قلم بلا حبر: تنـفـــــيـذ

سلطان الحوسني –

يُعرف عنا بأننا مغرمون بالتشبه بالآخرين حتى النخاع، فمعظم تجاربنا الحديثة عبارة عن محاكاة لتجارب الآخرين لكن بشكل فيه من الترقيع الكثير، وهناك من يظن بل يؤمن بأنه علينا استنساخ هذه التجربة أو تلك من التجارب الناجحة، ولكن نتناسى أو نغفل بأن ما ينجح في بلد ما قد لا ينجح في بلادنا لاختلاف الظروف والمعطيات وبالتالي يصعب علينا «تنفيذ» تلك التجربة الناجحة معنا لأنها ليست على مقاسنا، حتى ولو أقمنا لها وحلقات عمل لأشهر وليس لأسابيع ..!
نعم …الإنسان ملزم بالاجتهاد من الناحية الشرعية والتحرك واتخاذ القرار ولو ترتب على تلك القرارات بعض الأخطاء، فعدم اتخاذ القرار هو أسوأ الأخطاء كلها، لكن … نحن بحاجة إلى القرارات التي تنطوي على الإبداع والابتكار والتي يمكن النظر إليها كعملية ذات مراحل 3 هي: توليد الأفكار، تنمية الأفكار، تنفيذ الأفكار، وليس القرارات التي تبنى على آراء وقناعات أشخاص فقط وتفتقد إلى الدراسات والاستنتاجات وعواقب اتخاذها الإيجابية والسلبية ومدى نفعها أو ضررها.
وعلى من يتربعوا على قمة هرم اتخاذ القرار أن لا يسرحوا ويمرحوا حسب أهوائهم فيتخذوا قراراتهم الارتجالية المنقوم عليها، فالقرار الذي يليه قرار، ولا يجدي نفعا ولا يحقق غاية ويكون مصيره الفشل تلو الفشل يسبب إحباط يتلوه إحباط يجب أن نتوقف عنه والعودة إلى الرشد والصواب، فما عادت رياضتنا وأنديتنا ومنتخباتنا وما يتصل برياضتنا حقل تجارب…!
وهناك فرق بين أن تكون شجاعا وأن تكون انتحاريا، فهناك قرارات مفصلية تتحمل المخاطرة تواجه الإدارات لابد من أن تواجه بحزم وعزم إرادة لإثبات الوجود وقوة المؤسسة وجودة عملها، ويتوجب أن تكون المخاطرة محسوبة عند اتخاذها لتطوع لها كل الظروف ليكون الأداء ناجحا فيحب ويستحب، وهنا تكون الشجاعة مقبولة، بينما تضرر الأطراف الشريكة من أخطار القرار فيه انتحار لمتخذي القرار لأنهم سوف يفقدون ويخسرون الثقة بهم وبقراراتهم مستقبلاً.
نحتاج اليوم إلى تخفيض الطموحات والتوقعات لدى متخذي القرارات في «الإدارات المثالية» التي لا وجود لها إلا في عالم الخيال والتنظير، وعلينا الاكتفاء بالعمل والاجتهاد لتحقيق الأهداف الممكنة والمقنعة بدلاً من الأهداف الكاملة والرشيدة وأن ندرك استحالة وجود (المدينة الفاضلة) التي وردت في فلسفة أفلاطون.
وهنا لا ندعو إلى البقاء في الظلام والتباكي على واقعنا بل نقول أنه بدلا من البقاء في الظلام متحسرين على عدم قدرتنا على تحقيق ما حققه الآخرون علينا أن نتحرر من نمط التفكير السلبي والنظرة القاصرة لأنفسنا وقدراتنا ونعمل على بناء واقع مستقبلي يتناسب مع ظروفنا والمعطيات التي تتوفر لنا لننطلق إلى العالم بتجربة نموذجية يشار لها بالبنان وتكون ملهمة للآخرين.
علينا أن نتحلى بالجرأة لاكتشاف مستقبل مذهل بدلا من حصر أنفسنا في مربع المقارنة ومحاولة الوصول لما وصل له الآخرون قبلنا، فكم من عام ما زلنا نحتاج بعد لنتخذ قرارات مصيرية قابلة للتنفيذ والعمل بها لمستقبل مشرق لرياضتنا … ؟
نحتاج إلى أن يقوم بعض الكرماء من الناصحين الصالحين (وهم كُثر) بنصح أصحاب القرار لتصحيح المسار في اتخاذ القرار بعيدا عن العاطفة أو لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، فالقرارات المصيرية لا تتخذ لإرضاء طرف مقابل أن تضعفنا وتعيدنا للخلف، بل يتوجب علينا أن نصنع من رحم المعاناة انطلاقة لنا ولمستقبل رياضتنا مع التقدير لرأي الشركاء.
وإذا ما طارت كلمة المحترفين من قاموس دورينا وقبلنا بذلك أم لم نقبل فهو حدث فعلاً، لكن أن يكون دوري الدرجة الأولى والدرجة الثانية حقل تجارب عام بعد عام وبغياب مسببات التجارب والتبديل والتغيير في النظام والشكل فذاك لعمري يدعونا إلى النصح لكم بالتريث وبلع الكبرياء بالظهور إلى العلن والتصريح بأخطاء القرار السابق وجودة القرار الحالي وإلا فلن يكون لأنديتنا القدرة على «تنفيذ» ما لا يمكن تنفيذه من استنساخ يهدر معه الوقت …! ويبقى الوضع محلك سر.

آخر سطر ..

تدارس حركات العمل الإداري وسكناته فيه نجاة من العبث.