثلا باتجاه مزيد من الضغوط على الحكومات المغاربية لإيجاد حلول عبر ترحيل آلاف المغاربيين الذين ترفض طلبات لجوئهم للدول الأوروبية، وذلك عبر منح الدول المغاربية صفة «دول آمنة» ومنحها المزيد من مساعدات التنمية إن هي تعاونت في ملف الترحيل، لكن المعارضة ومنها حزب الخضر تعترض على تصنيف «دول آمنة» بسبب استمرار «انتهاكات حقوق الإنسان في الدول المغاربية» كما اقترح رئيس الحزب جيم أوزدمير بالمقابل تسهيل حصول المواطنين المغاربيين على تأشيرات السفر وفرص الهجرة الشرعية إلى ألمانيا عبر فرص الدراسة والتجارة، بغرض حث هذه الدول على استعادة مهاجريها غير القانونيين.
والحقيقة أن أطراف الأزمة تجد نفسها في مأزق كبير، ومن المتوقع أن يحتدم الجدل في ألمانيا على وجه الخصوص حول هذه المسألة لعلاقتها بقضايا الأمن واللاجئين، تزامنا مع الانتخابات العامة التي تشهدها البلاد قريبا، بينما يرى محللون أن الدول المغاربية لا تضع هذا الموضوع ضمن أولوياتها، ويعتقدون أن من أسباب الصمت أو التجاهل إزاء هذا الملف وجود مشاكل عديدة تثقل كاهل الدول المغاربية من ناحية.. ومن ناحية اخرى قد لا ترى حكوماتها مصلحة في فتح ملف اللجوء رغم صلتها الوثيقة بسياسات مكافحة الإرهاب التي تتبناها الدول الأوروبية، فمسألة ترحيل آلاف المهاجرين من ألمانيا وعلى حد وصف أحد المراقبين تشبه شجرة تخفي غابة كثيفة من المشاكل التي يواجهها الشباب الذي تصل نسبته إلى سبعين في المائة من مجموع سكان البلدان المغاربية الثلاث، المغرب والجزائر وتونس والمقدر حاليا بأكثر من تسعين مليون نسمة.
ففي الجزائر ومع تراجع عائدات الطاقة يواجه الشباب مزيدا من التحديات وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وحسب أحدث تصنيف للبنك الدولي فان حوالي خمسين في المائة من الشباب الذين تقل أعمارهم عن عشرين سنة ليس لديهم آفاق عمل، ففي ظل تراجع عائدات النفط بحوالي ثلاثين في المائة ما يفقد خزانة الدولة ما يناهز خمسة وثلاثين مليار يورو، يتعرض مئات آلاف الشبان لمزيد من المتاعب، حيث تعجز الحكومة عن الاستمرار في سياسة دعم السلم الاجتماعي عبر تمويل مشاريع صغيرة للشباب من خلال عائدات النفط، وفي المغرب، البلد الأكثر استقرارا في المنطقة المغاربية والذي تجاوز احتجاجات الربيع العربي بإصلاحات دستورية واجتماعية لا تزال ثمار التنمية المدعومة من أوروبا ودول الخليج لا تؤتي أكلها لفئات واسعة من الشباب المهمشين في الأحياء الفقيرة والبلدات النائية، واضطرابات الحسيمات دليل على ذلك، وتصل معدلات بطالة الشباب في المدن وخصوصا بين خريجي الجامعات إلى حوالي تسعة وثلاثين في المائة.
أما في تونس فبعد ست سنوات من الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي تبدو الديمقراطية الناشئة في هذا البلد وهي تختنق بثقل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية إذ يناهز معدل البطالة خمسة عشر في المائة ويوجد معظم الشباب العاطل والفقير في مناطق مهمشة في غرب البلاد وجنوبها وهي المناطق التي خرجت منها الانتفاضة ضد الدكتاتورية السياسية، وفي ظل الأوضاع الصعبة أمام الشباب في هذه الدول، فان الخيارات أمامه محدودة وغالبا ما تنحصر بين الاحتجاجات في الشوارع أو البحث عن طرق اللجوء نحو أوروبا، وهجرة الشبان إلى أوروبا والتي كانت بالأمس القريب تشكل ملاذا لهم من البطالة والتهميش تحولت إلى هاجس بفعل تسلل آلاف ممن كانوا يعيشون على هامش مجتمعاتهم أو في بلدان أوروبية تعيش أزمات اقتصادية مثل إيطاليا أو إسبانيا وبعضهم كان من ذوي السوابق الخطرة.
وإجمالا فان هذه المشكلة عميقة الجذور ومتعددة الأوجه مرشحة للتصاعد في المرحلة المقبلة خاصة مع هزيمة داعش وتوقعات متزايدة بعودة العناصر الإرهابية وتمركزها في الغالب في عديد من الدول العربية وربما الإفريقية في صورة خلايا نائمة أو ذئاب منفردة، وباتت بالفعل في حاجة إلى معالجة سياسية على أعلى مستوى من خلال برامج مشتركة بين كل الأطراف المعنية، وقد يكون للبعد الأمني والاستخباراتي أهميته الكبرى في تسوية المشاكل الناجمة والمواجهات المتوقعة عن تلك الأزمة، إلا أن الأمر بالفعل يحتاج إلى جهود سياسية وبرامج اقتصادية وتنموية حقيقية وبمباحثات واتصالات مشتركة تكفل تنمية الدول المستهدفة والحد من ظاهرة اللجوء ومواجهة مشاكل «العائدين من داعش» لتجنب مشاكل مماثلة وقعت من قبل أكثر من مرة خلال العقود الماضية لدى عودة العناصر « الجهادية» من مواقع القتال وميادين المواجهات.