العـرب وبلادهم في مخيلة الشــعر الإنجليزي

مسقط «العمانية»: إن الصور التي تتشكل عن شعب أو مكان أو ثقافة في سياق أدب أي أمة من الأمم أو ثقافة من الثقافات لهي من الأهمية بمكان، وتنبع الأهمية من سعينا لرصد هذه الصور، ومحاولة فهم طرق وآليات تكونها والظروف الزمانية والمكانية وراء هذا التشكل.
وهذا الجهد سوف يسهم في فتح أبواب القراءات والدراسات الواعية والمعمقة حول ما يُكتب عن الثقافات والحضارات الأخرى داخل أدب أية ثقافة. فالأدب لا يرسم أو لا يحمل تصور الذات المبدعة عن نفسها بل عن غيرها من الشعوب والثقافة، ولا يخفى على الدارسين القيمة الفكرية لهذه التصورات حيث إنها تحتاج إلى مقاربات متداخلة التخصصات حيث إن تخصصا واحدا أو منهجا واحدا لا يكفي.
ومن الأهمية بمكان القول: إن الخطوة الأولى لرصد ما كتب عن العرب وعن ثقافتهم وبلادهم مهم جدًا، ولكن تلك الكتابات قد صيغت بلغات غير العربية. لذا يصبح من الضرورة ترجمة هذه الأعمال أولا إلى العربية بغرض تقريبها للباحثين ثم الانكباب على هذه النصوص فهما وتحليلا.
لقد عُني الباحث والشاعر العماني الدكتور هلال بن سعيد الحجري بالتنقيب عن ما تختزنه مدونة الأدب الإنجليزي من نصوص عن عمان، وجاء كتابه الأول في هذا الجانب وهو كتاب «غواية المجهول عمان في الأدب الإنجليزي» الذي نشره النادي الثقافي سنة 2010م حيث ضم هذا الكتاب عددًا من النصوص الشعرية والروائية ونصوص من أدب الرحلات الإنجليزية التي تحضر فيها عمان، وأبان الحجري في هذا الكتاب أن صورة عمان في الأدب الإنجليزي لهي من الثراء بحيث إنها تستغرق فنونا عدة، كما أن هذا الحضور متعدد ومختلف من عصر لآخر.
أما مبعث اهتمام الحجري بهذا الجانب فقد أتى نتيجة تخصصه في الدراسات الاستشراقية، حيث كتب أطروحته التي نشرت في كتاب «عُمان في عيون الرحالة البريطانيين: قراءة جديدة للاستشراق» وقد ترجم الكتاب الدكتور خالد بن محمد البلوشي ونشر في طبعته الأولى سنة 2013م ضمن البرنامج الوطني لدعم الكتاب العماني بالتعاون مع دار الانتشار العربي.
وصدر في نهايات العام 2016م كتاب جديد للدكتور هلال الحجري «بلاد الشمس: قصائد من الشعر الإنجليزي حول العرب وبلادهم» الجزء الأول عن دار الانتشار العربي-بيروت، ويقع الكتاب في 171 صفحة.
ويواصل الحجري في هذا الكتاب مشواره الذي ابتدأه في غواية المجهول، ولكنه هنا يقتصر على الشعر الإنجليزي، كما أن نطاق دائرة الاهتمام تتسع نوعا ما حيث يرصد النصوص الشعرية التي كتبت عن العرب وبلادهم ولا يقتصر على عمان. وهذا الكتاب هو بداية سلسلة من الإصدارات مكرسة لترجمة النصوص الشعرية التي تتخذ من العرب وبلادهم مناخا كتابيا ومتخيلا أدبيا.
وألحقت بجانب الترجمة العربية النصوص الأصلية حتى يتسنى للقارئ الاستمتاع بالنص الأجنبي بجانب ترجمته العربية. كما ضم الكتاب نصوصا شعرية لتسعة شعراء كتبوا بالإنجليزية وهم؛ الشاعر توماس بيلي ألدريتش، والشاعر السير إدوين آرنولد، والشاعر توماس إروين، والشاعر واليام جيمس لينتون، والشاعر صموئيل لوفر، والشاعر ريتشارد مونتكون، والشاعر إيفيلين دوجلاس، والشاعر فرانسيس هيستينجر دويل، والشاعر رالف والدو إيمرسن. وألحق المترجم سيرة ذاتية مختصرة لكل شاعر. وينبه الدكتور هلال الحجري إلى أن ما قصده بالشعر الإنجليزي ليس الشعر المنتج في إنجلترا بل المكتوب باللغة الإنجليزية، ليشمل شعراء إيرلنديين، واسكتلنديين، وأستراليين، وأمريكيين.
ويشير الدكتور هلال بن سعيد الحجري إلى أن صورة العرب قد تشكلت في الذهنية الأوروبية في مراحل زمنية مختلفة بصور غاية في التعدد والتنوع، فمن نصوص الكتاب المقدس التي وسمت الصحراء العربية بميسم الخطيئة والمجاعة والقحط، إلى الإغريق الذين نظروا إلى بلاد العرب على أنها البلاد السعيدة، كما تم تصوير البلاد العربية على أنها المكان الذي نفيت إليه السيدة هاجر.. كما تجلى ذلك في كتابات العصور الوسطى.
أما العرب فقد رسمتهم كتابات مؤرخي الحملات الصليبية في القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر على أنهم بدو يشبهون بنات آوى في تربصهم لنتيجة القتال بين المسلمين والصليبيين، حيث إنهم ينقضون على المنهزمين من كلا الفريقين لسلبهم.
وفي القرن الرابع عشر يقدم الرحالة البريطاني الشهير جون مندفيل صورة سلبية عنهم ولكننا نجد أن هذه الصورة قد أخذت بالتغير أثناء فترة الأنوار الأوروبية حيث أصبح عربي الصحراء في الآداب الغربية يصور على أنه البدائي النبيل «Noble Savage « وصورهم الرحالة الألماني كريستين نيبور بأن البدائي النبيل تجتمع فيه صفات الحرية، والاستقلالية، والبساطة، وذلك حين زارهم في الستينات من القرن الثامن عشر وتظهر هذه الصورة كذلك عند الرحالة وليام هيود الذي زار مسقط في نوفمبر 1816م وأخذت ظهور هذه الصورة تتكرر في كتابات الرحالة السويسري بوركهارت، وتيم فلفورد، والشاعر البريطاني ويليام وردزورث. بل إن الرحالة الأوروبيين الذين كتبوا عن المنطقة العربية أخذوا يكثرون في كتابات ونصوص رحلاتهم من اقتباس مقطع شعري لشاعر فرنسي اسمه والتر دي لامير ( مجنون ببلاد العربِ، سحرته، سرقت عقله تركته بلا أربِ).
ويؤكد الحجري على أن خزانة الشعر الإنجليزي طافحة بألمع الشعراء الذين استلهموا جزيرة العرب وأهلها وثقافتها، من أمثال والتر سفج لاندو (1775-1865)، وروبرت ساوثي (1774- 1843)، ولورد بايرون (1788-1824)، وبيرسي شلي (1792-1892)، وصامويل كوليردج (1772-1834)، وويليام وردزورث (1770-1850)، وهناك غيرهم الكثير من الأسماء التي استلهمت بلاد العرب وناسها فيما كتبت، حيث امتد هذا الاستلهام إلى أسماء لامعة من الرومانسية الانجليزية إلى الشعراء الفكتوريين ومن أتى من بعدهم حتى يومنا هذا برغم اختلاف التمثلات والصور، إلا أن حضور العرب لم يكن مقصورا على كتابات ونصوص مشاهير الشعر الإنجليزي بل إن هناك الكثير من الأسماء الشعرية المجهولة قد تمثلت أيضا الثقافة العربية مكانًا وبشرًا في نتاجاتها الشعرية.