هل يحتاج العرب إلى «وستفاليا» جديدة؟!

د . واصل القعيطي –

تعتبر الحروب جزءاً أساسياً من صيرورة التاريخ حروب تشنّ تحت شعارات مختلفة، لكنّ الحجج التي تعطى في الإعلام لشنّ الحروب تكون في أوقات كثيرة كاذبة، تكشفها الوثائق بعد سنوات من انتهاء الحرب، وما يزال الإنسان إلى اليوم يقف حائرا أمام استعصاءات معرفة كنه دهره المقبل، وهو أمر يعود لعدة أسباب، منها قوة خصوبة ذلك المستقبل.
وكمنطلق للقول نشير إلى أن ثمة إحراجات تعترض الكتابة في العديد من القضايا نظرا لأن درجة اللغط ومنسوب السجال فيها وصل إلى مستوى خطير.
ولعل موضوع الأزمات ومستقبلها في هذه الخريطة المتفجرة دوما (الوطن العربي)، على قائمة الموضوعات التي وصلت حد التعارض الحاصل في البرامج السياسية لكل دولة عربية على حدة، وكذلك المسافة الحضارية بين كل بلد عربي وآخر.. ونحن هنا إذ نقدم اعتذارا لمن نرغب في مطارحتهم هموم الأمة عن ما قد تثيره محمولات الموضوع من سوء فهم ومراجعات قد لا تروق له، نرى أن هناك أمورا ينبغي أن توضع في الحسبان. منها أن ما يقدم عن الأزمات العربية عَرضا واستعادة وتكرارا ليس جهدا ضائعا أو منقطع الصلة بطرق الحل ومسالكه؛ فحيثما لا ينفع الدواء يبقى الطريق الصحيح هو معاودة فحص حالتنا.
أغلب التحاليل المقدمة في هذا المجال قد تراوحت بين مقاربات تقوم على الإطراء والتقريظ وجلد للذات في غير محله، وعندما نهدف هنا إلى تفعيل الرؤية التي تؤمن بأننا بحاجة إلى منهج علمي يتمحور حول محاولة اختراق حجب الضباب التي تفصلنا عن المستقبل لكي نتجنب هول وخسائر الكوارث التي يخبئها لنا المصير المجهول،علينا أن نبدأ في تفكيك بنية الموضوع الذي يبدأ عنوانه بالمستقبل وعلاقته العكسية بالماضي، (ماضي الأزمات العربية)، علينا أن نحاول تحديد بعض المعطيات التي ترشدنا إلى فك رموز المرحلة وتساعدنا في الإبحار صوب مستقبل مجهول لكنّه قادم بشكل أكيد. وهو إجراء يجد مسوغَه في الوعي بالعلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر والمستقبل.
منطقتنا مشتعلة، مهددة بالانقسام، وسط تداخل محموم للمصالح الإقليمية وظهير كل منهما الدولي، وقوى محلية تتنافس لتحقيق أهداف متعارضة، ويبدو أن الكل خاسر لا محالة ولا سبيل لقوة محلية أو إقليمية أو دولية أن تحقق أهدافها على حساب منافسيها، وصار غباء المواجهة العسكرية واضحا ومكلفا، وأدرك الكل أن المعادلة الصفرية مستحيلة وأنه لا سبيل إلا الحل السياسي الذي يضمن لكل طرف الحد الممكن من المكاسب والتي تتوافق أو تتسق بما لا يضر بمصالح باقي الأطراف.
النزاعات في سوريا والعراق واليمن وليبيا متشابهة ومتشابكة، ولكن أطرافها تكاد تكون واحدة، فلكل من طرفي الصراع من اللاعبين الدوليين الولايات المتحدة وروسيا مصالح متعارضة يوظفون من أجل تحقيقها أطرافا إقليمية ومحلية، فاستخدمت المعارضة الوطنية المحلية، وأضيفت لها جماعات مسلحة، في معركة بدأت لنيل حق مشروع في الديمقراطية والمشاركة السياسية لتنتقل لمشروع مختلط لأهداف قوى إقليمية، ملخص هذا المشهد المأساوي المتقاطع المصالح أنه لا خروج منه بالقوة المسلحة وأنه لا طرف محليا كان أو إقليميا أو دوليا أن يفرض إرادته على الآخر، وهذا هو محور الخلاف بين من يقبل مكاسب تكتيكية قد يحصل عليه أو يهمل الأثر الأبعد والأخطر.
فالثابت أننا أمام قوى عدة متداخلة إقليميا ودولياً وصلت لحد التكافؤ العسكري والسياسي ولن يسمح أي منهم بانتصار الآخر، ولا سبيل كما علمنا التاريخ إلا بجلوسهم معاً لبحث المخارج وسبيل فك الاشتباكات الثلاثة: بين القوى المحلية بأجندتها الطامحة لمستقبل ديمقراطي، وأن مواجهة هذا التوغل الإقليمي لا يكون بقوة السلاح، وما دمنا قد جربنا الحرب وذاق الجميع مرارتها، فإن لحظة التكافؤ الإقليمي والدولي تلك هي فرصة نادرة لنبحث مصيرنا المشترك ومستقبل أمتنا ودولنا وشعوبنا.
في مشاهد متفرقة بارقة وعي وأمل فهناك هدنة قلقة في اليمن، وهناك مشهد سوري وعراقي بلغ ذروته، ولم يعد أمام أطرافه إلا المزيد من الجهد والعمل.
إن حاجه الشرق الأوسط لمؤتمر سلام شامل مشابه لمؤتمر وستفاليا في أوروبا والذي وضع نهاية حرب الثلاثين عاما والتي تصارعت فيها دول أوروبية عدة في مواجهات دامية اختلطت فيها المصالح الاقتصادية والخلافات الدينية والمذهبية والأطماع الإقليمية في الأرض والسكان وما كان هناك سبيل للخروج من الدوامة، إلا عندما جلس كل الفرقاء المتحاربين على مائدة واحدة في مقاطعة وستفاليا الألمانية، وبالفعل قاد هذا المؤتمر الأطراف كافه للخروج بأوروبا على النحو الذي نراه اليوم وأبعد عنها مخاطر ومآسي الحروب لعشرات السنين وأرسى دعائم التعايش وثبت كيان الدولة القومية و السيادة الوطنية واحترام حسن الجوار وعدم نشر المذاهب وتجنب الصراع الأيدلوجي واحترام المواطنة والخصوصية الثقافية للأقليات وللشعوب، وتم ذلك تحت إشراف ومتابعة أطراف لعبت دور الوسيط راعت الاتفاق من مرحلة التفاوض لمرحلة التطبيق وكانت حكما ووسيطا بين الأطراف وهو دور يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة و ربما أوروبا في أزمات المنطقة.
إذا المقاربة الإقليمية الشاملة حاضرة في التاريخ، إن المقاربة الإقليمية الشاملة لتسوية النزاعات في المنطقة لم تعد ضرورة فقط بل أراها الطريق الوحيد الممكن، فنحن أمام تعدد الأهداف والمصالح والقوى المحلية والإقليمية والدولية المتعارضة فيما بينها والتي فشلت في حسم خياراتها العسكرية ولم يعد أمامها إلا الجلوس معا لبحث مجمل الأوضاع والأزمات والمستقبل، وفي أقل تقدير، تعتبر محاولة قراءة المستقبل انطلاقا من معطيات الحاضر، عملا غير مقنع للبعض، نظرا لأن سلوك الإنسان لا يخضع لقانون ثابت بحكم ما تنطوي عليه النفس البشرية من خبايا وعقد وألغاز وحرية، وما يفرضه المجال من متغيرات على الإنسان.