في مواجهة عولمة العنف

إميل أمين كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
هل بات العنف والإرهاب ظاهرة عالمية تتجاوز حدود المحلية والإقليمية؟
أغلب الظن أن ذلك كذلك بالفعل، فالناظر لأوضاع العالم في العقدين الأخيرين بشكل خاص يكاد يجزم بأن السياسات العقلانية الحكيمة تتراجع إلى الوراء وأن لغة الدماء والتفجيرات هي التي باتت سائدة من شمال الأرض إلى جنوبها ومن الشرق إلى الغرب.

والمقطوع به أن حادث دهس مصلى الفجر في مسجد فينسبري شمال لندن قد دعا الجميع إلى طرح قضية العنف والإرهاب في السنوات الأخيرة، ووضعها كمادة أولى على خارطة البحث الفكري، فالظاهرة وتبعاتها تكاد أن تكون إشكالية كارثية يمكنها أن تؤدي لإشعال العالم بالحروب ذات الصبغات المتعددة وفي المقدمة منها الحروب الدينية التي لا تبقي ولا تذر.
ما العمل في الطريق لفهم ما يجري حول البسيطة؟
هناك في واقع الحال عدة ملاحظات تعن لنا يمكنها أن تكون هاديا ومرشدا لنا في التفكير ونحن نناقش بأدمغة باردة مجريات الأمور وتطورات الأحداث.
بداية: يمكننا القول إن العولمة وبمقدار ما أعطت وأفادت البشرية في مجالات بعينها، بمقدار ما استلبت منها الكثير من الخصوصية والطمأنينة، فلم تعد مسألة القرية الكونية امتيازا خالصا، ذلك أن ترابط قارات الأرض الست سويا أدى إلى تشابك الخيوط وتداخل الخطوط، إلى الحد الذي جعل ما يحدث من عنف في أقصى الأرض يؤثر في أدناها، عطفا على التقارب الزمني للأحداث الذي بات ينتقل عبر الأثير، وقد رأينا ومن أسف التغطيات الإعلامية اللحظية لعمليات العنف، ما خلق نوعا من التماهي معها من قبل البعض، ودفع البعض الآخر إلى محاكاتها.
ثانيا: أضحى «العنف والإرهاب» ظاهرة عابرة للسدود والحدود من خلال شبكة التواصل الاجتماعي، تلك التي أضحت عالما خلفيا قائما بذاته، وبعيدا عن أعين العالم الحقيقي، وقد مكن هذا العالم رواده من الانتصار على المتابعات الأمنية ورقابتها الصارمة، ومن خلاله بات التخطيط والترتيب والتدريب على الشر والشرور شيئا يسيرا مقارنة بما كان العنف والإرهاب يحتاجه في سبعينات القرن المنصرم على سبيل المثال.
ثالثا: لم يعد الإرهاب والعنف ظاهرة تعتمد على السلم الهيراركي أو التراتبية الوظيفية، بمعنى لم يعد الإرهاب في حاجة إلى تنظيم عنقودي له رأس وأفرع، رأس يوجه عبر استراتيجيات الشر، وأفرع تقوم بالتنفيذ.
هذا النموذج من العنف قبل المعولم رأيناه في حادث 11 سبتمبر 2001، عندما كانت قيادة القاعدة في جبال «تورا بورا» تقوم بتوجيه خلاياها من الإرهابيين لإحداث الضرر الكبير في نيويورك وواشنطن، وقتها كان لابد للتعليمات من أن تصل إلى الطبقات الدنيا عبر وسطاء قيادة متوسطي الحجم، يتصلون بالقيادة العليا.
أما الآن فقد باتت إشكالية الإرهاب والعنف كارثية إذ أصبح الأمر برمته عبارة عن أفكار لها أجنحة تطير عبر الفضاء، ويعتنقها من يشاء ساعة ما يشاء، ومن هنا ولد التعبير الذي استمعنا إليه مؤخرا «الذئاب المنفردة»، وهي منفردة لأنها تقوم بممارسة العنف من تلقاء نفسها، ولا تنتظر توجيهات فوقية تقودها، الأمر الذي يجعل عملية التنبؤ أو التوقع أو المكان لضرباتها القادمة شيئا بعيد المنال، ما يعقد الأمر على قوى مكافحة الإرهاب حول العالم.
رابعا: يمكننا القطع بأنه لم تعد هناك رقعة جغرافية حول العالم خالية من الإرهاب وهذه جزئية تستحق التوقف أمامها وبدون تطويل ممل، لكنها ضرورة تفرضها سياقات الأحداث لفهم ما يجري.
جرى العرف على أن توجه أصابع الاتهامات الغربية دائما للإسلام والمسلمين في الشرق الأوسط تحديدا، انطلاقا من أن هؤلاء وحدهم هم سبب كل شر ومصدر كل بلاء إرهابي في الإقليم وربما العالم.
والشاهد أنه قد فات هؤلاء أن الإرهاب المتجذر في دولة إسرائيل تجاه سكانها العرب الأصليين يتجاوز ما يتهم العرب به.
في مؤلفه الرفيع «الإرهاب. بذوره وبثوره.. زمانه ومكانه وشخوصه»: للكاتب المصري الكبير الدكتور هشام الحديدي، نجد شرحا وافيا صافيا للجماعات المتطرفة اليهودية التي باتت تهيمن على الشارع الإسرائيلي منذ وصول الليكود إلى الحكم في عام 1996، وهي جماعات تنقسم إلى تيارين رئيسيين الأول هو الجماعات الصهيونية التي ترتكز معتقداتها على فكرة أرض الميعاد وشعب الله المختار ويضم جماعة «المزراحي» وهي بمثابة الجماعة الأم التي خرجت من قلنسوتها جميع التنظيمات المتطرفة الأخرى.
وتأتي بعدها جماعة «المفدال» وحركة «تامى» و«موراشا» و«ميماد».
أما التيار الثاني، فهو جماعات التكفير التي تنقسم إلى فرعين : جماعات شرقية «سفارديم» وتضم حركة «حبد» و«شاس» و«ناطورى كارتا»، وأخيرا حركة «ساطمر».
أما الفرع الثاني فيضم الجماعات الغربية «أشكيناز» وتندرج تحتها حركات «أجوادات يسرائيل» و«يجيل هاتوراة» أو «علم التوارة» ، والمثير أن الخلافات بين هذه الجماعات أنها تصل إلى حد تكفير بعضها بعضا، وحتى تكفير قيام دولة إسرائيل ذاتها، ولكنهم يتفقون جميعا على كراهية العرب، واستبعاد الموافقة على تأسيس دولة لهم أو الاعتراف بحقهم في العيش على أرض كانت لهم في الأصل طوال آلاف السنين.
دعنا من الحديث عن ما يسمى نموذج إرهاب الدولة والذي تحدث عنه الكثيرون من المفكرين والمنظرين للسياسات الأمريكية، بمعنى العنف الذي تمارسه الحكومات الأمريكية تحت شعار أو ستار «حماية أمنها القومي» ، ولنتحدث عن العنف والإرهاب المحليين، كما يتجليان من خلال جماعات اليمين الأصولي المتطرف، والذي تصاحبه غالبا مسحة دينية.
خذ إليك على سبيل المثال أن مكتب التحقيقات الاتحادي FBI في الداخل الأمريكي يربط بين أربعة حوادث إرهابية، شهدتها مدينتا اتلانتا وبرمنجهام في جنوب البلاد.
الحادثة الأولى وهي الأكثر شهرة عالميا، تمثلت بالمتفجرات خلال الألعاب الأولمبية في أتلانتا صيف 1996، وقد أسفرت عن سقوط قتيلة وعدد من الجرحى.
أما حادثتا التفجير الثانية والثالثة، فوقعتا في أتلانتا أيضا واستهدفت الثانية عيادة طبيبة أمراض نساء تجري فيها عمليات إجهاض، وطالت الثالثة ملهى ليليا.
لاحقا تلقت بعض المؤسسات الإعلامية رسائل خطية باسم «جيش الرب» تعلن مسؤوليتها عن الحوادث المتقدمة، الأمر الذي يعني أن الأصولية اليمينية قد اخترقت الجدران الأمريكية وبقوة غير مسبوقة.
خامسا: يرتبط الحديث عن الإرهاب ارتباطا جذريا في أذهان الكثيرين بالإسلام والمسلمين، غير أن رافعي لواء هذا الاتهام لا يتوقفون طويلا أمام تفصيلات بعينها من عينة من الذي أذكى نيران قوى التطرف الإسلاموي في القرن العشرين برمته؟
الشاهد أن هناك مرحلتين في هذا الإطار، الأولى تتصل بفترة خمسينات القرن المنصرم حينما شجعت إدارة إيزنهاور دعم الحراك السياسي الإسلامي، وكان لاهوتي البيت الأبيض «جون فوستر دالاس» هو صاحب فكرة استخدام العالم الإسلامي في احتواء المد الشيوعي حول العالم.
المرحلة الثانية وهي في واقع الحال الأكثر خطورة والتي يعاني الشرق والغرب منها على السواء، كانت تتصل بمواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، حيث جادت قريحة «زيجينو بريجنسكي» مستشار الأمن القومي وقتها بأفكار تجنيد شباب مسلم وعربي بنوع خاص لقتال الاتحاد السوفيتتي هناك.
بالقطع لم يكن من بين أهداف الأمريكيين الأولى الدفاع عن الإسلام كعقيدة ومحتوى روحي، بل قطع الطريق على السوفييت وقبل وصولهم إلى منابع النفط في الخليج العربي.
ولد تدريب وتسليح طالبان وبقية الجماعات العربية المهاجرة فكرا واستراتيجية جديدة، نشأت من رحمها جماعة القاعدة، وحين انتهت الحرب في أفغانستان ظهر التأثير القاتل للعائدين من أفغانستان قتلا وتخريبا، تفجيرا وخطفا، نارا ودمارا، في سائر دول الشرق الأوسط.
سادسا: من قلب الفوضى العالمية والشرق أوسطية وبسبب سياسات أقل ما توصف بأنها متوحشة وغير إنسانية ولدت داعش في العراق وسوريا، ليضحى المشهد العالمي أكثر التباسا، فقد تجاوزت داعش فكر القاعدة التقليدي إلى حلم عودة الخلافة الإسلامية، مع ما واكب ذلك من التباس العنف والإرهاب بالدين، وإدارة المشهد بأعلى درجات التوحش.
الكارثة الداعشية لم تتوقف عند حدود الشرق الأوسط فقد اعتبرها البعض في أوروبا وأمريكا بمثابة صرعة عصرانية جديدة، كبقية الصراعات التي عرفتها أوروبا إرهابيا في السبعينات مثل «الألوية الحمراء» في إيطاليا أو «بادرماينهوف» في ألمانيا.
أنشأت القاعدة واقع حال، وأضافت داعش تغيرا جوهريا فقد جعلت العنف والإرهاب أفكارا تطير حول العالم، وعليه بات المحللون الاستراتيجيون متشائمين من المستقبل، فحتى إذا قتل البغدادي وإذا خسرت داعش الموصل بالكامل، وتم دحرها بالمطلق في «الرقة» السورية عاصمتها الحالية، فإن الأفكار التي خلفتها وراءها ربما تنبثق عنها أشكال جديدة من العنف الأكثر ضراوة وخطورة في السنوات القادمة.
هل نحن أمام طريق مسدود وظاهرة لا حل لها ما يعني أن البشرية تعيش خطرا داهما، وشرا مستطيرا سوف يستفحل ولا شك في قادمات الأيام؟
المؤكد أن حل مشكلة العنف والإرهاب بوصفها من أعمال الأمن فقط هو اختزال ضار بأبعاد المشهد وآلياته، فوسائط الأمن وإن كانت خط المواجهة الأول ضد وسائط العنف، إلا أنها تبقى استراتيجية قاصرة، إذا لم يؤخذ في الحسبان الأبعاد الفكرية للإشكالية، والفعل الأكبر في مواجهة حرب الأفكار ومواجهة الأفاعي، هو الانصراف إلى فهم وتحليل عميقين للعوامل التي جعلت من حديقة البيت بؤرة جذب لها، ومن سور الحديقة ثغرة كبيرة هي مجموع ثغرات أكثر اتصلت وجعلت أفاعي الشر تزحف على العالم.
هل تستفيق البشرية على الخطر الداهم أم تسلم أوراقها إلى مستقبل ملغوم؟