الادخار والمناسبات الاجتماعية

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
أوصت عدد من الندوات التي أقيمت على المستوى المحلي والإقليمي خلال السنوات الماضية بضرورة الاعتدال وعدم الإسراف في المناسبات الاجتماعية كالأعراس والعزاء وغيرها من المناسبات الاجتماعية؛ التزاما بتعاليم الشريعة الإسلامية السمحة في هذا الجانب من جهة، وضرورة تقوية جانب الادخار لدى المجتمعات من جهة أخرى. وعلى مدار السنة، وخاصة في شهر رمضان المبارك ترمى الكثير من المأكولات في صناديق القمامة، الأمر الذي يخالف الشريعة الإسلامية التي تتطلب ضرورة مراعاة تلك الجوانب، في الوقت نفسه تشكّل هذه القضايا عبئا ماليا على أفراد الأسرة، وبالتالي تؤدي ببعض الأفراد إلى الاستدانة من الآخرين أو من المصارف، وبالتالي تقل فرص التوفير والادخار لديهم، ويصاب المجتمع بمزيد من الأمراض والتراجع في قيمه وممارساته النبيلة. ووفق بيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي فإن دول مجلس التعاون الخليجي الست تستورد من دول العالم بما يزيد عن 100 مليار دولار سنويا، منها 25% للمواد الغذائية. وقد ارتفعت قيمة الواردات الغذائية في دول مجلس التعاون الخليجي بمعدّل سنوي بلغ 11,2%، أي ما يوازي 23,6 مليار دولار في العام 2014، لتبلغ 29,17 مليار دولار في العام 2016، ومن المتوقع أن تصل إلى 32,43 مليار دولار (119 مليار درهم) في العام الجاري 2017، وفق أحدث التقارير المختصة. ومن المتوقع أن يرتفع معدّل استهلاك المواد الغذائية في دول مجلس التعاون الخليجي بمعدّل سنوي مركّب من 4,2% توازي 48,2 مليون طن متري في العام 2016 إلى 59,2 مليون طن متري في العام 2021.
ويعزى السبب في هذا الارتفاع إلى الزيادة في قاعدة المستهلكين، إلى جانب ارتفاع الدخل الفردي، ولاسيما مع مرحلة تعافي واستقرار الاقتصادات الخليجية من التراجعات التي شهدتها أخيراً.
ولا شك أن الاعتماد الكبير على الواردات يشكل تحدّياً فعلياً لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، مع التقلبات التي شهدتها البيئة الاقتصادية العامة، في الوقت الذي تستمر فيه دول المجلس في ابتكار استراتيجيات واتخاذ خطوات فاعلة لإنعاش الاقتصاد المحلي والحفاظ على استدامة الواردات الغذائية، الأمر الذي يجعلها عرضة لاهتزازات أسعار المواد الغذائية عالميا، بالإضافة إلى مشكلة في مواجهة متطلبات الأمن الغذائي.وتشير بعض الأرقام أن 88% من الأسر العربية تستهلك أكثر من احتياجاتها، وأن طوفان الإعلانات الاستهلاكية يهدر 76% من دخل الأسرة شهريا.
كما تشير الإحصاءات إلى أن نسبة المواد الغذائية في مخلفات القمامة في بعض الدول العربية تصل إلى 45% في الوقت الذي نجد فيه أعلى نسبة وفيات بسبب المجاعات وسوء التغذية والمرض في الدول العربية والإسلامية التي تدين بالإسلام. كما أصبح الإسراف والإنفاق على السلع الكمالية والترفيهية يهدد معظم الأسر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بعد أن بات يلتهم الدخل الشهري للأسرة، ولم تعد معظم الأسر تستطيع الموازنة بين الدخل الشهري والمصروفات ومحاولة ادخار جزء من هذا الدخل تحسبا لأي مشكلة قد تواجه هذه الأسر. وهذا الأمر سائد في السلطنة كبقية الدول العربية الأخرى حيث تنتشر المراكز التجارية الكبيرة وتتزين بالإعلانات التجارية والاستهلاكية التي تعج بها وسائل الترويج والتسويق سواء في الصحف أو بقية وسائل الإعلام التقليدية من الإذاعة والتلفزيون، خاصة في أشهر معينة كشهر رمضان المبارك ونهاية السنة الميلادية وغيرها من المناسبات الدينية والوطنية الأخرى، ناهيك عن تفاعل وسائل التواصل الإعلامي والاجتماعي التي تصل إليها هذه الإعلانات عبر أجهزة الاتصال اليدوية الحديثة الموبايل” الهاتف المحمول” وشبكة الاتصالات الحديثة “الإنترنت”، وغيرها من الوسائل الحديثة والتقنيات المعاصرة. وباتت هذه الأجهزة تستهلك اليوم جزءا كبيرا من الدخل الشهري للأفراد، بجانب ما يتم صرفه على وسائل التجميل والترفيه والسلع الكمالية والمواد الاستهلاكية والسيارات والأثاث والملابس، وغيرها من البنود الأخرى.لذا أصبح أمر الادخار صعبا لدى الكثير من الأسر الخليجية والعربية، وباتت بعضها مطالبة بدفع الديون للمصارف والمؤسسات التمويلية نتيجة للصرف الذي يتم أحيانا على شراء سلع ومنتجات متكررة.
وهذه التوجهات لا تساعد على الاعتدال في عملية الإنفاق والادخار ولا تعطي الفرضة للفرد مستقبلا في الحصول على مستوى معيشة أفضل، حيث يبتعد عن دخوله في دوامة الديون وقضاياها. والمطلوب من المرء المحاولة لتحقيق الجانب الادخاري، ولو بجزء قليل من ماله يوميا أو شهريا.
كما أنه في مثل الظروف الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد الخليجي اليوم نتيجة لتراجع أسعار النفط العالمية، من الأهمية بمكان تغيير أنماط الاستهلاك وخصوصا فيما يتعلق بالتوفير والادخار، وإيجاد مبالغ مقتطعة من ميزانية الأسرة لمثل هذه الظروف وغيرها من الظروف الطارئة، ولكن يبدو أن سلوك الكثيرين في المنطقة الخليجية ما زال على حاله، خاصة وأن السنوات الأخيرة شهدت انجذابا نحو سلوكيات شرائية بدون دراسات جدوى، مما أرهق ميزانيات الأسر واختفى معها بند “التوفير”.
فقديما كان الأب يضع العبء على كاهل الأم ويسلمها مبلغا تدير به شؤون الأسرة، فكانت نعم المدير والمدبر، واستطاعت النجاح والمرور عبر كل الأزمات لتحقق لأسرتها استقرارا كبيرا، حتى أنها وصفت بأنها “وزيرة التموين العائلي”.
لكن الظروف الاقتصادية الحالية التي تمر بها بلداننا العربية والتي صنعتها عوامل مختلفة، سواء كانت اقتصادية تتعلق بالوضع الاقتصادي العالمي أو سياسية وإقليمية تتعلق بظروف المنطقة، كل ذلك كشف عن ضرورة العودة إلى سياسة التوفير العائلي وتثقيف الأبناء بأهمية التوفير والادخار.
فالتوفير لا بد أن يرتبط في البداية بإرادة قوية على اقتطاع جزء ثابت من الدخل ووضعه جانبا في الصندوق أو في بنك الاحتياط بحيث لا تصل إليه الأيادي مهما كانت الظروف، مثلما تفعل الدول في الاحتياطات العالمية. وترتبط بهذا التوفير عدة أمور، منها تحديد الأولويات بالنسبة للأسرة، بحيث يكون ذلك واضحا كل شهر بعد صرف جميع مبالغ الراتب أو الدخل، وأن يقسم المبلغ المستهدف بطريقة يراعي فيه الفرد بند التوفير.
وأهم ما يجب مراعاته في سلوك التوفير هو تدوين ميزانية الأسرة والعمل على تحفيز التوفير حتى على مستوى الأطفال، والاتجاه للأسواق الصغيرة الرخيصة ذات الجودة حتى يمكن تحقيق المستهدف من المبلغ المراد توفيره ليكون جاهزا وقت الحاجة الشديدة والظروف الطارئة. فقضية “الادخار” تعد اليوم واحدة من أهم القضايا التي تتركز عليها الأنشطة الأسرية لأفراد المجتمع، وكذلك تعد وسيلة مهمة لتحقيق التنمية في الدول أيضا.
وموضوع “الادخار” من الموضوعات التي نادت به الأديان ومختلف المذاهب والشرائع من بينها الدين الإسلامي. وهذا ما تركز عليه الدول والحكومات اليوم، وتنادي به المنظمات الدولية بضرورة توجيه أفراد المجتمعات نحو الادخار باعتباره إحدى القنوات الهامة للصرف على القضايا التنموية في المجتمع.

haiderdawood@hotmail.com